إنه من الصعوبة بمكان أن يستطيع باحث دراسة مؤلف من مؤلفات عالم جليل أمثال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وخصوصا أن المؤلف ليس كاتبا عاديا، يكتب للترف الفكري، أو لإثبات الذات في الساحة العلمية أو الأكاديمية، بل عمل الرجل أكبر من ذلك وأجل، جمع بين التنظير والتطبيق على أرض الواقع، ووضع تصورا كاملا، بثه في كل ما خطته يده من كتب صغيرة وكبيرة، لكن رغم هذه الصعوبة، نحاول مستعينين بالله عرض هذا الكتاب، وفق المنهجية التالية:

ثانيا: مقترح البناء

1- الدعوة روح الدولة

ولبناء دولة القرآن لابد من الدعوة التي تقوم بمهمة التربية يقول الكاتب: إننا بصدد البحث عن رأب الصدع بين الدعوة والدولة في البناء المستقبل لدولة القرآن، فلا نذهب تائهين في تصور هياكل إسلامية بلا روح، وروح هذا الجسم، جسم الدولة هي الدعوة التي تربي المومنين على هذه المثالية من بذل النفس والجهد كله لله، فالبناء النفسي أساس ترتفع عليه هياكل الدولة القرآنية، وإلا كانت صنما وطاغوتا) 1 . وتكميلا لما سبق بأن في دولة القرآن تحتل الغاية الإيمانية الإحسانية الصدارة، فتصطف السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتنظيم، وكل كبيرة وصغيرة في كل مجال من مجالات الحياة، في أماكنها النسبية، تأتمر كلها بأمر الدعوة، وتسعى كلها لنشر الدعوة) 2 . وفي فقرة (دولة رسالة) أن دولة القرآن لتكون دولة رسالة لا بد أن تقوم على الدعوة، كما قرر ذلك الشيخ البنا ومحمد الغزالي رحمهما الله، والذين نقل عنهما الكاتب اتفاقهما على هذا الأمر، وأن أعداء الإسلام قد يسامحون ويتغاضون عن الإسلام الفردي الانزوائي، لكن لا يسمحون بالإسلام الرسالي: لكن الذي لا يتحملونه هو أن تنعقد الصحوة حركة سياسية ثورية تهدف قلب الأنظمة الفاسدة) 3 .

2- القطرية ثم العالمية

أجاب الكاتب في هذه القضية عن إشكال أرق العملين للإسلام، وشوش على ذهن العامة والخاصة، وهو جمع هذه التنظيمات العاملة للإسلام في تنظيم عالمي واحد، عوض هذه التنظيمات المتعددة داخل القطر الواحد، وقال الكاتب أن هذا الطرح هو سذاجة معها طيبوبة).

ويذكر الكاتب أن الناس اتجاه هذا الإشكال فرقين:

فريق يريد البناء من فوق، فيذكر بعالمية الدعوة وعموم الرسالة.وفريق يطرح المصاعب العملية، ويشير ببدء البناء من تحت من الركائز القطرية ليقام عليها بعد صرح الإسلام وقبته.

طالع أيضا  جماعة المسلمين من تشخيص الداء إلى مقترح البناء (1)عرض لكتاب "جماعة المسلمين ورابطتها"

لكن الكاتب رغم أنه يتبنى رأي العمل القطري، إلا أنه يقترح خطة عمل تصب في طريق العالمية، كأنه رأي توفيقي بين الفريقين يقول: عالمية واحدة ممكنة وواجبة في انتظار الإجماع المرتقب نضجه إن شاء الله، وهي عالمية التنسيق، والتآزر، والدعم، وتبادل المعلومات والرأي، وتوحيد الأهداف الجزئية، وتقريب الشقة، وواجب كل قطر سبق للتحرر أن يخصص كل فضول ماله وقوته وحيلته لنصرة المسلمين المجاهدين) 4 .

ويضع الكاتب مبرراته للعمل القطري في جماعة قطرية أو رابطة قطرية:

أن أهل كل قطر أدرى بشعابه وأقدر على مخاطبة الناس بلسانهم. سهولة التنظيم القطري في التعاطي مع الأحداث بالمرونة والفعالية.كما أنه من الصعوبة بل لا يمكن تحرير كل الأقطار الإسلامية مرة واحدة، بل لابد من التدرج في ذلك.

ويؤكد الكاتب أن الدعوة إلى العمل في شكل جماعة قطرية، أو رابطة قطرية مؤلفة من تنظيمات متعددة، ليس مناقضا لوحدة جماعة المسلمين إلا أن تكون القطرية حلا دائما، وكيانا يراد له البقاء في التجزئة) 5 بعد التنظيم القطري حسب المؤلف، ينبغي للجماعة القطرية أو الرابطة القطرية المؤلفة من تنظيمات أن تعمل على كسب ثقة الشعب ليجيء بعد ذلك أسلوب القومة: الذي يرجع في خطوطه الكبرى إلى اتحاد الشعب على مواجهة دولة الباطل: إما بالإضراب العام، أو الفوز في الانتخابات) 6 ، ويختم الكاتب أنه في حالة تعذر التنظيم القطري ينبغي مساندة التنظيم الأكثر نجاحا وتوفيقا.

3- القيادة الواحدة لا الجماعية

ذكر الكاتب أن الأمم في الماضي واليوم توصلت إلى ثلاثة أنظمة للحكم، ذكرها واختار واحدا منها وهو خيار قيادة منتخبة، يقول الكاتب: 1- استبداد فردي فيه مزيد هلكة للشعوب المغلوبة على أمرها، ومن أنواعه ملكنا العاض والجبري. 2- قيادة جماعية، في زعمها، لا تلبث واجهتها أن تتكشف عن المنقذ الجبار كما وقع في روسيا، أو تستمر في نوع من الفوضى الديمقراطية العامة كما هو حال إيطاليا منذ سقوط موسوليني. 3- قيادة شخصية منتخبة مسؤولة أمام الشعب وممثليه، وإلى هذا انتهت حكمة الشعوب ومنه كان ابتداء تاريخ الخلافة الراشدة وإليه يعود إن شاء الله تعالى) 7 .

