أجرت صحيفة “الأسبوع” في عددها ما قبل الأخير، حوارا شاملا مع الأستاذ عبد الله الشيباني، عضو الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وصهر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، نورد فيما يلي نصه الكامل:

مرت إلى حدود اليوم 3 أشهر تقريبا على وفاة المرشد الروحي الأول لجماعة العدل والإحسان صهركم الشيخ ياسين، بصفتكم مقربين من الراحل ما هو أكثر شيء تفتقدونه من عدم وجوده؟

افتقدناه لكن لم نفقده، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء. هو حي فينا وبيننا، كلما التفتنا وجدناه في كتاب من كتبه أو في شريط من أشرطته، كلما زرنا مجلسا من مجالس الجماعة أو اجتماعا وجدناه فيه، وجدنا توجيهاته وتربيته وبناءه. ألا تجد نور الشمس ساطعا من القمر بعد غروبها؟ ألا تجد ثمار المطر يانعة ولو بعد انقطاعه؟

إنما حالي معه كما قال الشاعر:

ومــن عـجــب أنــي أحــن إلــيـهـم *** وأسـأل شوقـــا عنهــم وهــم مــعي
وتبكيهم عيني وهــم فـي سوادهـــا *** ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

هل عشت مع الشيخ ياسين اللحظات الأخيرة قبل وفاته؟

نعم، عند احتضاره صباح الخميس، ودعناه بـياسين والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم، حزنت قلوبنا ودمعت عيوننا.. صعدت الروح أثناء الشروق بسكينة ورحمة، ثم نزع الأطباء أجهزة الإنعاش وانصرفنا لننعي الرجل.

بعيدا عن الوصية التي تتحدث عن مستقبل الجماعة، هل كان الشيخ ياسين يوصي بشيء معين؟

كان يوصي رحمه الله دائما بالاستعداد للآخرة فهي الحياة الحقيقية ويوصي بالقرآن، بحفظ القرآن بتلاوة القرآن بالعمل بالقرآن، ويوصي بالصلاة، الصلاة، الصلاة.. وبالجماعة، جماعة العدل والإحسان، الاستمرار في بنائها وصيانتها والانخراط في صفها، والحفاظ على الانسجام في مؤسساتها.

ما هو أخر كلام دار بينكما؟

في زيارة له رحمه الله قبل أيام من وفاته وهو مستلق على فراش مرضه، سلمت عليه فرد علي السلام وقال: أراضين آسي عبد الله بقضاء الله وقدره؟) أجبت راضين يا سيدي عافاك الله وشافاك).

متى تعرفت عليه؟ وما هي قصة المصاهرة بينكما؟

دجنبر 1979 يمر طالب بكتبِيٍّ متجول، قرب مطعم الحي الجامعي لظهر المهراز بفاس، ملقاة كتبه على الأرض فيلفت نظره مؤَلف أبيض الغلاف مكتوب عليه بخط مغربي أخضر جميل “الجماعة”. حرصت على اقتناء النسخة الوحيدة التي لديه فورا وفررت بها لألتهم كلماتها وحروفها التهاما. إنها مجلة “الجماعة” في عددها الأول التي مديرها ورئيس تحريرها الأستاذ عبد السلام ياسين. قرأت مقالها الافتتاحي وسرت كلماته في قلبي وعروقي قبل عقلي سريان النور في الظلام الذي يضيء ويظهر ما خفي، أيقنت آنذاك أن الله أكرم الأمة برجل على يديه سيفتح الله عز وجل لها ويجدد، وقررت أن أزوره في مراكش. في نفس الأسبوع لفت انتباهي منظر بنت محتجبة وحيدة في كلية الحقوق، معتزة بإسلامها وإيمانها وسط مضايقة الطلبة اليساريين الذي كانوا يهيمنون على الساحة الطلابية. تعرفت عليها فوجدتها بنت صاحب المجلة في سنتها الأخيرة من إجازة العلوم السياسية، فقررت أن أخطبها عند زيارة أبيها بعد مفاتحتها في رغبتي في الزواج منها.

