للصوفية طيبي الأنفاس ـ رحم الله من مات منهم وحفظ المولى الكريم من بقي بما حفظ به الذكر الحكيم ـ أفضال علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. هم كانوا ولا يزال كثير منهم ممّن صفَتْ نيّته، وسلمت طويته من الالتفات عن إرادة وجه الله، والتخليط في الأذكار، والالتواء في طلب المحمدة والشفوف على الخلق وطلب الرزق، أرباب بِرٍّ يُلتمَس عندهم الخير، وأصحاب نورانية عالية، وروحانية ربانية، وإرث نبوي من تلاوة وذكر، وخلق وذوق، ورحمة ورفق، وسبق إلى الخيرات، وصدق وتحري صدق في نشدان الصديقية، جزاهم الله عنا خيرا وأعظم أجرا.

لكنّ التصوف، سواء كان نسبة إلى أهل الصُفَّة، وهم ثلّة من خيار الصحابة المرابطين الزاهدين المجاهدين، أو نسبة إلى الصفاء في الإرادة والسعي، أو نسبة إلى من لبسوا الصوف اخشيشاناً وزهادة في الدنيا وفي ما عند الناس، هم طائفة من صلحاء هذه الأمّة، طرأ وجودهم بعد القرون الثلاثة الأولى الخيّرة من تاريخ الإسلام المجيد، اعتزلوا الناس وعكَفوا على تغيير ما بأنفسهم نشدانا للإحسان، والتماسا لحب الله ورسوله العروة الوثقى، راغبين عن الفتن والمِحن والإحَن ما ظهر منها وما بطن، محافظين على وحدة المسلمين وبيضة الإسلام وهيبة السلطان، لمّا كان للمسلمين وحدة، وللإسلام بيضة، وللسلطان هيْبة، فأغدَق الله عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة ما جعلهم تحت سقف المُلك العاض مصابيح هداية، ومفاتيح ولاية، يفد عليهم الناس من كلّ حدب وصوب ليشهدوا منافع لهم: منفعة الصحبة المتسلسلة، والذّكر المطمئن الصّاقل للمضغة، والعلم بالله الدال على الله، والقول الحكيم المنهض إلى معالي الأمور من وهْدَة السفاسف والمهازل والسخافات التي غرق الناس في حمأتها، وتلوّثوا بقذارتها حينما هجم الدخيل على الأصيل فأقصاه أو كاد، وكادَ أصحابَه بمكر الليل والنهار حتى انتُقِضت عرى الإسلام عروة عروة، أول العرى انتقاضا الحكم بما أنزل الله، وآخرها الصلاة، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (سورة مريم الآية 59).