ويتم تعيين القائد الرباني من طرف أهل الحل والعقد كما يقرر المؤلف، وأن الولاية الإيمانية هي أساس العلاقة بين القيادة والقاعدة يقول الكاتب: فقوة القيادة ورصانتها، واستمساكها مع القاعدة استمساكا واثقا ينبني على الولاية الإيمانية لا على الوعود البراقة والخطب الرنانة) 8 ، وتمتحن هذه الولاية في نواظمها الثلاث عندما تشتد الأزمات، وتكثر المشاكل، وتشن الحروب على الصف.

طالع أيضا  جماعة المسلمين من تشخيص الداء إلى مقترح البناء (1)عرض لكتاب "جماعة المسلمين ورابطتها"

ويضيف الكاتب موضحا علاقة القائد بالقاعدة بقوله: القائد الإمام له الطاعة وعليه الشورى وبما أنها كريهة فقد أعطاه الشرع أن يطاع في المنشط والمكره وأعطاه الشرع أن يطاع ولو اعتبر جندي من جند الله أن حقا له أهمل… الإمام تحمله على الاستقامة يقظة الجند وواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو يحملهم على الجادة بواجب الطاعة في المنشط والمكره وأثرة عليهم) 9 .

ثم ذكر الكاتب مستعينا بكلام ابن تيمية في أن واجب الراعي الإحسان إلى الرعية والرفق بهم، وليس الرفق والإحسان هو فعل ما يهوونه، بل فعل مصلحتهم الدنيوية والأخروية، والرفق بهم في ما يكرهونه.

ويؤكد الكاتب أن القرار والعزمة الحاسمة للقائد الإمام بعد الشورى لقوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: 159)، اجتنابا للعنت والتعب لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (الحجرات: 7) والعنت هو التعب كما نقل الكاتب عن السيوطي في الدر المنثور).

4- الإيمان بالتعددية والمعارضة والاختلاف

يذكر الكاتب على أنه بعد القومة ينبغي الإيمان بالاختلاف والتعددية والتنوع، سواء داخل الصف الإسلامي أو خارجه.

الخلاف الخارجي: يقول الكاتب بخصوص الإيمان بالاختلاف مع المخالف خارج الصف الإسلامي: فالموقف الأذكى الموافق للشرع الإسلامي هو إفساح المجال لمن خالفنا في الرأي ليطرح ما عنده) 10 .

الخلاف الداخلي: ويقول بخصوص المخالف من داخل الصف الإسلامي: ومن ثم فهي مرحلة يحتمل فيها التنظيم المتصدي الوجود الأخوي لزملائه في الجهاد، وجودا يسمح لهم بالتعبير، والتحرك، والمشاركة في اختيار رجال الشورى والحكم، في انتظار توحيد حزب الله القطري في رابطة إسلامية تستقل في إطارها التنظيمات وتتعاون) 11 .

طالع أيضا  جماعة المسلمين من تشخيص الداء إلى مقترح البناء (1)عرض لكتاب "جماعة المسلمين ورابطتها"

يقول الكاتب أن الديمقراطية الجاهلية إذا كان من مميزاتها إعطاء حق التعبير للجميع، فإن للشورى تفوقا حاسما، إذ أن النظام الشوري أول ما يفرض هو الحق في التعبير، بل يفرض على كل مسلم أن يمارس حقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يحكي الكاتب عن رجاء جارودي: أن الديمقراطية تقتضي الصراع بين الإفراد والجماعات، أما الشورى فهي شورى رجال ليس تربطهم العلاقات الأفقية والمنافسة، بل تربطهم علاقة كل منهم بالله عز وجل، يقول الكاتب في تعليقه على كلام رجا جارودي: هذه الصفحة تصور مواقع طموح الإنسان المعاصر، كما تمثل عصارة تجربة الحضارة المادية التي فشلت وستفشل لابتعادها عن دين الله، وتعويضها علاقات الأخوة الإيمانية بعلائق الاستكبار، والمنافسة العدائية، واحتقار الضعيف، والعدوان على الشعوب، تقطع ما أمر الله به أن يوصل، وتصل ما أمر الله به أن يقطع) 12 ويؤكد الكاتب أن حرية التعبير لا تعني فتح الباب للمفسدين والمعارضين للحق والعدل: لا بد من تطويق عمال التخريب وأجراء الهدم، ويبقى الصادقون ممن لهم سابقة جهادية أو ممن لحقهم بإيمان، فلهؤلاء الحق في إبداء رأيهم، ونقد الحكومة، وطرح برامجهم البديلة داخل تنظيم الجماعة القطرية أو الرابطة القطرية، يتألفون إلى داخلها من أبواب الولاية الثلاث: التحاب في الله، والتفاهم مع حرية الاجتهاد، ثم الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر) 13 .

وبهذا نكون قد أتينا إلى نهاية هذه الجولة الممتعة مع ما خطه عالم ومجدد من أعلام هذه الأمة، نسأل الله أن ينفع به، وأن يتقبل منه.


[1] ص: 28-29.\
[2] ص: 29.\
[3] ص: 38.\
[4] ص: 72.\
[5] ص: 83.\
[6] ص: 83.\
[7] ص: 98.\
[8] ص: 100.\
[9] ص: 106.\
[10] ص: 86.\
[11] ص: 87.\
[12] ص: 46.\
[13] ص: 88.\