خلق الله الرجل والمرأة من نفس واحدة، وجعلهما شريكين في هذه الحياة على قدم المساواة، متساويين في القدْر مبدأً، وفي الجزاء معادا، لا يَفْضُل أحدهما صاحبه إلا بما يحسن.

وكان مما حمل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من رسائل وما حُمِّلوا من أمانات أن يُعَدِّلوا كفَّتي الميزان بين هذين الشريكين كلما رجح الظلم والحيف والهوى والمصلحة والأنانية بأحدهما على حساب شريكه. وما كان اختلال هذا الميزان على مدى تاريخ البشرية إلا على حساب المرأة.

وجاء الإسلام فأعاد تعديل الميزان بما أملاه الوحي الإلهي، وبما ثبَّته على الأرض خاتمُ الأنبياء والمرسلين، عليه صلاة الله وسلامه، واقعا ملموسا منظورا معيشا متحركا يشي بعظم المجهود النبوي الذي بذله رحمةُ العالمين في إنصاف المرأة أُمّاً وزوجا وأختا وابنة وإنسانا لها كامل الصفات الإنسانية التي تجعل منها شريكا فاعلا في بناء الإنسان والمجتمع والأمة والإنسانية مع شريكها الرجل يدا بيد.

جاء هذا الدين ليعيد تصحيح وضع المرأة التي كانت تعتبر متاعا من المتاع يباع ويشترى، وخادما سامعا مطيعا في كواليس الأسرة وعلى هامش المجتمع وخارج سياق التاريخ، وكان الرجل يقرر عنها في نفسها وشؤونها وخصوصياتها وحاجاتها وحقوقها في وصايةٍ عليها ظالمةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وكانت تكابد مرارة الاستضعاف ضِعفين، مرارةَ ظلم الإنسان للإنسان ومرارةَ ظلم الرجل للمرأة، وكانت رمزا للعار لا يمحوه إلا الوأد… جاء هذا الدين العظيم فربى الناس على أن المرأة الأمَّ هي أَوْلَى بحسن الصحبة من الرجل الأب، وأن المرأة الزوج هي كمال دين الرجل لا يكمل إلا بها، وأن مِن الفأل الحسن ومن علامات البركة أن يكون المولود الأول للزوجين أنثى، وأن مَن أحسن تربية ثلاث بنات أو اثنتين أو واحدة ضَمِنَ الجنة، وأن الرجل يكون خَيِّراً وكريما أو شريرا لئيما بحسب تكريمه أو إهانته إياها: “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم”، “خيركم خيركم لأهله”

وانقضَّت عرى الإسلام عروة عروة على مدى ما يقرب من أربعة عشر قرنا، استقوى فيها العض والجبر واستبد بالإنسان وفكك روابط المجتمع وشلّ القوى الحية في الأمة، فكان للمرأة النصيب الأوفر من الظلم والمهانة والإذلال الذي كابدته وتكابده خير أمة أخرجت للناس.

فكيف تخرج المرأة ومعها الأمة من هذه الوهدة التاريخية، والاستبدادُ المخزني يحاصرها ببطشه وعنفه وظلمه وإعلامه وبـ”إسلامه الرسمي” الممالئ له والذي يساهم في تثبيت أركانه على حساب المجتمع رجلا وامرأة؟

إنه لا مناص لنا من إعادة صياغة نظرة الأمة وموقفها وحركتها في اتجاه إحياء وتجديد دينها العظيم وقيمه التي أثبت تاريخ البشرية أن تكريم الإنسان عامة والمرأة خاصة لا يرتقي إلى الذروة إلا بتبني هذه القيم وبالتشبث بها وبنشرها.