تبوأ حامل القرآن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والقرون الفاضلة مكانة عالية؛ لاجتماع الخيرية فيهم. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” 1 ، وقال أيضا: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار” 2 ، وقال عليه السلام مبشرا: “احْفَظُوا القرآن فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ قَلْبًا وَعَى القرآن” 3 ، وقال أيضا: “إن هذا القرآن مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن” 4 .

كان القراء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم رجالا بما تحمل كلمة الرجولة من معاني الإيمان والإحسان والجهاد في سبيل الله، كانوا قوْما ذاكرين لله تعالى، قائمين لليل، صُوَّما بالنهار، يجاهدون في سبيل الله تعالى؛ حتى إن الفاروق عمر دعا أبا بكر الصديق لجمع القرآن مخافة أن يضيع بموت القراء بعد أن استشهد في حرب اليمامة ضد مسيلمة الكذاب زهاء الستمائة قارئ 5 . وإن إجراء مقارنة بسيطة لحال حملة القرآن اليوم مع إخوانهم بالأمس ليجد أن الهوة شاسعة، وأن المقارنة أحيانا مستحيلة. فمن القرأة من لا حظَّ له من القرآن إلا الاسم، ومنهم من تدنَّت أخلاقهم وسقطاتهم، ومن القراء من يتكسبون بالقرآن في المقابر والمناسبات الإجتماعية، حتى أصبح أحسن حالِ حامل القرآن اليوم هو حال ذاك الرجل القابع في المسجد، المسبح بإسلام خامل قاعد، يدعو كل جمعة بالبقاء والدوام للسلطان، ويبارك فعله، وينتظر جراء هذا الفتات من مائدة السلطان، ومما فضل عن الناس.

أما في الجانب السياسي فقد كان القراء ممثلي الأمة بحق. قال عبد الله بن عباس: كان القراء أصحاب مجلس عمر ومشورته كهولا وشبابا) 6 . فأين قراؤنا اليوم؟ وأين همهم السياسي؟ وقد قال المعصوم صلى الله عليه وسلم: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” 7 . فإذا لم يهتم حامل القرآن بهمِّ الأمة فمن سيهتم؟

بعد هاته الإطلالة التي تبين مركزية حملة القرآن في الأمة الإسلامية، ودورهم التربوي والتعليمي والسياسي، أعرج على بعض خصال وآداب حملة القرآن، وألخصها في ثلاثة:

1- الربانية

قال الله تعالى ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون 8 ، فالربانية كانت وما تزال سمة حملة القرآن على مر العصور، وهاته بعض النصوص التي تلخص حال حامل القرآن في الأمة، وتفرض علينا أن نعمل جاهدين لإعادة تأهيل حملة القرآن في عصرنا تأهيلا تربويا تعليميا سياسيا؛ حتى يكون على منهاج الإسوة الأولى، فإنه لا تغيير يرجى لهاته الأمة إن لم يقده الربانيون، حملة القرآن العاملون به المتمثلون لآدابه وأحكامه وهديه.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون) 9 . عن الفضيل بن عياض: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن) 10 .

2- التنزه عن التكسب بالقرآن

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقرؤوا القرآن، ولا تأكلوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه” 11 . وما اختلاف العلماء في جواز وحرمة وكراهة أخذ الأجرة على إقراء القرآن إلا تعظيم لكتاب الله تعالى من أن يصبح القرآن سلعة رخيصة تباع ويشترى أهلها 12 . والذي استقر عليه الأمر لدى العلماء غير الأحناف أن المتفرغ للقرآن تعليما وإقراء له أن يأخذ أجرة على ذلك، وله أن يشترطها. وهاته قصة تبين هذا الأمر وتبين نوعية من الرجال قلَّ نظيرها: نوعية الرجل الباذل وقته وجهده وعمره للقرآن وللعلم.

يحكى أن عمر بن عبد العزيز بعث يزيد بن مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس في البادية، وأجرى عليهما رزقا، فأما يزيد فقبل، وأما الحارث فأبى أن يقبل، وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرا، فكُتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فقال: إنا لا نعلم بما صنع يزيد بأسا، وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد) 13 .

