لم يعمر “زواج المتعة” بين النظام المغربي والحركة الطلابية بعد الاستقلال طويلا حتى أعلن النظام من جانب واحد على اعتبار الجامعة والحركة الطلابية منطقة ومنظمة محظورتين. وبعيدا عن الأسباب الكامنة وراء هذا الإعلان وما تلاه من أزمات متتالية في العلاقة بين النظام والطلاب، وبين رموز النظام والقيادات الطلابية إلى الآن، سنركز ها هنا على حالة “الفوبيا” أو الدعاية المغرضة الزائدة عن الحد، والتعبئة الهستيرية المضادة، وتوجيه القضاء، وتهديد المنظمات المدنية، التي يمارسها النظام بكل إمكانياته وكوادره وأعوانه ومؤسساته من أجل عزل الحركة الطلابية وتحجيمها وتسويق أخبارها كمربع للعصيان والعنف والبطالة والخروج عن القانون.

يتميز النظام المغربي عن بعض الأنظمة الشمولية الأخرى بكونه لا يبقي على شعرة معاوية مع كل من يعتبره تهديدا لأحدى شرعياته التاريخية، سياسية كانت أو شعبية أو دينية، لذلك نجده يفرض كل شروطه على شركائه في العملية السياسية التي يتحكم فيها، لقطع جميع أشكال العلاقة مع المنظمات أو الحركات أو الشخصيات المغضوب عليها من قبل النظام. يجد هذا القول سنده في نوع التحالفات التي تنسج في أكثر من مجال، وهي عبارة عن مشاريع لأحد القطبين: قطب النظام وباقي شركائه من السياسيين والإعلاميين والحقوقيين والأكاديميين والاقتصاديين، وقطب المعارضة الراديكالية بشقيها الإسلامي واليساري، وبين القطبين المذكورين، شخصيات أكاديمية أو سياسيون سابقون أخذوا على عاتقهم المساهمة في تبيان أخطاء الماضي وتهديدات المستقبل، ونظرائهم من الطامعين في نعمة من نعم الاستبداد.

هذه الحالة من الانغلاق التي يفرضها النظام المغربي، تجعله مضطرا في كثير من الأحيان إلى ممارسات غير مشروعة في سبيل تحجيم الخصوم الحقيقيين، عملا بقاعدة ميكيافيلي الذهبية الغاية تبرر الوسيلة).

والحركة الطلابية، بحكم الهوية النضالية للفاعلين فيها وتاريخها وواقعها من جهة، وبحكم طبيعة النظام المغربي من جهة ثانية، لا يمكن أن تكون إلا عدوا، وهو العدو المعلن عن عداوته قانونيا وعمليا وتاريخيا.

استخلاصا من هاتين المقدمتين نستطيع فهم حالة العنف المفرط في حق الحركة الطلابية والتضييق والطرد والاعتقال وسقوط الشهداء في صفوف الطلاب، إلا أن الحالة الإعلامية للنظام والتعاطي الحقوقي المحتشم لبعض الهيآت مع الحركة، خصوصا في هذه الظرفية بالذات تحتاج إلى نقاش أكبر لعدة اعتبارات:

لم يعد النظام يعتمد فقط على منابره وإعلامييه المعروفين بتبعيتهم المباشرة له، بل الحالة الإعلامية والحقوقية والحزبية الآن -للتوصيف فقط- هي حالة تعتيم مطلق على التجاوزات التي يرتكبها النظام في حق الحركة الطلابية، أو إحالات مغرضة على مصادر إعلامية للتشويش والتدليس على الحقائق، هذا في أحسن الأحوال. أما دون ذلك فإنه من الصعب التمييز بين المنابر والأشخاص والقيادات الرسمية ونظيرها من المستقلين، حيث أصبح السواد الأعظم من هذه الحيثيات مشاركا للنظام في سياساته أو في أحسن الأحوال ساكتا أو مستقيلا من أداء الواجب المطلوب. وبهذه الحالة أصبحت كلمة مستقل في الممارسة الإعلامية والحقوقية مظنة الاستفهام أو التعجب.

وهنا أقف لأتساءل مع فئات عريضة من الشعب:

أليس من حق الطلاب أن ينتظموا في هيآت تمثلهم، شريطة اعتماد الآليات الديمقراطية المعروفة؟ فكيف إذن تحول الوضع الإعلامي أمام هذه الهيآت إلى حالة هيجان وسب وشتم وتحذير وتأليب؟ لأن هذه الهيآت، باختصار، تضم في نسب منها أو في غالبيتها أعضاء من تيارات تعلن عدم رضاها عن الوضع السياسي القائم، وتدعو إلى تغييره. والأدهى والأمر أن هذا أن الضجيج الإعلامي يتحول للتو إلى بهرجة وطبول ومزامير إعلامية للنفخ في هيآت وقيادات وأنشطة طلابية أخرى، موجودة بالقوة ومعدومة في الفعل لأنها من النظام أو دالة عليه.

