إنها رسالة من “رجل – فرد” يقول كلمة الحق معتمداً على الله مسنداً ظهره إليه…

المرسل: الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

المرسل إليه: الملك الحسن الثاني رحمه الله

الرسالة: الإسلام أو الطوفان

عندما توصل المرسل إليه برسالة الإسلام أو الطوفان)، لم يصدق أن المرسل كان فردا ومعه رجلان.

ظن القوم أن الرسالة من ورائها “تنظيم” لم تستطع آنذاك المخابرات المغربية ضبط حجمه واختراق أجهزته… خاصة والظرف السياسي في المغرب كان يعرف توترا بين القصر والجيش وبعض النخب السياسية -كما أشرت في الحلقة 4 من هذه السلسلة-.

كان التحقيق الشرس 1 مع الصاحبين -الملاخ والعلوي- في معتقل درب مولاي الشريف يركز على حجم تنظيم ياسين ومن معه!!

خلصت الأجهزة الاستخباراتية بجميع تلاوينها، وبكل وسائلها أثناء فترة الاختطاف، أن الإمام أقدم على نصيحة الملك بمفرده بمعاونة رفيقيه. وتم التأكد من ذلك، حينما طلب من الإمام وهو معتقل في مستشفى الأمراض العقلية بمراكش، أن يعتذر للملك على “فعلته” حيث أقدم عليها تحت تأثير الأدوية، فما كان جوابه إلا رسالة أخرى وباللغة الفرنسية وبالقلم الأحمر…- والإمام في المعتقل 1976-.

هنا أدرك المخاطب أن رسالة ياسين ليست ككل الرسائل، وأن الأمر جد وليس بالهزل، رجل غير قابل للمساومة أو الاحتواء.

إنها رسالة من “رجل – فرد” يقول كلمة الحق معتمداً على الله مسنداً ظهره إليه. رسالة تفرض الجواب عنها فرضا، وحتى السكوت عنها جواب بليغ. وكما قال الإمام في رسالته مخاطبا الملك: … وأيا ما كان جوابك يا حبيبي يا حفيد رسول الله صلى الله عليه سلم، فلن تمنع كلمة الحق والصدق التي أصدع بها من غايتها. وسواء برز لي الملك بسلطانه، أو المؤمن عبد الله المسكين بقبول النصيحة، فاعلم أن الله جلت قدرته يقضي ولا يقضي الناس، وأنه تعالى يبعث للأمر المهم أضعف عباده، فيؤيده ويفتح له وبه… 2 .

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (3)الإسلام أو الطوفان

فعلا أقدم الإمام على الأمر العظيم بتقديم النصيحة. فللنصيحة في الإسلام شأن عظيم ومكان خطير، فقد ذكرها الله عز سلطانه في كتابه العزيز، فجعلها وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وكذلك كان دأب المجددين في تاريخ المسلمين. قال نبي الله صالح لقومه مبرئا ذمته في أداء رسالته: وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين 3 .

يتجلى صدق المرسل في تصريحه في مقدمة الرسالة بقوله: فها أنت سيدي حفيد النبي ترى أن أدائي للنصيحة قيام بفريضة فرضها الله على علماء هذه الأمة وعامتهم. ولست إلا طالب علم أعرف كل يوم الحدود التي يقف بي عندها جهلي. وتستحق مني النصيحة بكونك ملك هذه البلاد، وتستحقها مني صلة للرحم… 4 .

الرسالة تفرض الجواب، إلا أن الجواب على رسالة الإمام كان بالاختطاف وحرب الشائعات: وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون 5 . وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا 6 .

يقول الإمام في خاتمة مقدمة رسالته: … فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق، لعل الله جلت قدرته يبلغ بها إلى شهادة في سبيله بعد أن أبلغ ما علي أن أبلغ، وبعد أن يبلغ الحق إلى نصابه.

وأول من قرأ رسالة الإسلام أو الطوفان سنة 1974، صديقه الشاعر الكبير الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال رحمه الله، الذي قال عنها بعد عشرين سنة حين سألته عنها -وهو الذي لا يعرف للمجاملة سبيلا-: … رسالة تنطق بلسان صدق في كل صفحة وكلمة وحرف، لا يستطيع ذلك إلا صادق وصديق. أما نحن من عاشر ياسين في الوظيفة، كنا نحس بصدقه في إحسانه في عمله، وكذلك في حاله قبل مقاله، إذ كانت له غيرة شديدة على مستقبل التعليم وعلى البلاد وعلى الأدباء والشعراء والعلماء… فكان يكتب لي رسائل تحمل في ثناياها هموم رجل تهمم بقضايا الأمة كلها…

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمةظرف رسالة الإسلام أو الطوفان (4)

انظر التفاصيل في الحلقة السابعة من هذه السلسلة.


[1] انظر التفاصيل في الحلقة السابعة من هذه السلسلة.\
[2] “الإسلام أو الطوفان” ص 32.\
[3] سورة الأعراف الآية 79.\
[4] “الإسلام أو الطوفان” ص 36.\
[5] سورة الأعراف الآية 82.\
[6] سورة الجن.\