انتقل إلى عفو الله ورحمته، الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وترك رحيله ردودا إيجابية كثيرة صدرت عن مختلف الأطياف والفئات والنخب، على الصعيد الوطني والدولي، حتى من معارضيه ومخالفيه في منهجه، ولو أردنا الإمساك بالخيط الناظم لمختلف الردود والتصريحات والشهادات والمقالات لقلنا إن الأستاذ ياسين رجل من العظماء الكبار الذين قل ما يجود الزمان بمثلهم… عبر كل واحد ممن عبروا عن رأيه بطريقته الخاصة وأسلوبه عن تلك العظمة. مما يثير تساؤلات من قبيل لماذا اتفق الجميع على عظمة الرجل وإمامته؟ وما السر في ذلك؟.

رجل عرف ما قصد فهان عليه ما وجد

ولقد حاولت البحث عن السبب الذي جعل الرجل عظيما وجعله كبيرا في أعين محبيه ومعارضيه على السواء فوجدتها أسبابا كثيرة، لكنني أريد تلخيصها في خلق واحد من أخلاق الرجل التي تعتبر بحق من أخلاق العظماء إنه عدم الالتفات… وأعني بذلك أن الرجل لا تشغله العوارض عن الجواهر ولا الوسائل عن الغايات ولا العقبات عن الأهداف ولا المخلوقات عن الخالق … إنه رجل عرف ما قصد فهان عليه ما وجد بتعبير أحد العارفين … فمنذ أن اختار الطريق الذي اختاره، واقتنع به اقتناعا سواء وافقه الناس في ذلك أم لم يوافقوه، لم يشغله شاغل عنه، مهما كانت تلك الشواغل … فالثبات على الطريق والصبر على الأذى هو السطح الذي تتبخر عليه كل الإكراهات والابتلاءات …

عقبـات في الطريق

ابتلي الرجل في صحته فلازمه المرض طوال حياته، لكنه لم يؤثر في عزيمته وهمته، إذ بقي الرجل متوقد الذهن، سامي الهمة وكأنه شاب في الثلاثينيات من عمره، جمع بين نضج الرجولة وفتوة الشباب، أوذي من طرف الحكام إذاية شديدة، سجن على إثرها مرات عديدة وحوصر لعقد من الزمن كما حوصرت دعوته وقلمه دون أن تلين له قناة، أوذي من طرف من يفرض أن يساهموا في رفع مظلمته أعني الأحزاب والعلماء والنخب والإعلام ..صدرت ضده كتب وفتاوى، وكتبت مقالات، وعقدت ندوات ونشرت آراء وسخرت أقلام وصحف لتشويه سمعته والتشويش على دعوته، لم يصدر من الرجل أي رد فعل تجاه معارضيه، وهذا الذي أعني بعدم الالتفات … اتهم في عقيدته كما اتهم في تاريخه ونضاله بل ونياته، كل ذلك وغيره حاصل دون أن يلتفت الرجل أو يتزحزح قيد أنملة عن منهجه، فعلى قدر نبل المقصد يكون الابتلاء، والمحن تصقل الهمم والإرادات كما تصقل النار المعادن، فكما قال الشاعر :

محن الزمان يخبرن عن شرف الفتى كالنار مخبرة بفضل العنبر

إنه الرجل الذي تفرغ للعمل والبناء بالطريقة التي يراها، لا يهم هل اتفقنا معه أم لم نتفق، أما معارضوه فتفرغوا إلى ردود الأفعال والهدم، وشتان بين من يبني ومن يهدم … وبموته تبخرت ردود الأفعال وبقي البناء شامخا، قال تعالى: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض (الرعد: 19).

لم تشغله الشواغل عن همه وهدفه: همه الآخرة، وهدفه أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينظر إلى معالي الأمور إلى درجة أن البعض يتهمه بالتخريف وعدم الواقعية، ومن ذلك حديثه عن الخلافة الثانية على منهاج النبوة، كعنوان وأفق دنيوي لمشروعه المجتمعي التغييري الذي يرنو إليه بيقين في موعود الله، مما جعله يذكر به في كل كتاباته، ويستحضره في منهاجه التغييري، فبالرغم من صحة الحديث، فكثير من العلماء أصحاب المقاصد وفقه الواقع لا يستسيغون التركيز عليه في هذا الزمن زمن القطرية والإقليمية والطائفية والعولمة ذات المسحة الغربية … وكأن هذه الظواهر قدر الأمة لا يمكنها الانفكاك عنه…

سـر العظمة

أذكر أني لم أقرأ للرجل نقدا مباشرا أو كلمة نابية في حق إنسان بعينه وإن كان هذا الإنسان معارضا لفكره، أو مشاركا في إذايته، وكلما أبلغ انتقاد شخص ما، إلا ويبحث له عن مبرر، ويغتنم الفرصة للدعاء له بالخير والهداية .. وقد يقول في التبرير مثلا إنه أنصاري النسب ونحن أمرنا بمحبة الأنصار .. أو يقول: فلان قد يكون له من اسمه نصيب (اسمه سعيد مثلا). ويكفيك من ذلك كله، أنه لا يذكر اسم الرملك الراحل “الحسن الثاني” في حضرته إلا ويترحم عليه، ولا يكتفي بذلك بل يوصي أحبابه بهذا الخلق، ويحثهم على العمل النافع لأمة رسول الله مهما كانت العقبات والعوارض وعدم الانجرار لأي استفزاز مهما كان .. ولذلك ربى أتباعه على اللاعنف ..

