الفصل الثاني: ولاية الله ورسوله والمومنين

قال الكاتب في افتتاح فقرة (الدولة القومية): بعد أن رسخ عندنا أن الكيان المعنوي للدولة وهو بمثابة الروح من الجسد، والمعنى من الحرف، ننظر إن شاء الله إلى الركيزة الأساسية في بناء دولة القرآن، ألا وهي العنصر البشري وروابطه) 1 .

وفي الكلام على الدولة القومية ذكر أنها تنبني على العصبية للجنس واللغة والتاريخ والتكتل القومي الحزبي) 2 وبذلك تضيق القومية عن الاجتماع الإنساني، عكس المقترح الإسلامي الذي جاء ليمحو كل هذه الفوارق الضيقة، لتسود معاني الفطرة، ووحدة المخلوقين أمام الخالق) 3 .

ويستمر الكاتب في (القومية مرض غربي) في فضح القومية ويستدل على ذلك بكلام إنسان معاصر، أسلم بعد مناصرته سنينا طويلة للاشتراكية، ومحاولة نقض دعائم الرأسمالية، وهو رجاء جارودي، الذي اعتبر وحدة الإيمان هي صمام الأمان للمجتمع المسلم، وأن القومية مرض غربي دخيل على المسلمين، وأن الديموقراطية تقتضي الصراع بين الإفراد والجماعات، أما الشورى فهي شورى رجال ليس تربطهم العلاقات الأفقية والمنافسة، بل تربطهم علاقة كل منهم بالله عز وجل.

يقول الكاتب في تعليقه على كلام رجا جارودي: هذه الصفحة تصور مواقع طموح الإنسان المعاصر، كما تمثل عصارة تجربة الحضارة المادية التي فشلت وستفشل لابتعادها عن دين الله، وتعويضها علاقات الأخوة الإيمانية بعلائق الاستكبار، والمنافسة العدائية، واحتقار الضعيف، والعدوان على الشعوب، تقطع ما أمر الله به أن يوصل، وتصل ما أمر الله به أن يقطع) 4 .

وفي (ولاية الله عز وجل) ذكر الكاتب أن ولاء القوميين للدم والعرق واللغة والأرض والتاريخ… لذلك ينبغي للمومنين أن يتميزوا عنهم بالإخلاص والولاية لله وحده، وبعد تدقيقه اللغوي لمعنى كلمة “ولي” وربطها بأصولها القرآنية يقول: وتتضمن كلمة “ولي” الواردة في القرآن بصيغ فعلية متعددة، وبصيغ مصدرية، وبصيغ اسم المفعول، معاني الانتساب، والقرب، والعقيدة، والنصرة) 5 .

وبهذا التدقيق اللغوي للكلمة حتى لا تختلط بمفردات أخرى كالبيعة، يوضح لنا معنى الولاء لله بقوله: فنرجو أن يتضح لنا أن الولاية والولاء والموالاة هي لله أولا وقبل كل شيء. ومعنى ذلك أن نحب في الله ونبغض فيه، وأن نحب فيه سبحانه كل عبد، أو جماعة، تدين له بالإخلاص، أي بالولاية، وأن نبغض فيه كل عبد أو جماعة تنتسب إلى غير الله، وتعتز بغير الله، وتنصر غير الله، وتستنصر بغير الله، وتعتقد ألوهية غير ألوهيته سبحانه) 6 .

وجعل ولاية الله للمومنين وولاية المومنين لله وهي موصولة بولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاية المومنين روابط موصلة بين كل عبد عبد وبين ربه، وبين جماعة المومنين وبين ربهم، وبينهم من فرد لفرد، ومن فرد لجماعة، وبينهم وبين رسولهم، ولكل صلة من هذه الصلات ما يليق بها من مقتضيات العقيدة، والانتساب، والقرب، والنصرة، والصداقة، وتولي الأمر، أي أن هذه الروابط تستوعب وتغطي مجالات العبادة، والتنظيم الاجتماعي، ونظام جماعة المسلمين وهم حزب الله، والاقتصاد، والتدبير العسكري، والسياسة، والحكم، وسائر مناحي النشاط البشري) 7 هذه الروابط والصلات تنقذ الإنسان من أغلال عبوديته للبشر وأهوائه وأفكاره وفلسفاته.

طالع أيضا  قراءة في كتاب: "جماعة المسلمين ورابطتها" للأستاذ عبد السلام ياسين (3)

في (الحب في الله والبغض فيه 8 ) فمقتضى الولاية في الله هو الحب في الله والبغض فيه، لذلك على المومنين أن لا يتركوا الهوى أو الاعتبارات النفسية أو المصلحية هي التي توجه تصرفاتهم، لأن ذلك يتناقض مع الحب في الله والبغض في الله، ثم وضع الكاتب مسارا عاطفيا ومنهاجا عمليا يحدد للمؤمن كيفية التعامل مع أصناف البشر: أساسه وحدة العقيدة أو اختلافها، اتحاد الوجهة والنسبة أو افتراقهما) 9 .