زرته في بيته بالداوديات في مراكش في مارس 1980. وكما أخبرته كانت زيارتي له في الله ثم للتقريب بينه وبين جماعة الدعوة الإسلامية التي كنت أنتمي إليها ثم طلب يد نجلته. وكم كان احتفاؤه بقدومي وإشادته بنبل الأهداف الثلاثة التي أزوره من أجلها خصوصا “الزيارة في الله”. طلب مني المكوث ثلاثة أيام في ضيافته التي كانت منتظمة بأوقات الصلاة التي نؤديها في المسجد، وبينها زيارات لشباب الدعوة من عدة مدن وزيارات مشايخ الدعوة وقياداتها وصحافيين أجانب.

قبل طلبي للزواج بناء على قبول ابنته بعد أن سأل عن أسرتي وتعرف على نشاطي الدعوي في فاس، ولم يشترط شيئا على طالب لم يتخرج ولم يشتغل بعد. اجتمع فيه، في نظري آنذاك، العلم والذكر والجهاد وحفاوة الكرم والخلق الرفيع وقول الحق، وتطابق عندي ما قرأت في “الجماعة” على ما عشت في ضيافة الأيام الثلاثة.

ماذا عن مراسيم العرس (هل كان هناك احتفال كبير، احتفال صغير، عدد الحضور.. مجرد فكرة)؟

تكلف سيدي أحمد الملاخ رحمه الله بتدبير شؤون العقد وتكلف سيدي مومن بارك الله في عمره بحفل الزفاف. كان الحفل بسيطا مُكْرِما لا تكلف فيه، منتدى لذكر الله والتعارف والمذاكرة في شؤون الدعوة. لأول مرة أحضر زفافا يدار على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فيه تُلقى خطبة ولي العريس لطلب يد العروس وتحديد المهر الذي كان زهيدا جدا ثم خطبة ولي العروس لقبول الطلب وتسلم مبلغ الصداق علنا وتسليمه للعروس. تعرفت فيه على سيدي محمد العلوي رحمه الله.

تحدثت عن انتمائك إلى جماعة الدعوة الإسلامية، قليل من الناس يعرفون هذه الجماعة، هل من فكرة عنها وعن رموزها (باختصار لو سمحت)؟

جماعة إسلامية في فاس تدعو وتعمل للإسلام على نهج الإخوان المسلمين يقودها علماء فضلاء أبرزهم الدكتور الشاهد البوشيخي والدكتور عبد السلام الهراس. التحقت بركب وحدة بعض الجماعات الإسلامية المنضوية في حركة التوحيد والإصلاح.

عرف المغرب تشييع جنائز كبيرة مثل جنازة القيادي الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد وجنازة الحسن الثاني، كم كان عدد الحاضرين في جنازة الشيخ ياسين برأيك، وهل تعتبر أنها الأكبر في تاريخ المغرب؟

لا أستطيع تقدير العدد نترك لأهل الاختصاص ذلك. إنما هناك فرق بين جنازة يشحن إليها الناس شحنا في الشاحنات والحافلات وجنازة يهب إليها الناس هبوبا بقلوبهم وأجسامهم ومن كل حدب وصوب.

إلى حدود اليوم ما زال غيابك وغياب زوجتك ندية ياسين عن ذلك اللقاء (الندوة الصحفية لدجنبر الماضي) الذي أعلن فيه عن الأمين العام الجديد لجماعة العدل والإحسان لغزا محيرا، ألم يحن الوقت لتقديم بعض التوضيحات، علما أنك سبق وأن أكدت مشاركتك في أشغال مجلس الشورى التي انتهت بانتخاب العبادي أمينا عاما؟

أنشطة الجماعة ومجالسها واجتماعاتها كثيرة والحمد لله، والندوة الصحفية واحدة من هذه الأنشطة ولا يستطيع الكل أن يحضر في الكل، وتحركاتنا لا يحددها ما سيقوله أو لا يقوله الإعلام، بل تحددها أولويات أخرى، نحن معتزون بأمين جماعتنا العام ومقتنعون بصواب ما تفرزه الشورى في مجالسنا اقتناعا جازما.