ما أشبه أخلاق الرجل بأخلاق صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم، ليس الرجل صابرا ومحتسبا فقط ولكنه يعفو ويصفح، بل ويلتمس طريق الإحسان إلى من أساء إليه ..لا تزيده إذاية الناس له إلا الإصرار والثبات واليقين في موعود الله، فبصبره على أذى الناس ويقينه فيما عند الله اكتسب الإمامة في الدين، مصداقا لقوله تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (السجدة: 24).

منعطفات كبرى مرت منها جماعة العدل والاحسان تحت قيادته

مرت جماعة العدل والاحسان بقيادة الأستاذ المرشد رحمه الله تعالى بمنعطفات كبرى، لو مر منها حزب أو جماعة لاقدر الله لتشتتت في الحين، من ذلك مثلا محاكمة الأستاذ المرشد نفسه وسجنه عدة مرات ومحاكمة أعضاء مجلس الإرشاد 1990 بسنتين نافذتين وغرامة تقدر ب10000 درهم لكل واحد منهم، بمحاولة فصل القيادة عن القاعدة، حرموا على إثرها من وظائفهم لمدة طويلة دون أن يؤثر ذلك في قناعاتهم، رغم المساومات المغرية من طرف النظام، وتلا ذلك حل الجماعة رسميا وإداريا، ولما خاب ظنهم خططوا للتضييق على الطلبة بل وقصم ظهرهم من خلال محاكمات جائرة طالت العشرات من الطلبة بمراكش وفاس والدار البيضاء وصولا إلى محاكمة طلبة وجدة الشهيرة شملت 12 طالبا، باعتبار العنصر الطلابي العمود الفقري للجماعة، حوكموا ظلما وعدوانا ب20 سنة نافذة، خرجوا منها منتصرين، لم يركعوا ولم يلتمسوا عفوا من النظام كما طلب منهم فلما غادر الأستاذ محمد البشيري رحمه الله صف الجماعة، ظن الجميع أن الجماعة نحو النهاية تسير، بقيت الجماعة كما كانت بل واتسعت لتصل إلى كل المدن والقرى، وجاءت 2006 بأخطائها كما قال المرشد نفسه، فلم يعد أحد يشك في أن الجماعة وصلت إلى نهايتها، تلاها حصار خانق، استعملت فيه كل وسائل الضغط من التضييق على الناس في حركاتهم ووظائفهم وأرزاقهم وتشميع البيوت، واستعمال أقلام مأجورة والمجالس العلمية وخطب المنابر ومواقف متخاذلة من جل الفرقاء السياسيين… كل ذلك مصحوبا بمئات المحاكمات والاختطافات جرت وقائعها في كل محاكم البلاد، طولا وعرضا، طالت قيادات الجماعة وأعضاءها على السواء صودرت كل الوسائل التي تتواصل بها الجماعة مع غيرها، ولم يبق إلا وسيلة واحدة هي المحاكمات: أرادها النظام عقوبة قاصمة للظهر فأرادها الله تعالى وسيلة دعاية للجماعة وخطها الجهادي، بعد أن سدت كل القنوات المشروعة في وجهها. هذا غيظ من فيض مما اختزنته الذاكرة … وقع كل هذا وغيره دون أن تنحني الجماعة وقيادتها أو تفكر في ذلك .. وكانت قيادة الجماعة تغتنم كل فرصة سانحة لخلط كل الأوراق التي يعمل النظام وأزلامه على ترتيبها، مما يربك النظام الذي يشيع في الناس أن الجماعة فقدت تأثيرها على الشارع. كل ذلك حدث دون أن يؤدي إلى تراجع على المستوى الشعبي أو تنازل، أو التفكير في الحل الوسط مع الاستبداد، ولعل حدث رحيل الشيخ رحمة الله عليه وجنازته المشهودة والأصداء التي تم رصدها، والانتقال السلس للسلطات دليل قاطع على ان غرس الأستاذ قد أتى أكله، والتنظيم اشتد عوده، بإذن الملك الوهاب، واستوى على الجودي، مما يفوت الفرصة على المتخرصين الذين ينتظرون هذا المنعطف بشوق، خاب ظنهم …

خاتمـة

وفي ختام هذه الخواطر، لا يسعني إلا أن أضم صوتي إلى جل المتحدثين عن رحيل الأستاذ والذين تمنوا من حملة لواء الجماعة بعده، أن يسيروا على نفس النهج الذي سار عليه المرحوم وخطه، لا مبدلين ولا مغيرين، وأول المعالم والصوى الذي أؤكد على التمسك به هذا الخلق الذي بسطنا الحديث عنه إنه عدم الانشغال بردود الأفعال والابتلاءات والمعيقات التي تبدد الجهود وتذهب الريح، ولا يعني هذا عدم الإنصات للآخرين أو الاستفادة من تجاربهم، أو عدم استنباط الدروس مما مضى، بل تقييم التجربة وتقويمها مطلوب باستمرار، من أجل تصحيح المسار للوصول إلى أفضل النتائج … والله المستعان.