يطرح غياب القائد المؤسس تحديات كبيرة على أغلب التنظيمات؛ فهو واضع التصور ومجسد وحدة التنظيم وهو المرجع في حسم الاختلافات في كثير من الأحيان… وتعتبر جماعة العدل والإحسان أحد هذه الحركات التي بصمها مؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بشخصيته تنظيرا وممارسة، إذ لا يمكن الفصل بين المسار الدعوي والسياسي للرجل وبين تاريخ الجماعة، إذ اقترنت المحطات المهمة من تاريخ الجماعة بمواقف المرشد المؤسس وسيرته؛ (رسالة الإسلام أو الطوفان، الاعتقال والسجن، سنوات الإقامة الجبرية، مذكرة إلى من يهمه الأمر…). وبهذا الاعتبار لا يمكن استصغار التحدي الذي طرحه غياب المرشد عن الجماعة خصوصا وأن الجانب التربوي (بما يفيده من أهمية المربي الناصح في تزكية النفوس) يعد ركنا محوريا في مشروع العدل والإحسان. والآن وبعد مرور أكثر من شهرين على رحيل الإمام المؤسس يمكن للمتتبع أن يقف على وضع الجماعة داخليا وموقعها في المشهد السياسي المغربي وعلاقتها مع مختلف الأطراف ليتبين تـأثير هذا الغياب على الجماعة من عدمه:

الواجهة الداخلية

يمكن الجزم أنه حصل شبه إجماع لدى جل المتتبعين للجماعة أنها استطاعت تدبير مرحلة الانتقال: بدءً بحدث الوفاة والجنازة التاريخية مرورا بعقد المجالس التنظيمية والتواصل الإعلامي وانتهاء بانتخاب الأمين العام الجديد. ومن العوامل المساعدة على سلاسة الانتقال: وحدة التصور، الانضباط التنظيمي للأعضاء، نضج الهياكل والمؤسسات، تكريس المبدإ الشوري والآلية الديمقراطية في اختيار الأمين العام. ويمكن اعتبار التوفق في هذه المرحلة علامة إيجابية على مسار الجماعة ما بعد المرشد.

الجماعة والمخزن، إعادة تموقع

فمنذ وصول الأمين العام الجديد لهذا المنصب وهو يبعث برسائل مشفرة وأخرى واضحة معلنا فيها مواصلته السير على نهج الأستاذ المؤسس رحمه الله. ومن ذلك تأكيده هو وباقي قياديي الجماعة على الاستمرار في التمسك بالشروط المعروفة لأي اندماج في المؤسسات الرسمية. فالمطلوب هو تغيير سياسي حقيقي يحقق ربط المسؤولية بالمحاسبة وفصلا للسلط ورد الاعتبار للشعب باعتباره مصدرا للسلطة وضمان حقه في اختيار من يحكمه دون وصاية. والجماعة برسوخها على مبادئها هذه تعيد التموقع في دائرة المعارضة السلمية للمضامين قبل الأشكال والتوجهات الكبرى قبل التفاصيل، وفي هذا السياق يمكن فهم المواقف السياسية للجماعة والقافلة الحقوقية التضامنية مع البيوت المشمعة، وحفلات تأبين للمرشد.

ومن جهته يستمر المخزن في نفس منهجية تعامله مع الجماعة؛ إذ يعتبر أن لا شرعية غير القبول بمنطق مؤسساته ولا مجال للعمل إلا داخل الإطار الذي يرسمه. لذلك فهو لا يسمح للجماعة بتجاوز حدود معينة في أنشطتها الإشعاعية والتواصلية كما أنه يمعن في التضييق والحصار كلما سنحت له الفرصة لذلك أملا في فرض شروطه التفاوضية على الجماعة وهو ما تجلى بوضوح في: (منع القافلة الحقوقية الدولية، منع حفلات التأبين والمولد النبوي في الفضاءات العامة، فض اعتصام الطلبة بفاس واعتقال مناضلين محسوبين على الجماعة…). إلا أن السؤال الذي يطرح بقوة الآن هو مدى نجاعة هذه القبضة الأمنية التقليدية في خضم المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية. خصوصا وأنها جربت أكثر من مرة وبجرعات مركزة طيلة عمر الجماعة دون أن تحقق أهداف مهندسيها، حيث تبرز الجماعة كل مرة بقوة أكبر في المحطات الإشعاعية، كما أن المناخ المحلي والإقليمي والدولي أصبح يرفض مثل هذه الممارسات، بالإضافة إلى أن المغرب يجد نفسه في مواجهة التقارير الدولية التي تؤشر إلى تراجعه ليس فقط بالمقارنة مع الدول الراسخة في الديمقراطية بل مع الدول المجاورة المنعتقة حديثا من الاستبداد، مما يشكل حرجا كبيرا للدولة التي ما فتئت تؤكد على استجابتها لمطالب الربيع العربي بخصوصيتها المحلية.