اعتزل الصوفية الأخيار الفتنة، وكان مُبرَّرا اعتزالهم بما سبق أن ذكرناه، وبما غاب عنا سِرُّه وخَفي أمره، وعن قَهْرِ المُلك العاضّ وسيفه المُصْلَت على الرقاب حَدِّث ولا حرج، قمعا ومنعا وظلما، وسفك دماء، وهتك أعراض، ونهب أموال، وإزهاق أرواح، وتكميم أفواه، وتلويث فِطَر، واستعباد أحرار، واستخدام ألسنة وأقلام في تكريس الأوضاع، وتبرير ما ضاع من عدل وإحسان، وتقرير ما شاع من فحشاء ومنكر وبغي، ولا من واعظ ولا من مُتّعِظ، إلا قلة يحصون كان من بينهم، بل على رأسهم الصوفية الأطهارعلى مدى قرون. كانوا حملة لواء التجديد، وسدَنَة الإصلاح والترشيد، ولُحْمة التأليف والتوحيد، وحكمة التقريب والتسديد. لكنّ هذا الطارئ بعد قرون الجيل القرآني الفريد، كما يقول سيد قطب الشهيد، ما لبث أن حاد قطاره عن سكة الحق والصواب، أو كاد يحيد، بسبب من طول الأمد على الحفيد وحفيد الحفيد، فقسَت القلوب، وأصبح ما كان يؤتيه المولى كرما وفضلا على الأجداد الأماجد الأسياد من أحوال نورانية، وكرامات ربّانية، واستقامات نبوية تحت ظل الشريعة وفي حِصْن سياجها أصبح مطلَب الطوائف المتعاقبة، ومكسب التجارب المتراكمة، ومرمى هدف المريدين، وطُعم صنارة بعض الشيوخ أو المتشايخين، فتحوّل التصوف ـ والتعميم مظنّة الخطأ في كل شأن عظيم ـ مِن منبع صاف وحصن حصين وركن ركين متين من أركان المحافظة على لبّ الدين، وتمريره صافيا نقيا زكيا إلى قلوب المسلمين وعقولهم وسلوكهم، عبادة بإيقان ومعاملة بإحسان وعملا بإتقان، إلى طقوس وأعراف وتقاليد تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل. وبدأ اللُّب يعرف ضمورا، والروح تعاني تعرية وتصَحّرا، وبقي تحت سقف الزاوية وبين حيطانها، وفوق أرضها المفروشة ببساط أهل الصُفّة، صفوة من النبع الصافي ينهلون، وعن الأصل الأصيل يصدُرون. ولكنّ المادة التربوية السلوكية التي تصلح أن تكون وصفة علاج لأدواء قرن من القرون، لا تصلح أن تكون وصفة تحصينية علاجية لكل القرون، فلكلّ قرن أدواؤه، ولكل قرن أطباؤه، ولكل قرن دواؤه. ويبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدّد للأمّة دينها. ومن أراد أن يُصلح أجيال قرن بالمادة التربوية التي كانت لسلفه فقد فاته أن يعيد تحيين من انتهت صلاحيته، وتجديد من أصابه البِلى. لسْنا نقصد فيما ذهبنا إليه ثوابت الدين وأصوله التي لا تقبل التبديل والتغيير، ولا المساومة عليها زيادة ونقصانا، وإنّما نعني كيفيات التنزيل، ومستطاع الناس في ظل ما استحدث من متغيرات، وما جد من عقبات وتحديات وإكراهات. وهنا يجمل بنا أن نؤكد أن تقليد جمود أنه تبرّك لا سلوك.

هذا من ناحية نشدان الخَلاص الفردي، والتجربة الشخصية الذاتية، فكيف إن عرضنا هذا المتجاوز فرديا وذاتيا على الخلاص الجماعي، والمشروع المجتمعي، هنا يبدو القصور عظيما، والتقصير هائلا، حيث لا معنى لصوفية القعود في زمن الجهاد كما يقول الأستاذ المرشد المؤسّس عبد السلام ياسين رحمه الله. لا معنى لصوفية الانزواء والانكماش والانكفاء في واقع لَزِم فيه مخالطة الناس والصّبر على أذاهم، ولا حكمة في صَمْت ولا مبرّر للسّكوت عن الحق في وقت أصبحت فيه مقاصد الشريعة مطالب، وأصبح فيه الإنسان مطلق الإنسان، والمسلم على وجه التحديد، والمؤمن المحسن على وجه التأكيد مستهدَفا نفسُه ودينه وعقله وعرضه وماله، فضلا عن أرضه التي أضحت فَيْئا يُنتَهب، وهدفا يُرمى، ومحطة وصول وفود من تجار المحظور، والمستثمرين في كل مقطوع عن الله مبثور، بل محطة إقلاع لمتاجرين فيما لا يحصى من أنواع الفسوق والفجور، الأمر أدهى وأمَرّ حيث يصبح تغيير المنكر أمرا عينيا لا كفائيا، وواجبا شرعيا لا سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا معرفيا ثَرائيا، وهَمّا دعويا تربويا لا مجرد نشاط جمعوي، أو عمل خيري، أو وسيلة من وسائل التماس الرزق واكتسابه، ومجال مقاولاتي تجاري استثماري لجلب المصالح ودفع المضارّ.

طالع أيضا  رسائل لَبِنات (الحلقة الرابعة) .. للبناء رجال وللرجال بناء

وهنا نعود ونؤكد أن لا معنى للتصوف القاعد في مضمار المؤمن الشاهد بالقسط القائم لله المجاهد الراشد، أكد هذا الذي تحدثنا عنه ما نسمعه ونراه ونعاصره ونعاشره ونعاينه ونعاني منه من صلاح بلا إصلاح في أحسن الأحوال، وإلا فانظر فسوف تجد شعوذة وأصحاب جداول وأسماء وخرق عادات، وشطحات وجذبات وغيرها من الحماقات والخرافات والخزعبلات والهرطقات والخروقات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها في الدين عدل ولا إحسان، ولا في ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته مكان أو عنوان.

