.. ينبغي بلوغ أذن متحررة ومستعدة للاستماع إلى صوت الآخر. كم هو عزيز وجود هذا الاستعداد وسط العقول المتمترسة وراء اعتقادات جاهزة وإصرار عجيب على عدم الاستماع.) 1

على كثير مبادئ قامت عملية التواصل الموصوفة بالنجاح، المؤدية إلى ثمرة عظيمة يذوق حلاوتها الفرد داخل جماعته، وتتشرف بها الجماعة وسط مصاف الأمم والحضارات. ومن بين هذا الكثير نذكر وضوح المرجع، وبساطة اللغة، والقصد في الأهداف والغايات، ودقة اختيار الوسائل، وحسن التصرف في المتاح من الإمكانيات… وغيرها.

وإذا كان موضوع التواصل يزخر بمكتوبات عديدة وأفكار متجددة تطلع علينا كل يوم بما يستجد ويتراكم في الميدان عبر التجارب الإنسانية على مدار احتكاك أفرادها وعناصرها، فإن هذه المقالة المتواضعة تأتي مساهمة صغيرة وتأملا لطيفا حول أهمية الإنصات والإصغاء وما لهما من كبير دور في تعبيد طريق سيار أضمن للتعامل مع الإنسان، أقصر لتحقيق المنشود، ثم أحوط لتلافي الخسران.

حسرة وندامة

يقول الوالد، تعتصره الحسرة والأسى: ما أشد تعاستي! وما أعظم نكستي! فذا نسلي وذي ذريتي لم تجد إلى النجاح سبيلا، ولا إلى الفلاح طريقا. ما هكذا كنت أود قطف ثمرة سنين من الكد والجد ضاعت من عمري في سبيل تربية صغاري. لماذا؟ وممّاذا؟ وكيف تم ذاك؟ ياليتني، ويا ليتني…! إنه عمل غير صالح.

ضاع عملان… وضاع عمران… ضاع عمر الأب ومعه عمر الابن إلا أن تتداركهما رحمة من رب رؤوف رحيم يحفظ من كل شر ويهدي إلى كل خير، إنه على كل شيء قدير.

نجاح… ولكن

ويقول آخر، بين دواخل نفسه أو تبجحا بين أصحابه: ما أسعدني! لقد أفلحت في تربية أبنائي وتعليمهم حتى صار كل واحد منهم منتجا مدرا لدخل يضمن استقراره ويؤمن عيشه، وأنعم بها من نتيجة يحسدني عليها الكثير من أترابي.

مع هذا يعتقد كثير من الآباء أنه حقق إنجازا عظيما بمجرد أن أقعد ابنه أو ابنته على مقعد وظيفة تبدد أيامه أيما تبديد دون أن يجد لحياته طعما ولا لوجوده معنى إلا من حيث كونه يسير في طريق جاء من اختيار الوالد المبجل.

هل فتح كلا الوالدين نافذة قلبيهما لتتسلل عبرها عدة أسئلة محرجة: هل حقق الأب هدفه هو أم هدف ابنه؟ هل نجح الأب أم الابن؟ هل عاش الوالد حياته أم حياة ابنه؟ ونادرا ما يقبل أن يقول: هل فشلت أنا أو فشل ابني؟… هل وهل…؟؟ مساحات شاسعة من الصخب والانشغال بالقوت والمسكن والملبس تحول دون الوصول إلى الإجابات الصريحة.

قليلة هي الأوقات والمناسبات، إن لم نقل منعدمة، التي يكون فيها الآباء على كامل الاستعداد للإنصات لأبنائهم وقلّ، كذلك، ما ترفع الأشرعة ليبحر الصغار في مملكة الكبار ويعبروا بكل وضوح عن آلامهم وآمالهم… أحلامهم ومتمنياتهم… ما يعيقهم وما يفيدهم… ما يثبطهم وما يشجعهم، والطامة العظمى أن تبقى هذه المشاعر في طيات الكتمان حتى يقبرها الزمان.

عندما يحضر الإنصات…

من العبث ونحن نسعى إلى تربية الإنسان أن نطلق العنان لنزواته وشهواته دون أيما ترشيد أو توجيه، لكن من العبث أيضا أن يصير الأمر استبدادا وتصلبا أمام مبادراته وانطلاقاته وأفكاره تحت غطاء التربية والتوجيه والتسديد. ومن هنا يفترض الأمر توازنا عاليا وغاليا هو بمثابة المخرج من الحرج.

إن من بعض الحل أن نقترب ما أمكن ممن تقع مسؤولية تربيتهم على عاتقنا عسى أن يفتح هذا الدنو مسالك مساعدة حول الطريقة الأمثل في التربية والتوجيه. وإذا كان الإنصات ينطوي على عدة حسنات وإيجابيات فحسبنا أن نذكر منها الأهم، يأتي كما يلي:

1. صحبتك له تكسبك ثقته

الثقة وما أدراك ما الثقة.

وهل يفقد الولد الثقة بوالده حتى نتحدث عن اكتسابها؟

الثقة في اللغة هي الإحكام. والمقصود هنا أن تتأصل علاقة الابن بأبيه بروابط محكمة يضبطها التفاهم والتناغم والتواصل.

دعه يتكلم ويعبر… دعه يتفتح… دعه يعيش.

تقول حكمة أحدهم: ما معنى أن تربح العالم وتخسر نفسك وابنك!)