الجماعة والأحزاب، نحو ميثاق جماعي

بعد المشاركة المتميزة للجماعة في حركة 20 فبراير والتنسيق مع باقي الأطراف السياسية في كثير من المحطات، أصبحت العلاقة بين الجماعة والأحزاب تتجاوز مرحلة التحييد (neutralisation) إلى قطع أشواط مهمة من العمل المشترك في قضايا معينة: (التفاعل مع قضايا الأمة والشعوب المضطهدة، تنسيقيات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات، تنسيقية غلاء المعيشة والعمل الجمعوي…). ولم تكتف الآلة التواصلية للجماعة بهذا المستوى من التنسيق بل تعمل على استثمار كل الفرص الممكنة لتعميق هذه الروابط على غرار زيارات الأمناء العامين الجدد، ودعوة ممثلي الأحزاب للقاءات العامة للجماعة، وحضور قياداتها في التجمعات الحزبية. لذلك فآفاق العمل المشترك مع باقي الأطراف ما زالت مفتوحة على مزيد من التنسيق في أفق تحالف محتمل، لأن الجماعة مؤمنة بالميثاق الجامع الذي يؤلف جميع التيارات في جبهة ديمقراطية.

الجماعة في الخارج، رهان النوع بعد الكم

من الملاحظ أن الـتأبينات التي خصصت للمرشد في الخارج تميزت بانفتاح الجماعة على شريحة جديدة من الجالية المسلمة والمتمثلة في علماء المهجر وبعض النخب الفكرية والسياسية. وهي بذلك تتجه نحو ربح مواقع جديدة في هذا المجال الحيوي مع الحفاظ على مكتسباتها القديمة. ولعل ما ساعد على هذا التوسع: تبني مدرسة العدل والإحسان منذ تأسيسها للعمل السلمي ونبذها للعنف واشتغالها من داخل المنظومة القانونية المعمول بها في الخارج، ثم تميزها بالعمق التربوي الروحي الذي يفتقده عموم الخطاب الإسلامي وفشل المؤسسات الرسمية في تبني هموم الجالية، بالإضافة إلى ضخامة المشروع الحضاري للأستاذ عبد السلام ياسين وشموليته وعدم اقتصاره على معالجة الإشكالات القطرية وإنما ملامسته لهموم الأمة في الداخل والخارج. وهذا ما أكدته الشهادات المتواترة للعلماء والمفكرين في حق الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.

وأخيرا، وإنه وأمام التحديات الاجتماعية والسياسية التي يواجهها المدبرون الحقيقيون للشأن العام بهذا البلد: (الاحتقان الاجتماعي بلغ مداه نتيجة غلاء المعيشة وارتفاع معدلات البطالة… الفراغ السياسي نتيجة تآكل التجربة الحكومية لما بعد دستور 2011 …)، فإن الرهان على إضعاف جماعة العدل والإحسان أصبح متجاوزا كما أن السعي إلى ابتزازها لتتنازل عن مواقفها المبدئية أصبح ضربا من العبث في سياق عام داعم لحرية الشعوب وكرامتها. وما ينبغي أن ينصب الاهتمام حوله هو العمل على مشروع إصلاح حقيقي يستطيع استدماج مكونات المجتمع المغربي، ويتيح لهذا الوطن استثمار جميع إمكانات وطاقات أبنائه.