تقديم

يمثل كتاب جماعة المسلمين ورابطتها للأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، ثمرة يانعة في مشروع كبير تأسيسي يسعى لبناء “دولة القرآن” من خلال إعادة صياغة المفاهيم الأساسية التي بنيت عليها الجماعة الأولى للمسلمين في عهد النبوة.

منذ الوهلة الأولى وبالضبط في (ص 17)، يصرح لنا الكاتب بمقصده من كتابة هذا الكتاب بقوله نريد أن نبين إن شاء الله أن دولة القرآن ونظامها هيكل لسكن جند الله، وآلة في أيديهم ودرع لحمايتهم)، مجيبا عن سؤال هام ومحوري كيف يتم رأب الصدع بين الدعوة والدولة في البناء المستقبل لدولة القرآن؟ وما هي طبيعة العلاقة التي تربط بينهما؟

بين ثنايا الكتاب

يتوزع كتاب جماعة المسلمين ورابطتها في طبعته الأولى الصادرة سنة 2011 والذي قدم له الأستاذ أبو بكر بن الحسن ابن الصديق عضو مجلس الإرشاد على 118 صفحة من الحجم المتوسط، موزعة بين تقديم وأربعة فصول، وكل فصل يتكون من فقرات هي بمثابة عناوين شارحة ومساعدة على تقريب معاني الفصول، بطريقة تبرز براعة الكاتب في تطويع الكلمات والأفكار والأحداث وترتقي بها إلى مستوى الإبداع في الكتابة لتشد القارئ وتجعله ينتقل من صفحة إلى صفحة ومن فصل إلى فصل وكأنه يفتل في حبل من أجل الوصول إلى آخر أطرافه.

من حيث الشكل

تتشكل دلالة الغلاف بالإضافة إلى اسم صاحبه، من عنصرين أساسيين:

العنوان ولوحة الغلاف، وذلك بغية التأثير على القارئ وتقريب الفكرة الأساسية، وهي عناصر تشكل مجتمعة المظهر الخارجي للكتاب.

غلاف كتاب جماعة المسلمين ورابطتها)، بسيط في شكله عميق في معانيه، هو عبارة عن صورة حبل سميك به ربطتان متساويتان تدل إحداهما على الدعوة والأخرى على الدولة على أرضية بُنِّيَّةٌ للدلالة على ارتباط الكاتب بالتاريخ الأصيل للأمة، تلفهما سماء ذات انعكاسات فسيفسائية بيضاء للدلالة على صفاء الدعوة ونقائها وأصالتها، محتضنة اللون البُني الذي يوحي في دلالته على احتضان الدعوة للدولة.

طالع أيضا  قراءة في كتاب: "جماعة المسلمين ورابطتها" للأستاذ عبد السلام ياسين (3)

من حيث المنهجية

اختار الأستاذ عبد السلام ياسين في طريقة ومنهجية كتابة جماعة المسلمين ورابطتها:

1- منهجية تحليل النصوص الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة ومن التراث الإسلامي الذي خلفه علماء المسلمين للتأكيد على منهاجية الطرح.

2- منهجية الوقائع التاريخية التي تعاقبت على الأمة زمنا بعد زمن، من أجل التأكيد على أفكاره التي تميز بين ما هو رؤية ثابتة مستقرة في فكره وبين ما هو رؤية متغيرة مرتبطة بالأحداث للوصول إلى بناء جماعة المسلمين والانتماء إليها.

3- منهجية المقارنة التي تحدد أوجه التوافق والاختلاف بين الدعوة والدولة/ القرآن والسلطان/ العلماء والأمراء/ الإيمان والشريعة/ وكيفية الجمع بينهما في دولة القران.

من حيث المضامين

في الفصل الأول من كتاب جماعة المسلمين ورابطتها يحاول الأستاذ عبد السلام ياسين أن يشخص لنا حالة الصدع بين الدعوة والدولة والعوامل القديمة والحديثة التي أدَّت إلى هذا الطلاق ويلخصها الكاتب في عاملين:

1- عامل الاستقطاب والاحتواء والقمع: وهو عامل قديم حيث كان قتال القرآن أمس الدابر بالرشوة والقمع، بمنح الملوك ومحنهم للدعاة قتالا بسيطا ببساطة وسائله) [ص 5] لكي تصبح الدعوة أليفة وينحصر دورها في المساجد والتَّكايا تبرر أفعال السلاطين بعيدة عن أمور الدولة، هذا العامل تطور عبر الزمن ليصبح اليوم حرب مجهزة بأحدث أساليب المكر والاغتيال والتآمر) [ص 5]. يتلبس بلبوس الإسلام الأمريكي أو اليسار الإسلامي.

2- الثنائي الجهنمي: مع خروج المسلمين من الأندلس وبخروج الصليبيين من أرض فلسطين والشام، تغيرت أشكال الحرب على المسلمين حيث اتخذت صيغا مختلفة أبرزها:

– الماسونية ذات الأفكار اليهودية المنتشرة في بلاد المسلمين والتي انخرط فيها العديد من العلماء من بني جلدتنا، وتَبْني الماسونية أفكارها على معاداة الأديان التي تعتبرها تفرق، وأن الإنسانية تجمع، فلتكن الرابطة الجامعة الأسمى رابطة الإنسانية تغاضيا عن كل دين) [ص 19] فتستعمل كل وسيلة ممكنة لإلهاء الناس عن دينهم.

طالع أيضا  قراءة في كتاب: "جماعة المسلمين ورابطتها"للأستاذ عبد السلام ياسين (الحلقة 1)

– العلمانية: إذا كان هدف الماسونية من وجهة نظر الكاتب هو تجريد الناس من الدين أفرادا) [ص 20] فإن هدف القومية العلمانية تجريدهم منه جملة) [ص 20] خاصة إذا تحالفت العلمانية مع القومية – وهي لا تنفصل عنها- فيكون دورها أخطر وهو فصل أجزاء البلاد الإسلامية وشعوبها بعضها عن بعض، لتنخرم الوحدة على الدين وبالدين) [ص 20].

هذه العوامل مجتمعة أوقعت الأمة في داء فساد الحكم الذي أصابها قرونا من الزمن، واعتبر الكاتب كل دفاع عنه إنما هو استلذاذ بالأوبئة التي نهكتنا قرونا حتى أتت إلى كياننا المعنوي فتبعه في الانهيار كياننا السياسي الحضاري) [ص 21].

بعد ذلك انتقل الكاتب إلى الحديث عن الثوابت التي تقوم عليها دولة القران لتصبح دولة رسالة والتي أسماها بالكيان المعنوي للدولة) تحتل فيه الغاية الإيمانية والإحسانية الصدارة، فتصطف السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتنظيم، وكل كبيرة وصغيرة في كل مجال من مجالات الحياة، في أماكنها النسبية، تأتمر كلها بأمر الدعوة، وتسعى كلها لنشر الدعوة) [ص 20] بعيدة عن الإسلام الفردي والإسلام الانزوائي، يشترك في ذلك القرآن والسلطان، العلماء والأمراء من أجل الوصول إلى ِرسَالية دولة القرآن.

يتبع …