أولئك المعلقون على النتائج محكومون بتقاليد الوراثة سواء عند الملك الوراثي أو الطرق الصوفية أو حتى بعض الأحزاب والجمعيات الممخزنة. لم يدركوا بعد أن الجماعة تؤسس لسلوك جديد وتجديدي في تنصيب المسؤولين، يؤهل للمناصب القيادية من تقدمهم قدرتهم وكفاءتهم وصدقهم وبذلهم لذلك، لا من تقدمهم القرابة أو المحسوبية أو الكولسة. ولا يرتبط الربح والخسارة عندنا بالمسؤوليات الرئاسية، إنما بالخدمة والنية الصادقة وإخلاص العمل لله. ومن عائلة السيد المرشد رضي الله عنه من لهم مسؤوليات حسب المعايير السالفة الذكر.

بخلاف تأكيدكم على أن سبب الغياب مرتبط بعدد المعزين الذين كانوا يريدون تقديم التعازي، هناك من تحدث عن خلافات جذرية داخل بيت الجماعة، وقدم الدليل على ذلك من خلال الحديث عن استقالة ندية ياسين من المسؤولية عن القطاع النسائي، ويعتبرون أن لكما، كليكما، موقف موحد يتميز بعدم الرضى عن القيادة الحالية للجماعة.

ليست هناك خلافات جذرية داخل الجماعة إنما هناك اختلاف طبيعي في الآراء حول كيف ومتى ومن. ويحسم القرار فيها بالشورى في المجالس والمؤسسات. يشارك كل برأيه الذي يحتوي على قدر من الصواب وقدر من الخطأ. تمزج هذه الأقدار في عملية الشورى ويعدل بعضها البعض الآخر دون تحجر على رأي شخصي إلى أن يولد منها رأي المجلس الذي هو الأصوب. ومن لم تترب نفسه ولم يتدرب بسلوكه على هذه العملية لا يستطيع فهم العمل الجماعي ولا تحمله. وبيننا وبين ثقافة العمل الجماعي أمد بعيد في مجتمعاتنا التي هيمنت على إدارة شؤونها الفردية المستبدة.

بشكل واضح، هناك من يقول بأن علاقتك مع فتح الله أرسلان ليست على ما يرام، بسبب الخلاف في التصورات، ما رأيك؟

علاقتي بسيدي فتح الله أرسلان حفظه الله وعلاقتي بجميع إخواني وأخواتي في الجماعة على أحسن ما يرام، وليست لدينا خلافات على التوجهات العامة والغايات والمقاصد. لكن تكون لدينا اختلافات أحيانا على بعض التقديرات التي من شأنها أن تغني الشورى وترفع الأداء إلى الأعلى.

ما تقصدون بعدم وجود خلافات حول التوجهات العامة والغايات؟

رحم الله المحسن المتقن الأستاذ المرشد وضع للمدرسة التي أنشأ منهاجا واضحا مكتوبا على الأوراق وفي العقول والقلوب. منهاجا يحدد الوجهة والغايات والمقاصد والمبادئ والوسائل التربوية والتنظيمية والسياسية.

تصر من خلال بعض خرجاتك على التأكيد على أن ندية ياسين هي المخولة بالحديث عما يتعلق بقراراتها، لكنك دائما تجد نفسك في مواقف تفترض الكلام أحيانا، اسمح أن أسألك عن رأيك بخصوص الصور التي تم الترويج لها على أنها فضيحة في بيت جماعة العدل والإحسان لابنة الشيخ الراحل ياسين (يونيو 2011)، كيف استطاعت العائلة تجاوز هذه المحنة، خاصة وأن الصور استغلها خصوم الجماعة للنيل من أسرتكم، لماذا لم تلجؤوا إلى القضاء، هل يمكن أن تحدثنا عن حقيقة تلك الصور (عذرا للسؤال مرة أخرى).

لم نعر أدنى اهتمام لهذا الكيد وسط أسرة روابط أعضائها قوية ثقة وتقديرا بعضها للبعض الآخر، ولديها تجربة عقود من الزمن مع أساليب المخزن تربأ بها أن تسقط في فخاخ لا غاية لها إلا استنزاف الجهد وتطعيم الإشاعة المغرضة.

يتزامن هذا الحوار مع ذكرى الحراك الاجتماعي الذي قادته حركة 20 فبراير في المغرب.. جماعة العدل والإحسان انسحبت من حركة 20 فبراير، هل تسعى الجماعة إلى إسقاط النظام؟

تسعى الجماعة إلى اجتثاث جذور النظام الاستبدادي من قلوب وعقول أبناء أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتربية والتعليم والتدريب بالكلمة القوية والموقف الثابت، ساندنا صرخة الشباب المستضعف لكن عندما بدأت آلة الاستبداد تلتهمه لكي تمسخه توقفنا.