وفي (إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض) قرر الكاتب أن موطن الفساد والخلل اليوم هو انحلال الولاية في الله بين المومنين، وأضاف ولاية أخص من الحب في الله والبغض فيه، وأخص كذلك من الولاية العامة بين المومنين الواردة في قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (التوبة: 71) وهي الولاية الجهادية التي توجب التناصر بالأموال والأنفس) 10 وهو ما استنبطه من (الآيات: 72-73-74-75) من سورة الأنفال، وأن هذه الولاية الجهادية بين المومنين تقابل وتواجه وتقاتل الولاية بين الكفار، فإذا تعطلت هذه الولاية تعطل الجهاد لغياب أسبابه، فوقع الفساد في الأرض بتناصر الكفار على ولايتهم) 11 وأن صلاح جماعة المسلمين وهم المجاهدون من المهاجرين والأنصار، يقدم على مصلحة الإطراف من المجتمع الإسلامي) 12 وأن ولاية دوي الأرحام لا تتنافى مع ولاية الإيمان ولا تعوضها بل تؤيدها) 13 .

وفي (الهجرة والنصرة) أضاف الكاتب معنا جديدا للهجرة النبوية كانت الهجرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلة من مكة أو من منزل القبيلة إلى دار الهجرة، نقلة من مكان لمكان تترجم عمليا تحول الولاية من العشيرة والقبيلة والأرض والمألوف إلى الله ورسوله والمومنين والمستضعفين، وهم المستضعفون على الدين المظلومون) 14 .

(هل انقطعت الهجرة؟) أجاب الكاتب عن هذا السؤال بإيراده عددا من الأحاديث، استنبط منها أن الهجرة باعتبارها انحيازا إلى الله ورسوله، وباعتبارها ولاية للمسلمين وكفا عما نهى الله عنه ماضية كالتوبة لا تنقطع إلى يوم القيامة) 15 . وأخرج الكاتب معنى آخر للهجرة والنصرة بقوله: فإذا حولنا نظرنا من ذلك العهد إلى هذا الزمان رجعنا بفائدة أن الهجرة والنصرة انتقال المسلم الخامل من أعرابيته إلى الاهتمام بمصير الأمة، وحمل همها، والانضمام إلى جند الله بعد قطع حبال الجاهلية وعصبياتها، وولاءها) 16 .

طالع أيضا  قراءة في كتاب: "جماعة المسلمين ورابطتها"للأستاذ عبد السلام ياسين (الحلقة 1)

وأضاف مؤكدا هذا المعنى: المهاجر إذن والأنصاري هو من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، أو جاء لجماعة المسلمين المجاهدة، فتعلم دينه، وتجند حتى أصبح مؤهلا لحمل الرسالة وتبليغها، وتقلد عهدتها، ومن تخلف عن الجهاد فهو من أطراف المسلمين، محمول، قاعد، عالة، ولمن بقي على أعرابيته أحكام تناسب مرتبته، ذكر منها ابن العربي عدم استحقاقه شيئا من الفيء، وعدم صحة إمامته بالحاضر، وإسقاط شهادته على الحاضر) 17 .

(أولو الأرحام) في هذا الفصل قرر أن الولاية تكون لله ولرسوله وللمومنين، لكن الكاتب تساءل عن موقف الإسلام من الروابط الاجتماعية: النسب والقرابة والصداقة والانتماء للقطر والجهة… وأجاب أن الرحمة تغطي كل الروابط البشرية 18 وأنه إذا تعارض الولاء لله ورسوله والمومنين مع الولاءات للقبيلة والأنانية والقطرية، والوطنية، وما هنالك، فيطرح كل ذلك ويقاتل ويستأصل 19 .

لكن ختم هذا الفصل بملحظ دقيق يدل على فقه الرجل وعلمه ومرونته الفكرية: وخلاصة القول إن حدود الولاء لا تمر كالصارم البتار تقطع الصلات البشرية كما يقطعها الانتماء الثوري للطبقة، بل ينفتح الإسلام رحمة واعدة بمستقبل الأخوة) 20 .


[1] ص: 43.\
[2] ص: 43.\
[3] ص: 43.\
[4] ص: 46.\
[5] ص: 50.\
[6] ص: 51.\
[7] ص: 52.\
[8] وهو معنى الولاية في الله.\
[9] ص: 53.\
[10] ص: 55.\
[11] ص: 56.\
[12] نفسه.\
[13] ص: 57.\
[14] نفسه.\
[15] ص: 59.\
[16] ص: 60.\
[17] ص: 61.\
[18] ص: 62.\
[19] ص: 63.\
[20] نفسه.\