سقَطَت الامبراطورية العثمانية بعد قرون من العَضّ أتَت مِن الدّين على الأخضر واليابس، وأصبح المسلمون عقِبَها بين عاجز ويائس، أو مُرتكس مُنتكس، أو متواطئ متلبّس متأبلس.

سقوط تلك الإمبراطورية التي سمَّوْها “الرّجل المريض”، ووُزِّع إرثه بعد مرضه دويلات متجاورة متنافرة أو متناحرة، جعلت مشعل التجديد لا يحمله إلا الصدّيقون الشهداء الصالحون: صدّيقون بما صدَقوا فصدَّقوا بما جاء به الصادق المصدوق من صدق فطبّقوا، وتحرَّوا الصّدق حتى أيقنوا وتحقّقوا. وشهداء أن قاموا في وجه السلطان الجائر فقالوا كلمة الحق التي لا تترك لك صديقا، وتجلب عليك أنواعا من العداوات والأعداء. وصالحون ليكونوا أقوياء في الدّين، أُمَناء على رسالة المبعوث رحمة للعالمين أن يسمعوها من مَضانّها الحقيقية ومصادرها الأصلية، ليُصبحوا وِعاء لها هَمًّا وفَهْما وعزما، ويُؤَدّوها كما سمعوها قولا دالا، وحالا منهضا، وفعلا مؤثرا ومغيرا، وتقريرا مصدقا لما بين يديه من الشرع ومصادَقا عليه. من هؤلاء آخر المجددين حسن البنا رحمه الله، من أحسن البناء، بناء الإخوان المسلمين الدين اجتمع فيهم ما تفرّق عند غيرهم فكانوا جماعة صوفية، وجمعية خيرية، وحزبا سياسيا، ودعوة ربانية…

لم يكن رحمه الله من الصوفية، أحبهم وتعرض لنفحات أورادهم ورباطاتهم لكنه خرج من سقف هذا التبرك الجميل، إلى سماء الإصلاح والتغيير، فتحقق له ما تحقق من هذا المنشود المقصود المحمود، ومات بعد أن أسَّس حركة لها حضور وشهود، عانت الأمرين تحت نيّر الاستعمار ووارثه بالوكالة: الاستبداد والاستكبار، عقودا قُتِل فيها من قتل، وسُجن فيها من سجن، ومُنع من منع، وحُصِر من حصر، وظل للبناء حُسْن لا تغيب ملامحه، وللحَسَن بناء لا تنْهدم أركانه، وتوَّج الله جهاد من استُشهِد، وابتلاء من ابتُلي، واجتهاد من اجتهد بثمار ربيع عربيّ كان للإخوان المسلمين «البنّاويين» «القُطبيين» «العِصاميين» المبدعين دور بارز مائز في زرع بذوره، وسقي جذوره، وجنْي ثماره حيث أرْسَوا سفينة الدعوة على إرادة الله غاية، والقرآن دستورا، والعدنان زعيما، والجهاد سبيلا، فكانوا مشعلا خالدا بحماس لا يفتر، ونهضة راشدة في خضراء مزهرة لا تَذْبُل.

هذا مع ما يستهدف الإسلام ـ باسم محاربة الإرهاب ـ من سهام، وما يوجه إليه من أصابع الاتهام، وما يتعرض له المسلمون في كل مكان من اعتقال ونفي، وتحجير وتهجير، وتثبيب وإعدام وغير ذلك من صنوف الاستعداء والإجرام في مقررات التعليم، ومؤامرات التآمر ووسائل الإعلام، وبرغم ما تتعرض له رئاسة الإخوان وحكوماتهم ومقراتهم من حصار، ومن مكر الليل والنهار، ومن حرق ودمار من قبل من يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي بعض المؤمنين الأغرار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.