سبق لندية ياسين بصفتها قيادية في الجماعة أن هاجمت النظام القائم في المغرب، وكان ذلك موضوع محاكمة، ألا يكفي ذلك للقول أن الرغبة الحقيقية هي التحضير لإسقاط النظام؟

يجب أن يسقط كل نظام مستبد من القلوب والعقول، لا نريد أن تلوث أيدينا بعفونة ثمرة قدرها أن تسقط. فالثمار العفنة تسقط لوحدها كما علمنا من سنة الله في الكون، كما قالت ندية في بعض استجواباتها.

نحن جماعة قوية بسلمية أسلوبها ولا شأن لها بإسقاط نظام بل ببناء رجال ونساء وجماعة تبني الأمة ولا تخرب.

ماذا تريد الجماعة بالضبط إذا لم تكن تريد إسقاط النظام؟

جماعة العدل والإحسان مدرسة تربية وتعليم وتدريب لرجال ونساء الشعب الذين يرغبون في إصلاح أنفسهم وإصلاح مجتمعهم، مدرسة لمن يريد أن يترقى في مدارج الإيمان نحو الإحسان بعد تثبيت الإسلام. هذه المقامات التربوية التي وردت في حديث الدين الذي يحكي عن زيارة سيدنا جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والذي ختم ب“فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. ديننا هو أن نرتقي من إسلام فردي خامل إلى حركة إيمانية في القلب والسلوك الطامحة لليقين والإتقان، حركة جماعية تحقق العدل بالإحسان والإحسان بالعدل.

جماعة العدل والإحسان تعيد قراءة تاريخ الأمة الإسلامية على ضوء منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ربط نقض عرى الإسلام بنقض العروة الأولى التي هي الحكم، عندما انقلب من شورى إلى استبداد ووراثة، أدى إلى نقض العرى الأخرى إلى أن نقضت حتى الصلاة. هذا هو الإسلام الذي تعلمه جماعة العدل والإحسان للراغب في التعلم بين صفوفها، إسلام الجماعة لا الفرد، إسلام العدل لا الظلم، إسلام الشورى لا التسلط، تعلم هذا في العقل وتثبته في النفس وترسخه في السلوك والعمل.

هذا الجواب يعطي الانطباع بأن الجماعة، تركز على أهداف روحية، ولكن في الواقع الجماعة نزلت إلى الشارع وخرجت في مظاهرات، إضافة إلى هيكلتها الثنائية حيث يوجد التنظيم السياسي والتنظيم التربوي وهما تنظيمان منفصلان من حيث آليات العمل؟ (نتمنى جواب توضح فيه على الأقل فكرة عن هيكلة الجماعة).

أعلى هيأة تقريرية في استراتيجيات الجماعة هي مجلس الشورى. وأعلى هيأة توجيهية وتدبيرية هي مجلس الإرشاد الذي يؤطر أعمال الهيآت المركزية الثلاث: هيأة التربية والدعوة للإخوان وهيأة التربية والدعوة للأخوات ثم الأمانة العامة للدائرة السياسية، تعمل معها لجان ومجالس في اختصاصات مختلفة علمية ودراسية و قطاعية. ولكل إقليم هيآته ومجالسه المحلية.

سبق للنظام أن دخل في حوار مع الجماعة عن طريق المبعوث حسن أوريد ولكن المفاوضات توقفت عند حدود مناقشة حصار الشيخ ياسين، لماذا لم تتفاعل الجماعة مع اليد التي امتدت لها من القصر؟

لا تمتد يد المخزن إلا لكي تُركع أو تصفع أو ترشي، أما الحوار فإنه مصطلح غريب عن قاموسه.

هناك من فسر فشل الحوار بين الجماعة والقصر بلغة التصعيد التي تعبر عنها الجماعة، في هذا الإطار تحدث البعض عن رسالتك المفتوحة إلى رئيس الحكومة والتي دعوته من خلالها إلى الاستقالة؟ هل كنت تتوقع أنه سيستقيل؟ ولنفرض أنه استقال ما هو البديل، ألا يصب ذلك في نفس الاتجاه الذي تحدثنا عنه؟

لا حوار بيننا وبين القصر، قالت الرسائل الموجهة للملكين ما أرادت الجماعة قوله لهما، وحملتهما المسؤولية أمام الله والعباد وكفى.