إن الطفل الصغير، وهو يحس بوجودك إلى جانبه تهمما واهتماما، ينمو لديه إحساس متزايد بالثقة بك؛ أقوالك وأفعالك، وهي (الثقة) رأسمال المربي. حيث معها يصير كل ما يصدر عنه (المربي) ذا تأثير بالغ في نفس الناشئ، بحيث كلما وثق بك ووقر لديه أنك تحرص على نفعه ونجاحه أسلس لك القياد وانتهى عن طواعية وبجدية إلى محبتك واحترام إرشاداتك.

حتى إذا لان لك العجين فأحسن الصنع.

2. شورى واعتماد على الذات

وهذه لاحقة للسابقة.

يتتبع ويقلد الصغار أفعال الكبار على أساس أنها أم الصواب وكل ذلك في معرض اكتشافهم لعوالم أخرى في حياتهم، ولا أضمن للآباء أن يأتي أبناؤهم الصالح من الأعمال والمفيد من الفعال سوى الاستماع و محاولة تفهم أفكارهم. حيث في جو الثقة السالفة الذكر يسأل الصغير ويستفسر فيكشف عن نواياه في إطار أنه يتشاور حول جدوى وأهمية ما يعزم الإقدام عليه ولسان حاله يقول: ما دام واحد ينصت إلي ويهتم بي فلم لا أعرض عليه أفكاري وعزائمي حتى أشركه في أمري وأشدد به أزري فيعترف بنجاحي أو على الأقل يشاركني إخفاقي.

ويا لها من لحظة ذهبية أن يشاركك ابنك أو ابنتك برامجه ومخططاته ويطلعك على دواخله وأسراره فإذاك قد انفتح لك الباب، فاحذر أن تحشر أنفك فيما لا يعنيك فتقطف ما لا يرضيك، حسبك أن تطوف إطافة خفيفة وتجود بإشادة لطيفة، وعف نفسك أن تقع برعونتها فيما ليس من شأنها، فتؤثر ما تختار عما يختاره ابنك.

وإذا صح لك ذلك انبرى الناشئ الصغير معتمدا على ذاته وإمكاناته لينجز طموحاته وأفكاره، فها هو قد أشركك وزاد أن كفاك هم التطبيق والتنفيذ، فيبقى لك التتبع من بعيد.

3. فاعلية وعطاء مستمر

منك الإنصات والإصغاء ومنه البذل والعطاء.

لا شك أنه من السعادة بمكان أن يرى كل والد أولاده وكل معلم تلاميذه فرسانا في ميدان الفعل والعطاء، فهو على الأقل يستشعر أن جهوده اتجاههم لم تذهب سدى.

أن يصير كل فرد داخل الجماعة فاعلا لا مفعولا به، مبادرا غير منتظر، متوكلا غير متواكل، أمر يفرض مجهودا جبارا يبتدئ أول ما يبتدئ بالاعتراف به كفرد وكإنسان.

لا تقدر فرحة الفرد وشساعة تميزه عندما يرى خيره يبلغ الآخرين ونفعه يصل إلى المحتاجين. واعتراف محيطه بهذا العطاء وإقراره علامة حصول الاندماج المطلوب للأفراد داخل جماعتهم وضمان استمرار الفعل المنتج الباني لمجهوداتكم.

داخل كل نفس أودع الخالق سبحانه أسراره وأنواره، فلا يلومنّ أحد ابنه أنه يميل إلى الأخذ والرخاء دون العمل والعطاء. فالأولى أن يلوم كل نفسه أن عجز أن يهيئ مناخا مناسبا وجوا صافيا لاستخراج عجائب قدرة الله عز وجل المكنونة في نفوس أبنائه. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.

نسأل الله أن يلهمنا حكمة من عنده لتعظيم جميع خلقه.

إصغاء.. ولكن

إذا كان مبدأ الإصغاء والإنصات بهذه الأهمية فلا بد أن يتنزل عمليا بما يحافظ على هذه القيمة، إذ الإنصات من أجل الإنصات فقط يقتل العملية من أصلها فينمحي ما يراد له أن يكون سببا في التأثير والتشجيع، لذا نحاول أن يكون استماعنا لأبنائنا إيجابيا وذا معنى وبما يجعلهم يطمئنون أننا نشاركهم شواغلهم، أفكارهم وآراءهم.

كما يحتم الأمر أن ننأى به عن الوقوع في الرتابة المملة الباردة فلا يجب أن يتكرر في التافه من الأشياء.

أيضا يبقى من عوامل إنجاح الاستماع أن نطرح تارة بعد أخرى أسئلة تذكيرية إشارة إلى جديتنا في متابعة أمور صغارنا وهذا ما يزيد من حجم الثقة بينهم و بيننا.

من نافل القول التذكير أن عملية الإنصات لا تعدو أن تكون وسيلة لا غير، لتحقيق غاية كبرى هي تواصل جيد لتربية متكاملة.

قبل الختام أود التنبيه أنه ليس عبثا أن ينتشر في الدول الغربية الكثير من جمعيات الاستماع والإنصات وكذا تهافت الناس إليها، وهو الأمر الذي يبرر حاجة الناس الملحة إلى من يستمع إليهم في وقت ينشغل فيه الجميع عن الجميع.

وفي الختام أقول أنه ما أحوج الآباء بل كل الأوصياء على الأبناء إلى جلسات هادئة صادقة تكون عن هموم الحياة وانشغالاتها في بعد، حتى يتسنى ترتيب الأشياء بما يكسب رضى الله أولا في تربية الصغار، ثم بما يعطي لكل ذي حق حقه، حتى نتجنب تكرار ما يقع داخل أسرنا وعوائلنا من طوامّ عظام حين يعرض كل طرف عن الآخر.

والله القدير نسأل أن يتقبل أبناء المسلمين بقبول حسن وأن ينبتهم نباتا حسنا.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب: الإسلام والحداثة.\