في الثقافة العربية وفي أذهان الناس تصورات خاطئة ومفاهيم مغلوطة عن التطوع، ترسبت زمانا في أوساط مختلفة، وعند العامة، فاستحكمت عقول الناس وتفكيرهم بحمولة سلبية غدت قناعة ورثتها الأجيال، فأصبحت قاعدة أو مرجعا تصوريا أضحى إشكالا بذاته خضعت له الأمة العربية والإسلامية من غير قصد، مساهمة بذلك في تأخر ركب الحضارة الإسلامية وتخلفها، لما أمسك الناس وأحجم الناس وتقاعس الناس عن التطوع.

ومن هذه المفاهيم الخاطئة نجد:

التطوع مفهوم غربي

ربض في أذهان الناس على أن كل فكرة متألقة تغزو منتديات الفكر وصالونات النقاش وتأخذ حيزا مهما من اهتمام الباحثين والمتخصصين، قطعا هي صناعة غربية، تلقفتها عقول المسلمين من أساتذة الفكر المتنور الغربي… ومن بينها ثقافة التطوع.

ونقول إن التطوع إرث إنساني وفعل جبل عليه كل الناس، الخيرون من الناس، باختلاف انتماءاتهم وأصولهم وحضارتهم، وفي التاريخ أمثلة كثيرة لأعمال الخير التي انتدبت لها كل أمة في فعلها نماذج ونماذج، غير أن للأمة العربية الإسلامية السبق والغناء في العمل الخيري التطوعي واليد الطولى في صنائع الخير لما غشيت أنوار الوحي فكرة التطوع بمعان سامية وفضل وثواب لم تدركه العقول المادية المجردة أو المؤلهة الملحدة.

التطوع للأغنياء وبالمال فقط

غالبا ما يرتبط التطوع بالصدقة والإنفاق والتبرعات والمساهمات المادية للميسورين من الناس والأغنياء والتي توهب للفقراء والمحتاجين، أو تضمن في إطار مشروعات خيرية لفئات معوزة، وإن كان التطوع بالمال من أجل الأعمال فمجالات التطوع الأخرى لا تقل عنه أهمية ولا منفعة ولا قدرا، وإن عرضنا فضاءات التطوع الممكنة ومجالات الأعمال الخيرية الأخرى، لوجدنا أن التطوع استجابة قلبية وتجاوب ميداني يستجيب لكل الاحتياجات المجتمعية باختلاف درجتها وأولويتها وإلحاحيتها، ولوجد كل امرئ مكانه لا محالة في ثغر من ثغور الخير، يعين محتاجا أو يقدم معروفا أو يبذل في سبيل الغير ما يملكه من وقت أو جهد أو فكر غاية رغبته وحدود استطاعته.

التطوع تنافس وصراع مع دور الحكومة

جهود الدولة وبرامج المؤسسات الحكومية واهتماماتها قد تتجاذبها قضايا كبرى، أمنية أو سياسية أو اقتصادية ذات المردود العام للوطن والأمة، والذي قد يلغي من سلم أولوياتها مجالات اجتماعية عدة، ملحة ومهمة، أو قد يشغلها عن إبداع حلول للقضاء على بعض المظاهر الاجتماعية التي تنخر صلب المجتمع من أمية وفقر وتحلل أخلاقي. فيبقى تطوع الناس والجمعيات الغير الحكومية أو القطاع الثالث واجبا يكمل جهود الدولة، والتي عليها (الدولة) أن تستوعب هذه العلاقة التكاملية فتهييئ قطاعا غير حكوميا حرا وقويا، لحمل أعباء ملمات يعاني من ويلاتها أبناء الوطن.

المتطوع شخص باحث عن السلطة والزعامة

كيف للمتقاعس والمتخاذل والمحروم من نعمة العطاء أن يحس نبضات الحب التي تضخ قلب المتطوع إحساسا بالمسؤولية ورغبة في مساعدة الآخرين وتحمل المشاق في سبيل الغير؟ كيف لعمل تطوعي تصاغ معالمه من بذل وجهد وصبر على المشاق وإيثار على النفس وتحمل للمسؤولية أن تشوبه دواخل زائفة زائلة، من رغبة في التسلط والزعامة وحب للرئاسة؟ كيف لمن تلفع قلبه في سعيه للخير معاني الإيمان أن تنخر رغبته غاية دنيوية أو نزوة أنانية وقد خشع قلبه وتواضع لله؟

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مفنذا اتهام المتطوعين في الخير على أن باعثهم وسيلة لاستمالة الأصوات الانتخابية ولكسب الشعبية وطرق أبواب الشهرة الاجتماعية فيقول: كلا! بل يعمل المؤمنون والمؤمنات لآخرتهم، ما على أحد من منة يمنونها ولا على أحد من دين يستردونه في هذه الدنيا، الجزاء هناك عند الله والوصية بالعمل الاجتماعي من الله ورسوله).

التطوع في وقت الأزمات فقط

لا شك أن في وقت الأزمات وعند الملمات التي تلحق بتجمع إنساني، وعند حدوث كوارث طبيعية كالفيضانات والزلازل، أو اجتماعية كالمجاعة والأوبئة، يبرز التطوع كإلحاحية مستعجلة، بل واجب وفرض عين على كل قادر على درئ المصائب والمخاطر، غير أن دون حالات الاستثناء يبقى التطوع منظومة شاملة للبناء المجتمعي، بل ويعد ضماناً للاستقرار الاجتماعي، لكل الدول الفقيرة والغنية معا. فتقوم منظومة التطوع والتضامن البناء الذي يسود أوساط الناس في الظروف الطبيعية أو ظروف الرخاء ببناء الثقة بين الناس وتقوية نزعة النصرة وتهيئ المجتمع بأكمله للتضامن والتآزر في ظروف الأزمات والملمات.

يمارس التطوع في أوقات الفراغ

من الإجحاف نعت سويعات الخير التي يبذلها الشخص في تطوعه بأوقات الفراغ. وهو توصيف يراد به بخس الفعل من قيمته المعنوية. فالشخص الحامل لرسالة اجتماعية هادفة أو المناضل المثابر في تبليغ أفكاره أو المؤمن بقيم نبيلة يسعى لنشرها في أوساط مجتمعه، لا وقت فراغ له، ولا يستوي ربط فعله التطوعي الذي يجد في إنجازه وتنزيله بمجالات زمنية توصف بأوقات الفراغ أو الوقت الضائع… بل العكس صحيح، قل هو الوقت العامر بلا منافسة، عامر بكل الخيرات، حب وصفاء واجتهاد ونكران للذات.

غير أن البرمجة وترتيب المهام تبقى أولوية لا محيد عنها وضرورة للفاعل الجمعوي المتطوع، حتى يضمن لفعله الاستمرارية والفاعلية، وهي قاعدة تسري على كل الأفعال البشرية منذ القدم، وليس على التطوع وحده.