أما رسالتي إلى الأخ ابن كيران هي عبارة عن تنبيه مشفق لرجل ذي نية حسنة في مسار خاطئ، مثله كمثل من ركب سفينة خربة تُبحر في طوفان الفساد السياسي والاقتصادي، يريد ترميم وإصلاح بعض شقوقها الصغيرة. أعمال حسنة في مشروع فاشل. كأني بعبد الإله يدبر الفُتات الذي يلقى للشعب أسفل المائدة وهو تارك وراء ظهره ما يوزع من ثروات الشعب بين الهولدينك الملكي وحاشيته ودوائره على المأدبة.

قلت في رسالتك الشهيرة التي رفعتها إلى رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران أن عليه أن يستقيل من منصبه، وكان لافتا للانتباه قولك بأن أبناء الحركة الإسلامية الذين التحقوا بها في السبعينات قد سكنوا الفيلات ولم يعودوا يقنعون بجلابات 3000 درهم، بعدما كانوا يقنعون بملابس البال، من كنت تقصد بكلامك؟ أو، هل يمكن القول أن بعض قيادي العدالة والتنمية نموذج للفساد في الحركات الإسلامية؟

قياديو العدالة والتنمية هم أشرف السياسيين وأطهرهم وأخلصهم نية وأصدقهم في العمل، فلا نحن ولا هم بالمُؤمَّنين من الانحراف والانجراف بتيار الدنيا، والركون إلى الظالمين وصحبتهم يعرض المرء إلى مس النار.

هل يمكن أن توضح الفكرة قليلا؟

يقول الله عز و جل ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار.

بوصفك أحد أبناء الحركة الإسلامية، لماذا فشلت هذه الحركات في ضمان الاستقرار في كل البلدان التي شهدت ثورات، رغم توليها الحكم، نموذج تونس ومصر..؟

عمل الدعوة يهيئ للدولة، وعمل الدعوة يستمر في مرافقة عمل الدولة. وعمل الدعوة يبني جماعة المسلمين ورابطتها وتمثل القوة الاجتماعية والجماعية التي يكون لها ضغط يوجه العمل السياسي ويضمن تداوله لكي لا يبقى على رأس جهاز الدولة إلا الأصلح والأخلص والأصدق.

ورث الإسلاميون فسادا كبيرا في أجهزة الدولة لا يمكن أن يصلح بين عشية وضحاها وورثوا ظلما وجهلا وتفسخا كبيرا في الصحة والتعليم والإعلام والبنيات الأساسية وهذه تتطلب زمنا للعلاج.

لا يمكن التمكين لإصلاح حقيقي إلا إذا اجتمعت جهود الإسلاميين في رابطة للجماعات الإسلامية تتعاون في تعبئة الشعب وتأهيله لتحمل ثقل منعطف التغيير.

تجربة تونس ومصر أظهرت مدى عدم اقتناع اللائكيين بالديمقراطية وكرههم لمن يريد تخليق السياسة بإدخال قيم الإسلام في العمل السياسي، وكشفت غيظهم ونياتهم. وفضحت تواطأ الكثير منهم مع الأنظمة الفاسدة المستبدة.

هناك من قرأ في تعيين أمين عام ونائب له على رأس الجماعة مقدمة للتطبيع مع العمل السياسي كما هو متعارف عليه، متى يمكن للجماعة أن تشرف على ميلاد حزب سياسي تابع لها؟

في دولة الحق والقانون والديمقراطية النزيهة يمكن أن تنشأ الجماعة حزبا سياسيا يطرح مشروع دولة القرآن وسط مشاريع الدولة الليبرالية أو الماركسية أو الاشتراكية أو غيرها. ولكل الحق في العمل على إقناع الشعب بمشروعه والتعبئة له بكل شفافية ونزاهة وحرية وتعددية حزبية.

لم تستجد الجماعة قط ولن تستجدي حزبا سياسيا من دولة المخزن.