هذا حال العلماء العاملين الباذلين للعلم والقرآن، المورِّثين له بالحال والمقال، أما اليوم فالمتعلمون للقرآن والعلم أصناف: صنف اتخذه الناس أجيرا يعلمهم القرآن، وربما علمهم بعض فقه العبادات، فمكانته تعلو بحسب ورعِه وعلمِه، وبحسب مكانة حامل القرآن بين أولئك القوم، وصنف يعلِّمون الناس القرآن والعلم لكنهم لا يعملون به؛ وهذا من الانفصام النكد الذي حصل في تاريخنا الإسلامي بين العلم والتربية؛ فأصبح العلم والقرآن في واد والتربية في واد، وصنف هم أساتذة الجامعات والعلماء، وهم بدورهم منقسمون إلى صنفين: صنف موالٍ خادمٍ مباركٍ للسلطان وما يقوم به، فهذا حظه في الدنيا الحظوة والامتياز، والصنف الثاني اختار الدوران مع القرآن حيث دار؛ فنصيب هؤلاء الإقصاء والتعنيف؛ ولله درهم وهو ينفذون وصية الرسول الكريم الذي قال: “”أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: “كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ”” 14 .

3- ملازمة قيام الليل

قيام الليل سمة ميزت حملة القرآن بالخصوص، قال تعالى: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين 15 . وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “شرف المؤمن قيام الليل وَالْإيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ” 16 وإنما شرف الليل وشرف عمل أهله لأن فيه ساعة ينزل فيها ربنا كل ليلة الى السماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له، ثم إن قراءة القرآن في جوف الليل تكون أجمع للقلب وأبعد عن كل ما يشغل بال الإنسان من الملاهي وحاجيات الدنيا، ثم إن قيام الليل أبعد ما يكون عن الرياء.

المراجع

– القرآن الكريم برواية ورش عن نافع، دار المصحف بيروت.

– التبيان في آداب حملة القرآن للنووي، تحقيق محمد الحجار، دار ابن حزم، الطبعة الرابعة 1417ه – 1996م.

– المعجم الكبير للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة الأولى 1415ه- 1994م.

– صحيح البخاري المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ.

– الأربعون البلدانية لأبي طاهر السلفي، تحقيق: عبد الله رابح، مكتبة دار البيروتي، دمشق الطبعة الأولى، 1412هـ.

– شرح السنة للبغوي تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي – دمشق، بيروت الطبعة الثانية 1403هـ – 1983م.

– صحيح ابن حبان تحقيق شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة: الأولى، 1408هـ – 1988م.

– سنن الدارمي تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1412هـ – 2000م.

– شعب الايمان للبيهقي، تحقيق الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى 1423هـ – 2003م.

– البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى 1408هـ – 1988م.

– مصنف ابن أبي شيبة تحقيق كمال يوسف الحوت مكتبة الرشد – الرياض الطبعة: الأولى، 1409.

– حلية الاولياء وطبقات الأصفياء أبو نعيم الأصفهاني، دار الكتاب العربي بيروت.


[1] صحيح البخاري 6/ 192. قال الرسول في نفس المعنى: “يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلمه فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق وعلم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك …” الأربعون البلدانية لأبي طاهر 156.\
[2] صحيح البخاري 9/ 154.\
[3] شرح السنة للبغوي 4/ 437.\
[4] سنن الدارمي 4/ 2093، وفي هذا المعنى رُوي حديث أبي ذر الذي قال للرسول الكريم أوصني فقال له: عليك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله قلت: يا رسول الله زدني؟ قال عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء” صحيح ابن حبان 2/ 78.\
[5] صحيح البخاري 6/183، البداية والنهاية لابن كثير 6/388.\
[6] صحيح البخاري 6/60.\
[7] رواه الحاكم في المستدرك 4/356، والحديث فيه ضعف إلا أن معناه صحيح.\
[8] آل عمران 78.\
[9] مصنف ابن أبي شيبة 7/ 231.\
[10] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 8/92.\
[11] مسند الإمام أحمد 24/ 288.\
[12] انظر اختلاف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن في: التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص 57- 58.\
[13] المصدر نفسه ص 58.\
[14] المعجم الكبير للطبراني 20/90.\
[15] آل عمران 113- 114.\
[16] شعب الإيمان للبيهقي 4/541.\