والمجددون بعد حسن البنا لن يكونوا صوفية قاعدين، ولا دراويش رهبانيين إلا في ليل المتبئسين المنكسرين المفتقرين المتبتلين، ولسوف تعثرون في هذه الرسالة الرابعة العدوية ما يؤكد هذه المعاني في أبسط وأجمل الأواني التعبيرية، رسالة من الولي المرشد، الإمام المجدد المؤلف المؤسس للخلافة الثانية على منهاج النبوة رحمه الله، ونفعنا بذكره وعلمه، كلام نفيس ينبه ويوَجّه، ينذر ويحَذِّر، يُرشد ويسدّد، يوطئ ويمَهّد لفهم دقيق عميق للثابت والمتحوّل، للأصيل والطارئ ما يضع للطريق صوى ومعالم، وأمارات منارات لنَمْضِيَ خلف الرسول صلى الله عليه وسلم لا نُقدّم بين يديه ولا نتخلف عنه، ولا تطيش بنا السّبل ذات اليمين وذات الشّمال، ولا تتخطّفُنا نُسور المستكبرين وصقورهم مِن عَلٍ فنَقْبَل من موائدهم الفُتات، ومِن جِيَفِهم الرُّفات، ومن وعودِهم العُرقوبية “إكسير الحياة”؛ ولا تهوي بنا الأرض الموحلة المستنقعة إلى مكان سحيق من الاستضعاف والاستخفاف المسمى استكبارا مِن زاوية نظر أخرى، أن تَنْظُر إلى المستكبرين على أنّهم آلهة ينبغي أن تعبد من دون الله، وأصنام وَثَنيّة ينبغي أن يَعْكِف عليها العاكفون على باب غير الله، راغبين في دنيا غيرهم زهادة فيما عند الله، وما عند الله خير وأبقى، بل زُهْداً في الله، والله خير مما عنده وأبقى، وأين “النّباهة من الاستحمار” كما يقول «عَلي شريعتي» سُحقا سُحقا.

طالع أيضا  رسائل لبنات.. حاجتنا إلى الله في الدنيا ومع الناس (الحلقة الثانية)

الرّسالة رَدٌّ عن رسالة منّي إلى الحبيب الطبيب، المرشد الوالد، المربي المعلِّم الأريب، نقَلْتُ له فيها خبَر أخ من أعضاء جماعة العدل والإحسان ظهرت عليه ملامح صلاح، وسيما ولاية تجلَّت في أحوالٍ ومرائِيَ، ومكاشَفات وفتوحات وكرامات… لم يكن وحده يعيش في بحبوحة هذا النّعيم بل كان له رفيق في الدّرب قال عنه أنه توأم لروحه، وانعكاس مِرآويّ لأحواله، يستيقظان معا فكأنّهما على موعد، ويريان نفس المرائي وتُرى فيهم. يمرض أحدهم فإذا الآخر طريح الفراش، وينهض من مرضه فإذا الآخر في انتعاش، وغير ذلك مما أطال في تفصيل الكلام عن مبتدئه وخبره، وبَذْره وثمره، وسِرّه وأَثَره، فقلت لا طاقة لي بما قلتَ أن أعرف كنهه حتى أُفْتيك فيه، فأعط القوس باريها، فما يُنبِئك مثل خبير، وكتبت أستشير الحبيب الأثير، فكان الردّ المُنتظَر مبثوثاً في هذه السطور الشارحة للصّدور والمُذَلِّلَة لفهم صِعاب عُوَيصات الأمور:

“بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

سيدي منير ركراكي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا تُلْقِ بالا لما يقوله عنّي الفقراء غفر الله لنا ولهم. وخُذ العبرة من ضيقهم بنا كما ضاق بنا الذين يقولون: ضال مُضلّ، وكما ضاق بنا الحكام الذين يعادوننا ونعاديهم. اترك الفقراء لما هم فيه، فكفاهم القعود. لولا قعودهم وقعود غيرهم من أين كان لنا أن نتقدم لنقول في وجه التاريخ كلمة؟ ثم إن الفقراء يحسبون أني أنازعهم في الطريقة وتقاليدها، لا يقدرون يتجاوزون ما نشأوا على سماعه جيلا بعد جيل. وأمرنا شيء جديد عليهم وعلى غيرهم. فدَعْهم يحجّرون فضل الله على من يشاء من عباده، وأعْرِض. ولا بأس مما سمّيته “الأمن التربوي”.

بلّغْ الأخ الكريم أن ما يعتريه فضل من الله عز وجل، وامتحان عسير أيضا فمن كشف الله عن عين قلبه فرأى بعض حقائق ما هو غيب عن غيره محجوج إن لم يوف الشريعة حقها. محجوج أكثر من غيره ومسؤول.