أليس من واجب الإعلام والمنظمات الحقوقية الدفاع عن النفس البشرية ولو كانت معارضة أو عاصية؟ أليس الطالب الشهيد “محمد الفيزازي” رحمه الله، مواطنا مغربيا يستحق أن يتم التحقيق في اغتياله؟ إن معظم المنابر والأصوات لم تكن أمام هذه القضية إلا رجع صدى للروايات الرسمية بشكل من الأشكال. (أستثني هنا طبعا بعض النزهاء الذين ما زالوا على درب المطالبة والنضال لكشف الحقائق).

ألا تستحق الحركة الطلابية المغربية أن تنال حيزها من الجرائد والمجلات والمواقع الشبابية والسياسية والندوات الصحفية والأيام الدراسية؟ أم إن العمى السياسوي قد أوصل الخصوم إلى هذا الحد من القطيعة غير المحسوبة؟ شخصيا أتساءل مع نفسي في كثير من الأحيان، خصوصا عندما أفتح إعلام بعض الفاعلين داخل الجامعة، وأفتح بالمقابل الإعلام الرسمي بشقيه الرسمي- الرسمي والرسمي-المستقل، أتساءل هل وصل التعتيم بأبناء هذا الوطن إلى هذا الحد، وهم الذين يدعون أن الخلاص والإصلاح والتغيير لن يكون إلا تشاركيا؟ إن واقعة من الوقائع بالجامعة تجدها بالخبر والتعليق بهذا المنبر، وتجدها بالخبر والتعليق في المنبر المقابل، لكن بنقيض ما ذكرت. ناهيك عن التكذيب وتكذيب التكذيب، والتعليق والتعليق على التعليق، وحشو الكلام، وحشر الصور والفيديوهات افتراء في غير موضعها وعلى غير حقيقتها.

إن التعتيم الإعلامي والتجاهل الحقوقي المغربي الذي نتابعه اليوم فاق كل الحدود، وعلى خسة المفهوم ووقاحته (التعتيم أو التجاهل) لم يعد يحمل من معناه شيئا، فالوضع تحول حقيقة إلى هستيريا و”فوبيا” تقف وراءها الآلة المخزنية بكل إمكانياتها:

فوبيا، لأن الحركة الطلابية ميراث كل المغاربة ومنها تخرج رجال السياسة عندما كانت السياسة تستقبل الرجال، ومنها يتخرج الآن رجال الإصلاح الذين يحملون على عاتقهم حمل المشعل رغم الصعاب والشدائد، فكيف بطلاب وبجامعة بهذا التاريخ وهذه القيمة يتم تصويرها على أنها غابة تنتهك فيها الحرمات وتحتجز فيها الرهائن؟

فوبيا، لأن الطلبة بشر، غير أنهم يريدون أن يعيشوا شرفاء، والشريف، في العادة، يكون منبوذا ومغضوبا عليه في زمن الخيانة وشراء الذمم.

فوبيا، لأن الذين يتحدثون عن الطلاب بغير الحقيقة، ينسون أن الجامعة تحتضن بعض أبنائهم، فهل يتجرؤون على نعت أبنائهم بهذه النعوت والأوصاف التي يطلقونها على أبناء الحركة الطلابية؟

فوبيا، لأن الذين يصورون القيادات الطلابية عصابات تفرض رأيها بالعنف على الطلاب، وتحول الجامعة إلى سوق للمزايدات، هم أنفسهم الذين يحضرون المؤتمرات للإشادة بمستوى تعليمنا العالي، وجامعاتنا المغربية، وسياساتنا التعليمية.

فوبيا، لأن سياسيينا يجتهدون في التعبير عن شجبهم للتدخلات الدولية في أفغانستان ومالي و… على اعتبار أن الحل الناجع في التعامل مع الخصوم هو الحوار، في حين عندما يتحدثون عن الطلبة الأبرياء، الذين لا حول لهم ولا قوة يجتهدون كذلك، لكن في عبارات التهديد والوعيد، بدعوى تطبيق القانون والضرب على أيدي المخالفين

فوبيا، لأن وزراء اليوم وسياسيي اليوم تناسوا أنهم هم أنفسم من دافع البارحة عن العديد من الممارسات الطلابية المشروعة، على اعتبار أنها مكاسب، لكن لعنة المواقع تجعل مسؤول اليوم يحرث حرث الجمل…

فوبيا، لأن القوانين والشرائع الكونية تمنح الطلاب الحق في الوجود والحياة والدفاع عن المطلب وحرية الرأي والموقف و… لكن الخصوصية المغربية لا ترضى لنا إلا أن نبقى دوما رعايا خانعين، نصفق للاستبداد، وننحني لتقبيل أرجل أركانه.

فوبيا، لأنه باستقصاء الإرهاصات الفكرية الحالية، نستطيع القول أن الوضعية الحالية التي يصورها النظام في حق الحركة الطلابية، ستكون قريبا مادة دسمة لنقاش الأكاديميين والباحثين من أصحاب المروءة باعتبارها شيئا فوق العادة.

باختصار.

فوبيا فقط، لأن الحركة الطلابية كانت وستبقى وفية لمعارضة الاستبداد، باعتباره مشروعا زائلا، وما عجز الاستبداد عن تحقيقه في زمن الإعلام التقليدي والرأي الواحد، لن يقوى على تحقيقه في زمن الإعلام الحديث وهتافات “الشعب يريد”.