ظل الجبل رمزا للصمود والثبات، وسمة تميز تاريخ المغرب العميق، فقد شكلت المناطق الجبلية، في المراحل الكبرى لتاريخ المغرب، مجالات معزولة ومستقلة في تسييرها عن السلطة المركزية -لضعف المخزن- واعتمدت على تنظيم اجتماعي مستمد من الشرع والعرف، ووقفت سدا منيعا -بقوتها الذاتية- أمام جيوش الاحتلال الفرنسي بعدما تهاوت تباعا مناطق الساحل والمركز بعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912م.

ومن أشهر تلك المقاومات الجبلية مقاومة قبائل “أيت عطا” بالجنوب الشرقي والتي ارتبط كفاحها ضد الاستعمار بجبال “صاغرو”، التي رسمت فوقه ملامح بطولية خالدة، وتحصنت فيه بحكم موقعه الاستراتيجي بالنسبة لواحات المنطقة وطرقها التجارية، واعترف قادة الجيش الفرنسي بصعوبة المهمة، أمام تجمع المجاهدين به ومنهم القبطان “بورنازيل”، حيث خاضت فيه قبائل أيت عطا والقبائل الأخرى معارك ضارية مع الفرنسيين من أشهرها معركة “جبل بوكافر” -يتوسط كتلة صاغرو- التي أبلت فيها القبائل العطاوية البلاء الحسن في شهر فيراير 1933م، بقيادة “عسو او بسلام” رحمه الله، حيث كبد المجاهدون الجيوش الفرنسية خسائر بشرية لا يحصي عددها إلا الله كما كتب أحد الذين عايشوا تلك المرحلة. فقد سقط ضباط الجيش الفرنسي صرعى أمام ضربات المجاهدين ومنهم قائد الحملة القبطان “بورنازيل” يوم 28 فبراير 1933م، ليرتكب الجيش الفرنسي بعدها فظائع ومجازر في حق الأهالي، بعدما حصر المجاهدين في الجبل وقطع عنهم الامدادات، فيما انهالت عليهم طائرات المحتل الفرنسي بحمم من القنابل. رغم ذلك أبت القبائل العطاوية أن تستسلم للفرنسيين، ومما يجب ذكره الدور الكبير للمرأة العطاوية التي شاركت بتحريضها الرجال على الاستماتة والبسالة وفي وقوفها أيضا إلى جانب المقاومين في صد الهجوم الفرنسي، ولم ترضخ هذه القبائل إلا بعد مسلسل الحصار والتجويع الذي حصد الصغار والكبار، وبعد استشارة العلماء نزل المقاومون من الجبل ليوقع “عسوا وبسلام” رحمه الله معاهدة السلام مع الفرنسيين التي ضمنت لأيت عطا الشرف والكرامة، فيما بقية قبائل أخرى مكونة للحلف العطاوي –أيت خباش- متشبثة بحمل السلاح..

هكذا تعاملت قبائل أيت عطا مع الفرنسيين الذين قدموا لاحتلال المنطقة ونهب خيراتها، فكيف ستتعامل مع المخزن الذي كفأ مقاومتها والمنطقة بعقود من الإقصاء والتهميش، فيما استأثر هو بما تكتنزه أرض المنطقة من معادن وثروات، فقد ضمت المنطقة -تنغير- منجم “اميضر” الذي يعد أكبر منجم لإنتاج الفضة في إفريقيا قاطبة، بمعدل إنتاج يصل إلى 240 طنا من الفضة الصافية سنويا، لكن إبناء المنطقة لم يحرموا فقط من الاستفادة من ثروتهم المعدنية بل خلف الاستغلال المخزني للمنجم دمارا في البيئة وفي مزروعات الواحة التي تحولت إلى منطقة جافة بعد تجفيف آبارها لقوة ضخ المياه نحو المنجم، فيما ألحق استخدام المواد الكيماوية بالمنجم أضرارا بالبيئة المحيطة به إلى جانب غياب البنيات التحتية والمرافق الصحية خاصة، ثم إقصاء أبناء المنطقة من الشغل والعمل بالمنجم بشكل ممنهج. شكل هذا الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، منطلقا للقبائل التي صدت الهجوم الخارجي، لتصدم بالظلم الداخلي، وظلم ذوي القربى أشد مضاضة، فتحركت مطالبة بحقها من الثروات المعدنية، عبر صيرورة نضالية سلمية شكل الاعتصام بجبل “ألبان” أحد محطاتها، بذل من خلالها العطاويون – أيت بويكنيفن- التضحيات الجسام، بعد العنف المخزني لسنة 1996م، والذي أسكت المنطقة ردحا من الزمن قبل أن تعاود الكرة من جديد بعد 15 سنة مع هبات الشعوب لتحرر، للمطالبة بالحقوق الكاملة لأبناء المنطقة من ثروتهم المعدنية، لتستمر في خوض اعتصامها فوق نفس الجبل مرة أخرى “جبل ألبان” منذ غشت 2011م إلى اليوم.

فهل كُتب لأبناء المنطقة أن يحاربوا أبناء فرنسا وبعد “الاحتقلال” أن يواجهوا -سلميا- وكلاء فرنسا اليوم؟ أم إن الرغبة في التخلص من سطوة الظلم والجبروت ستظل تساور قبائل الجبل؟ أم إن مقولة المؤرخ “أكنسوس” صاحب كتاب “الجيش العرمرم الخماسي” بأن الأمازيغ اتفقوا على أن لا يتركوا للمخزن صولة ولا استبدادا، ستظل قائمة؟