أخبره أن المطلوب إليه وإلى كافة الإخوة الجهاد المستمر والعمل الصالح. ليست العبرة أن تُمْضِي العمر في الفرجة على مشاهد الأنوار. تكون مغبونا يوم الجمع والتغابن إن جاء الناس بالعمل الصالح وجِئْتَ أنت بسِجِلّ مشاهدات ما كُشِف لك. ارتقى الناس إلى درجة المجاهدين وهي أعلى من درجة المكاشفين بشرط: هو أن يكون للمجاهدين نية وطلب لوجه الله عز وجل وصحبة وذكر وصدق.

وهنا بقي الفقراء يحملون السبحة فتتدفق عليهم أنوار الذكر، فيحسبون أنهم بلغوا القمة. القمة الصحابة رضي الله عنهم: جمعوا الإرادة القلبية، إلى الشغل بالذكر الدائم، إلى الجهاد المستديم. وكانت صحبتهم لخير الخلق صلى الله عليه وسلم رفعتهم عن رخاوة القعود واستلذاذ المشاهد والبطالة في الزاوية.

قل للأخ عافاك الله لا يتخذ معيارا في صحبته ولا في سائر سلوكه غير الشريعة. وليحرس من سكرة الأحوال وما يستطاب من الأوهام.الفقراء أصحاب أحوال، دعهم وأعرض عنهم وتوكل على الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه صلاة الله وسلام الله. لا تَنْسَني أخي من دعائك. وسلامي إلى الأحبة جميعا في فاس وغير فاس.

أخوك عبد السلام

سلا ليلة السبت 19 رجب 1411″.

رسالة ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، تَنفي عن الفقيد الحميد السعيد ما يروج له من لا طاقة له على قراءة المكتوب، وسماع المُسَجّل المشافَه به، ولا على التماس الحق عند أهله وفي مضانّه بعيدا عن أقوال المُتقوّلين وانتقادات غير المُنصفين، وتأويلات المُتربصين المُغْرِضين، وزيادات المزايدين، وتخيّلات المتخيّلين، وتحايلات المُتحايلين، وتحليلات المُحَلّلين المُخْتلّين أو المُنحلّين أن يكون الأستاذ عبد السلام ياسين من الطرُقيين، مع شهادته للصوفية وعليهم، إقرارا لهم بما هم أهل له من ثناء شكرا لهم على ما حافظوا عليه من لبّ الدين؛ حب الله وحب الرسول الصادق الأمين، واستدراكا عليهم أن كانوا استثناء طارئا مبرَّرا وجوده فيما سلف من المِئين، حين كانوا الأولياء الصالحين المجدّدين؛ وبعد سقوط ما سقَط، وانفراط ما انْفَرَط رُفِعَت مائدة القُعود الدَّسِم، ونزلَت من سماء البعثة التجديدية الاستخلافية مائدة القائمين الشاهدين المجاهدين، العارفين العالمين العاملين، العابدين المحسنين العادلين في زمن نستَشْرِف فيه أن يُنزِل الله قدَر وعدِه وموعود رسوله بأيدينا إحقاقا للحقّ وإزهاقا للباطل. نُسهِم في ذلك بأصبع أو بنان، وتتعاقب الأجيال في استكمال البناء لبنة لبنة عودا على بدء ما صَلُح به أوّل هذه الأمّة.

طالع أيضا  رسائل لبناتالحلقة الأولى: من السجن وإلى السجن

ألا إنّ الرجل فيما كتب نثر أو شعر، وفيما قال خطب أو بشَّر أو أنذر، وفيما عمل فعل وأثّر وغيّر، وفيما وصّى به قبل أن يموت ويُقْبَر، ويبقى إرثُه شاهدا على مستمرّ مُستثمَر لا يندثر ولا يتغوَّر، لم يكن إلا ربّاني الغاية، نبويّ المنهاج، سُني السّلوك، عادلا محسنا، سويا مستقيما أو هكذا نحسِب ولا نزكّي على الله أحدا. “وما شهدنا إلا بما علمنا”. “وما شكر اللهَ من لم يشكُر النّاس”، “ومن يكتم الشهادة فإنه آثم قلبه”، وبذكر الصالحين تتنزّل الرّحمات، وفي ذكر ما صلُح منهم، وما أصلحوا به عِبَر وعظاتٌ لمن أراد أن يعمل بما سنّوا من صالحات، ويُتمّ ما بدأوا وضعه مِن لبنات ليجعله من عمله في ميزان الحسنات.

