كرامة الإنسان وحقه والغاية التي من أجلها خلقه الله تعالى وهي تحقيق العبودية خالصة لوجهه الكريم، أمور لا تتحقق إلا بعدم إكراهه في معتقداته الدينية والسياسية والاجتماعية. وعلاقة الإنسان بالسياسة لا تنفك عن علاقته بأخيه الإنسان منذ وجوده، فالسياسة المتبعة في أي مجتمع هي الأساس الذي تُبنَى عليه العلاقات بين الأفراد والجماعات، ومن أعظم الطوام التي عانت البشرية منها ولا تزال، في ظل الأنظمة الشمولية عبر التاريخ، إكراه المجتمع المبتلى بها على أن يكون قطيعا تقوده حسب أهوائها، بوسائل وآليات في غاية القساوة، والقاسم المشترك بين كل الشموليات هو التمسك بالسلطة وعدم الاعتراف بالآخر كشريك مواز، واتهام كل المخالفين الذين يُخشى منهم على هذه السلطة بأبشع التهم، تلك صورة لما اتصف به فرعون مصر رأس هرم الاستبداد على عهد سيدنا موسى عليه السلام، فقد وصم الطاغية نبي الله بتهم الفساد وتبديل الدين والخروج على تعاليمه، فقد وردت دعاية فرعون في سورة غافر، وتحامله على النبي الطاهر في قول الله عز وجل: إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد 1 ، ونرى كيف أن المُطبِّلين والمُزمِّرين الذين يستخدمهم رأس هرم النظام الشمولي، كأدوات لذر الرماد في أعين البسطاء بكل زمان ومكان، يتبعون ذات السلوك الذي سار عليه الملأ المقربون من قوم فرعون قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون 2 .

وهكذا تُقَدَّمُ الفكرةُ الإيديولوجية التي تُبنى عليها الأنظمة الشمولية للمحكومين على أنها فكرة مقدسة، من يخالفها فهو زنديق، كافر، وخائن وعميل وعدو، وما إلى ذلك من أوصاف القدح، لإضفاء الشرعية على إنزال أشد العقوبات به أمام أعين الملأ الذين تم الاستخفاف بهم، عَمَلاً بالتعبير الفرعوني … ذروني أقتل موسى وليدع ربه.. 3 .

فالزعم بأن الفكر الشمولي في أي زمان ومكان هو فكر مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفرض ذلك على الناس باسم الدين أو الوطن والقومية أو أي إيديولوجية أخرى، ما هو في النهاية إلا إسقاط لتكبر فرعون الذي بلغ حدا جعله يزعم الألوهية، قال تعالى: وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري 4 وقال فحشر فنادى أنا ربكم الأعلى 5 .

وفي كل الشموليات نجد ملأً من المداحين والمتزلفين وظيفتهم تبرير الاستبداد والفساد وإضفاء الشرعية على قمع المخالفين وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك، قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساهم وإنا فوقهم قاهرون 6 .

وفي كل الشموليات لا يجوز لأي فرد من المجتمع أن يعتقد ما هو خارج إطارها الفكري كان دينيا أو سياسيا. ومن يفعل ذلك فالعاقبة وخيمة . أنظمة تستخف بالناس وتفرض على الملإ الإتباع الأعمى، فالذي أجج غضب فرعون على السحرة حتى قتلهم شر قتلة، ليس إيمانهم لموسى عليه السلام فحسب، بل، فضلا عن ذلك، إيمانهم قبل أن يأذن لهم آمنتم له قبل أن آذن لكم، والتهمة عنده جاهزة من قبل إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، ذات السلوك تتصرف به الأنظمة الشمولية، عبر الافتراء على كل من يدعو إلى الحق والعدالة بكونه ضد مصلحة الوطن والناس، فيكون مصيره الإقصاء وأشد ألوان العقاب، حتى تخلو الساحة لفرض منظومة فكرية واحدة على “الرعية”، وبسط أضاليل تحول دون رؤية الحقيقة مهما كانت واضحة وجلية، قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد 7 .

إن ما يطيل أعمار الأنظمة الفرعونية، إضافة إلى بطشها الشديد، هو سذاجة “الرعية”، وسرعة انطلاء الأكاذيب عليها، وطاعة كبراء القوم لها طاعة عمياء، قال تعالى واصفا رِعَاعَ فرعون بالفسوق: فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين، قابلية القوم للاستخفاف جعلتهم ألعوبة سهلة في يد فرعون، كذلك يفعل تلامذة فرعون بالشعوب البليدة الخاملة الخائفة، باستعمال سلاح الإعلام الكذاب، فضلا عن مختلف وسائل الترغيب والترهيب، غير أن الظلم مؤذن بالخراب، ورفاهية الطغاة ليست أبدية، بل تعقبها نهاية مخزية.

ولو نظرنا بتمعن في كل الشموليات في أي زمان ومكان لرأيناها غارقة في الوهم كما كان حال فرعون، فهي لا تعي حقيقة نفسها وهي ذاهبة حتما للسقوط والهلاك كما غرق فرعون وأتباعه في اليَمِّ، ولا تستفيق من سكرتها حتى ينقلب عليها سحرها لحظة الانهيار.

إن سقوط الأصنام السياسية حتمية تاريخية، لكن ذلك لا ينهي محنة المجتمعات، إن لم تكن قد تحطمت تلك الأصنام في النفوس والعقول، وإلا فسرعان ما يجد قوم مغفلون أنفسهم تحت قهر صنم آخر، وفي إطار شمولية أخرى بلون آخر، فلا مناص من أخذ الدروس واستخلاص العبر من سنن الله في الخلق والكون، وقصص القرآن الكريم.

قال الله تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون 8 .


[1] غافر الآية 26.\
[2] الأعراف الآيتان 109-110.\
[3] غافر الآية 26.\
[4] القصص الآية 38.\
[5] النازعات 23-24.\
[6] الأعراف الآية 127.\
[7] غافر آية 29.\
[8] يوسف آية 111.\