نقف اليوم مع حوار الأستاذ محمد شتوان، الباحث في الدراسات القرآنية من المغرب، الذي قدم بحث قرآنية التزكية وأصالتها في المشروع التربوي للأستاذ عبد السلام ياسين)، والذي قدمه في مؤتمر مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين).

كيف تلقيتم فكرة عقد مؤتمر حول فكر وتصور الأستاذ عبد السلام ياسين؟

تحية طيبة وبعد، بداية أتقدم بخالص شكري وامتناني للقائمين على أعمال هذا المؤتمر على ما تميّز به من حسن التنظيم وكريم الإشراف.

أما عن المؤتمر فهو على حدّ علمي فاتحة المؤتمرات والندوات التي تعقد لدراسة فكر الأستاذ عبد السلام ياسين وتصوره المنهاجي، إذ إن الرجل يلقى تضييقا وحصارا على أعماله ومؤلفاته، لما يطبعها من رجولة في المواقف وقوة في الحق.

ولا شك أن المُطلع على فكر الأستاذ ياسين ليفاجأ بغزارة الإنتاج وعمقه، وبنَفَسٍ تنظيري وبُعد نظر قلّ نظيره. لذلك كانت سعادتي كبيرة في هذا المؤتمر لكونه يشكل مناسبة لملامسة فكر الأستاذ ياسين ومباحثة أهم مفاصل هذا الفكر مع ثلة من الباحثين والمفكرين حول العالم.

ما هي أهم الخلاصات التي توصلتم إليها في بحثكم حول “قرآنية التزكية وأصالتها في المشروع التربوي للأستاذ عبد السلام ياسين”؟

أما عن أهم خلاصات مداخلتي فأجملها في النقاط التالية:

– إن خروج الأمة من نَعْت الغثائية وتعافيها من داء الأمم الذي ينخر كيانها، رهين في تصور الأستاذ ياسين، بطرق بوابة التزكية. فالتزكية مداواة وتطبيب؛ واحتياج الأمة إلى علاج شامل يتضمن احتياجها أولا وأساسا إلى تطبيب يقيم أود الأرواح ويزكيها.

– إن العروة القلبية تكاد أن تتلاشى كما تلاشت وانقضت باقي عرى الإسلام لذلك يرى الأستاذ ياسين أن المطلب الإحساني أسبق المطالب في سلم الأولويات، ويكون طب القلوب أهم علم، وتطبيقه أهم عمل.

– إذا كانت “التربية الروحية” قد لاقت اهتماما وولعا من المدرسة الصوفية في زواياها وتكاياها، على ما في هذه التربية من “مؤاخذات”، فإن الأستاذ ياسين ينشد في مشروعه التغييري، بناء على المنوال الأول، لذلك تراه يصرّح أن مطمحه هو النموذج النبوي الصحابي في التزكية والجهاد.

– إن التحدي الماثل أمام العاملين للإسلام هو محاولة الجمع، في غير تناقض ولا تزاحم، بين الاشتغال بالله تعالى ومرضاته، وبين الاشتغال الذائب لحمل همّ الأمة، وهو أمر يتنافى تماما مع الانزواء بحجة الإعراض عن الدنيا. يتنافى مع الهروب من المعركة والرخاوة والكسل. بعبارة أخرى يريد الأستاذ ياسين تربية جيل لا تنفك عنده مفردات الخلاص الفردي عن مفردات الخلاص الجماعي.

– يوجه الأستاذ ياسين من خلال سائر مكتوباته أجيال الصحوة الإسلامية إلى التماس النموذج النبوي الصحابي الذي يقوم على الجمع بين التربية الإحسانية والسلوك الجهادي. جمع يراه كفيلا بإعادة ما انتقض ولمّ ما شُتّت عبر تاريخ أمتنا المنكسِر.

– إن السلوك الجهادي يُلزمنا الاهتمام بسائر أبواب الجهاد والعكوف على جلّ ثغور الإسلام. سلوك له أوراده التي ينبغي تحصيلها والمداومة عليها كما نداوم على الأوراد الذكرية التذكرية.

ماذا تتوقعون لمستقبل هذا المؤتمر ولنظرية الأستاذ ياسين؟

بمنطوق قوله تعالى فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ (الرعد: 17) فإني أتوقع بإذن الله عز وجل، لنظرية المنهاج النبوي ذيوعا وانتشارا وقبولا في أوساط الأمة الإسلامية لكونها تحمل بين طياتها عوامل وأسباب نجاحها، هذا فضلا عما يلمسه القارئ في تفاصيل هذه النظرية من صدق وتهمّم بأمر المسلمين الفردي وعلاقتهم بخالقهم، وهمّ المسلمين الجماعي؛ تمكينا لهم في الأرض وإقامة لدولة العدل والشورى والإحسان.

وحتى يكتمل نفع هذه النظرية ويعمّ خيرها فلا بدّ لها من حاملين يقتنعون بها ويسيرون فيها بين الناس، فمعلوم أن الفكرة إذا لم تجد لها تلاميذ يتحمسون لها وينشرونها ويتولون شرحها وتفصيلها فلا محالة تُقبر في مهدها. وقد اشتهر عن الشافعي قوله: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به). وأحسب أن هذا المؤتمر يأتي أولا للتعريف بهذا العَلَم الشامخ ومواقفه الدعوية المشرِّفة، ويأتي ثانيا للتعريف بمكتوباته وتصوراته التي عالج بها واقع وتاريخ ومستقبل الأمة الإسلامية.

وقد كُتب لهذا المؤتمر أن ينعقد في لحظة تاريخية حاسمة تشهد فيها الأمة الإسلامية تحولات عميقة على صُعد مختلفة، ولا ريب عندي أن نظرية المنهاج النبوي للأستاذ ياسين تحمل تصورات علمية وعملية متكاملة في مهمة التغيير والبناء، وبإمكانها أن تقدم أجوبة متميزة عن الأسئلة الكبرى المطروحة للنقاش على الساحة الإسلامية إن على المستوى التربوي أو الفكري أو السياسي.

لذلك أتوقع أن يكون لهذا المؤتمر إشعاعا كبيرا على الساحة الإسلامية، وأرجو أن تعقبه مؤتمرات أخرى تُفصّل ما أُجمل في نظرية المنهاج، وتفسر ما أُبهم… والحمد لله رب العالمين.