كان رحمه الله يحبّ كلّ طوائف المسلمين على اختلاف مشاربهم ومساربهم ومذاهبهم، وينهانا أن نتكلّم عنهم بسوء، وبما يسوؤهم، وإن لاحظ عنهم شيئا أو انتقدهم في شيء فليس من باب أن يبخسهم بضاعتهم، أو يقلّل من شأنهم بل لينبّه إلى ما شاب الأصل مما آل إليه الفرع، أو ما قصُر عنه الأصل أصلا فكيف التماس كماله في الفرع قولا وحالا وفعلا؟!

سُئل مرّة هل أنتم صوفية؟ – يقصدون جماعة العدل والإحسان – فقال رحمه الله: نحن منهم ولَسْنا هم). “نحن منهم” أي من صُلبهم خرَجنا وفي حضنهم نشَأنا وترعرعنا، “ولسنا هم” فقد فُطِمْنا عنهم: عن قعودهم وانزوائهم، وقناعتهم من الله بإحسان ولا عدل، وذكر ولا جهاد، ونشدان للخلاص الفردي ولا إرادة لتغيير ما بالأمّة من استبداد هو أصل لكلّ فساد.

“ولسنا هم” وقد فُطِمْنا عنهم بعد أن صار لنا سِنٌّ وسنّ، وقدرة على الحركة بقدمَي العدل والإحسان خارج الزّاوية المسقوفة المُسيّجة بحيطان إلى سماء الله العالية وسلعة الله الغالية في سوق أرضه الواسعة لنتنسّم الهواء النقيّ، ونتملّى جمال الفضاء السَنيّ ونُتاجِر مع الله تجارة لا تبور، ونشرب من ماء مَعين لا مِن غَوْر.

كان رحمه الله كلّما زُرناه في الله إلاّ وذكّرَنا بأنّ ما نحن عليه من خير وبِرّ وما نحن إليه من فتح ونصر إنّما يرجع الفضل فيه بعد الله ورسوله إلى سلسلة الرّجال الصالحين الذين ننتَسِب إليهم محبّة ونحن فرع من أصلِهم وغصن من دوحتهم. ثمّ يشير ببنان الامتنان وسبّابة الاعتراف بالجميل إلى صورة شيخه الحاج سيدي العباس القادري الماثلة أمامه ويقول: “ذلك الفضل من الله، هذا من فضل ربّي”، ويذكر لنا بعضا من مناقبه قائلا: كان رحمة الله عليه آية من آيات الله في الإخلاص والتقوى، في التواضع وإنكار الذات، في المحبة والوفاء والإيثار، في المعرفة بالله والدّلالة عليه، في ذكر الله والهُيام برسوله والصلاة عليه. وكان جبَلا شامخا في الاستقامة والاستواء، والتبتّل والانقطاع إلى الآخرة والافتقار إلى الله ربّ الدنيا والآخرة والفرار إليه فجزاه الله عنّا خير الجزاء، وجزى آباءه وأجداده الدينيين والطينيين بما هو أهله من المغفرة والثواب في دار الجزاء.

كان مرشدنا رحمه الله يتمنى أن يتسع فضاء الزاوية ليعانق السنة النبوية المعرفة بأل الاستخلافية العدلية الإحسانية، وأن يستمر خادما لها واضعا بين يديها ما أودعه المولى الكريم في قلبه من أسرار وأنوار وما أجراه على لسانه وقلمه من حكم وأفكار، لكن قدّر الله ما شاء فعَل.

وما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السّفنولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل) والرجوع إلى الأصل أصل. جزى الله مرشدنا الأستاذ الوالد عبد السلام ياسين عنا خير ما جزى به مريدا عن شيخه، ومربّيا عن أتباعه، وأباً روحيا عن أبنائه، وجعل رسائله لنا ذكرى وعبرة وخيرا، والدّال على الخير كقائله وفاعله. جعلَنا الله ممّن يقول للناس حسنا وممّن يتّبع أحسن القول. لا إله إلا الله محمد رسول الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله وآخر دعوانا أن الحمد لله.