كتب الإمام المجدد رحمه الله وصيته بتوفيق إلهي وعناية فائقة ودقة عالية، فلا يغيب عن القارئ لها التسلسل المنطقي فيها؛ فقد بين كاتبها في مستهلها مقاصده منها، ومشروعيتها، والمستهدف منها، متبوعا ذلك ببسط لوصايا قرآنية ونبوية، منتقلا منها إلى عرض منهاج التغيير على الهدي النبوي، خاتما بالتصلية والتسليم والدعاء. وبين كل فقرات الوصية تناسق عجيب وربط متين. ولإدراك سليم لمضامينها وأبعادها لابد من ربطها بحياة كاتبها ومؤلفاته ومسيرته الدعوية. لذلك ارتأيت في هذا المقال أن ألقي نظرات في الوصية أسأل الله أن تكون موفقة مقبولة منه سبحانه.

مسك البدء والختام الدعاء

ليس غريبا أن يبدأ رجل قضى حياته في عبادة ربه والتذلل بين يديه، وصيته ويختمها بمخ العبادة الدعاء، معتبرا أن أول مقصد له منها هو الدعاء له، مكافئا هذا المعروف بدعاء منه؛ قصد – بتواضع ورجاء لعفو الله – أن يدعو له بقلب خاشع مومن ومومنة وقفا على وصيته استماعا أو قراءة بالرحمة، وكرر ذلك في ختامها بقوله ولا تنسونا من دعائكم أحسن الله إليكم واستودع إيمانكم وخواتم أعمالكم)، بعد وصيته بدعاء الرابطة وهدية الرابطة والمواظبة عليه فتلتئم أواصر الصلة ويتحقق التزاور في الله والتحاب في الله عبر الزمان. لا تحبس الصلة برازخ الموت).

شرف الانتساب

يدرك القارئ النبيه للوصية وشيجة القربى بين دعوة/مشروع العدل والإحسان المعروض على الأمة اجتهادا من الإمام المجدد رحمه الله لهذا الزمان وما بعده، والدعوة المحمدية ودعوات الرسل قبلها عليهم الصلاة والسلام، فلها –أي دعوة العدل والإحسان- شرف الانتساب إليها دعاء وعملا، لكونها تشكل امتدادا لها، لذلك يلمس القارئ بشكل واضح في الوصية يقين الرجل رحمه الله في استمرار دعوة العدل والإحسان إلى يوم القيامة بمشيئة الله حين يقول: ألا وإن لي أشياء أوصي بها من يسمع ويعقل، صدى وترجيعا يبلغه الله عز وجل آذانا واعية وقلوبا صاغية. إن شاء ربنا الولي الحميد. صدى ترجعه إن شاء الله أجيال العدل والإحسان إلى يوم الدين).

خير معرف بالمشروع صاحبه

جعل الإمام المجدد قصده الثاني من الوصية أن يتذكر متذكر خلاصة ما إليه دعونا لما كنا من سكان أرض الدنيا عابرين إلى دار البقاء)، فيمكن اعتبارها رسالة تذكير وبطاقة تعريفية بمشروع العدل والإحسان، موجزة وجامعة في الآن نفسه، فخير مُعَرِّف بالمشروع صاحبُه ومؤسسُه، وهو الذي قضى ما يفوق نصف عمره في خطه كتابة والتأسيس له وتنزيله واقعا بإرادة لا تضعف وعزيمة لا تنثني وهمة لا ترتخي وعمل لا يتوقف. مشروع تغييري تجديدي لبناء صرح خلافة على منهاج النبوة بعدُ يانعة رائعة)، لا يستثني أي مجال من مجالات العمل، يضع كل مجال في مكانه ويعطيه وزنه الذي يستحقه، في توليف عجيب فريد بينها قلما تجد الموسوعي الموفق لِلَمِّ شتاتها والخروج بنسق موحد متكامل متوازن.

شمول وتوازن

لم تحِد الوصية قيد أنملة عما أوصى به الله تعالى من وصايا قرآنية، وما أوصى به رسوله من وصايا نبوية والرسل من قبله عليهم الصلاة والسلام، فاستمدت أصالتها من الائتمار بالأمر الإلهي والاقتداء بالهدي النبوي. والمتمعن في الوصايا القرآنية والنبوية الواردة في الوصية مصحوبة ببعض التفسيرات العميقة واللطائف النفيسة من الإمام رحمه الله، يجدها شاملة للدين كله؛ تروم حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كما يمكن للمتأمل أن يستخلص مجالات العمل الإسلامي تطبيقا للإسلام في هذا الزمان وما بعده، كما يلي:

– التربية على الدين بمراتبه الثلاث؛ تأسيسا للإسلام، وبناء للإيمان بشعبه وتشييدا استجابة للأمر العلي يا أيها الذين ءامنوا طاعة فعل واصطبار، أو كف وازدجار)، ونشدانا للإحسان بإقامة الوجه لله بشرط العمل الدائب والنية المتجددة).

– الأسرة فرعا وأصلا؛ بالإحسان إلى الوالدين، وحسن عشرة الأهل وتربية الأبناء وحفظ فطرتهم بعدم ترك عوامل التضليل والفساد تغتالهم من بين أيدينا).

– الدعوة وسط الأمة وللعالمين بما نحن الأمة الوارثة الشاهدة على الناس)، جاء في الوصية: في زماننا وما بعده يبقى حمل الدعوة وتبليغها للعالم رسالة مطوقة بها أعناقنا).

– السياسة: لم يفُت الإمام المجدد الحديث في وصيته عن الحكم معتبرا أنه دين من الدين)، فأوصى بالشورى في الأمر العام كما في الأمر الخاص، وبعدم قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وبالإيفاء في الكيل والميزان بالقسط، وبالعدل والوفاء بالعهد، كل ذلك “مفهوما في تقيده بضوابط العمل الجماعي السياسي” كما هو مفهوم في إطلاقه في الخلق الفردي والتدين الخاص).

عدل وإحسان

توَّج الإمام المجدد وصيته بالوصية بالحفاظ على الاقتران بين العدل والإحسان- بعد سلسلة الوصايا القرآنية والنبوية- قال: وأوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا واسم جماعتنا)، مُحذرا مما حذر منه بإلحاح في كتاباته من أن يلهي الجهاد المتواصل) لتحقيق المطلب العدلي جند الله عن الجهاد الحثيث) لتحقيق المطلب الإحساني، ولا يسع المتأمل للخصال العشر التي ذكَّر بها مُرتَّبة كما هي مسطرة في المنهاج النبوي – جعلها صلبه إلى جانب شعب الإيمان المندرجة تحتها- إلا ان يدرك حضور البُعدين الإحساني والعدلي، الفردي والجماعي فيها. فلا ينفك سعي الفرد لبناء مصير حسن عند الله؛ إقامة للوجه له وصدقا في الطلب وتقربا إليه بالعمل الصالح فرضا ونفلا وتحصيلا للعلم الضامن سعادة آخرة كل فرد فرد)، وبذلا وعطاء وتخلقا وصبرا واقتصادا وجهادا، لا ينفك هذا السعي الفردي عن السعي بالجهد العامل البعيد النظر الصابر على مشاق الطريق لجمع شتات الأمة وبناء وحدتها لبنة لبنة حتى يرتفع صرح الخلافة على منهاج النبوة التي بها وعدنا من لا ينطق عن الهوى مبشرا بغد الإسلام الذي لا ريب فيه)؛ جهد عامل تحصيلا للعلوم الكونية الضامنة قوة الأمة، تبنيها قبل السواعد القوية والأموال الرشيدة عقول مُنظِّمة صانِعة مخترِعة) وتطبيقا لنظام الزكاة في دولة العدل) وتمثلا للتؤدة والاقتصاد والجهاد في عالم يمور بأصناف البلاء الإلهي، بلاء يُمحص الله عز وجل به الأمة أفرادا وجماعة. ويحق الله الحق متى شاء كيف شاء، وينصر من شاء كيف شاء متى شاء).

عمر ثان.. حياة ثانية

تشهد سجلات التاريخ البشري أن كل من بصم الحياة البشرية ببصمة إيجابية وساهم في تقدمها نحو الأحسن، يخلد ذكره؛ يعيش حياة ثانية على ألسنة الناس ذكرا وفي بطون الكتب قراءة لآثارهم العلمية، وفي حياة الناس من خلال آثارهم العملية.

إن الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله بما خلف من إرث علمي كبير وغرس دعوي طيب، يحيى حياة ثانية ويعيش عمرا ثانيا؛ فأفكاره الكبرى المعالجة للقضايا الكبرى للأمة والإنسانية، الطولى الممتد إنجازها عبر الزمان، شاهدة على عظمة الرجل وجلالة قدره، كما هي شاهدة على ذلك دعوته المباركة المؤسسة على هدى من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم المستمرة بإذن الله يقينا منه.

قال الحسن بن علي المرغيناني:

الجاهلون فموتى قبل موتهم *** والعالمون وإن ماتوا فأحياء

وقال آخر:

دقـات قـلـب الـمرء قـائـلـة لـه *** إن الحـياة دقائق وثـوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثان
الإمام المجدد حقا حي وإن مات، رفع لنفسه ذكرها قبل موته، وما الشهادات المتعاقبة في حقه بعد وفاته إلا برهان معجل على ذلك. اللهم اجعل له لسان ذكر في الآخرين كما جعلت لخليلك إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.