عفوا يا بني إن تقاذف إلى سمعك الصغير حديث لن تستوعبه حويصلة قلبك الصغير، ولن تدركه بعد هشاشة عقلك الضئيل، ولكن المقام اقتضى أن أهمس في أذنيك الصغيرتين بعضا من تأملات أتت عابرة في خاطري فأردت أن أتصيدها قبل أن تنفلت وتذهب سدى…

لقد أتيت يا بني إلى الوجود ولم تدرك بعد وظيفة أعضاء جسمك اللين، بل إنك تقف مندهشا أمام يدين تتحركان دون أن تعرف علة وجودهما، ولم تفتح عينين براقتين إلا حين يكون شعاع النور خافتا… فالوهج اللامع للضوء يحرجك، وقوة شعاع الشمس تؤلمك، والأمر رديف لأذنين رقيقتين إن اخترقتهما أصوات حادة محرجة لسمعك الحساس، مما يشي بأنك تحرك شيئا وتتحكم فيه ولم تعرف بعد نفاسته لديك…

نعم أنت تحرك جسدا متناغما مع العالم الذي أُدخلت إليه قدرا… جسد بُني بإتقان في أحشاء أمك، وكأنه مهيأ لما سيكون عليه الأمر من بعد، ألم تر أن رئتيك تخفقان فرحا بعثورهما على مادة حياتهما، وهي ذاك الهواء المفتقد في أجواء الكواكب الميتة الأخرى، لينتصب قلب صنوبري صغير يوزع دماءك القانية على خلايا طالبة لذات الهواء، وهو توزيع عادل لا انتقاص ولا خلل فيه… وانظر إلى شكل الأذنين اللاقطتين لعبير أصوات متموج في الأرض مفتقد في غيره من الأجرام السابحة…

على أي يا بني، إنك تحرك جسدا لا يد لك فيه، وهو أساس وجودك في الأرض، وعنوان تمييزك بين بني جنسك، أنت الذي تحركه… ولكن من أنت يا ترى؟ قطعا لست كومة لحم مهتزة، ولست خلايا ذكية كما زعموا توالدت لمفردها واتبعت سبيلا انتهت به إلى هذا الشكل الذي نراه… إنها أبعد وأعجز من فعل بناء دقيق متعلق بمصالح كبرى وغايات كلية للإنسان… إذ كيف يستوعب العاقل حقيقة أن خلايا صماء لا تعي شيئا شرعت لذاتها في التحرك والبناء لتُبرز إلى الوجود أعضاء عليها مدار المصالح الضرورية للإنسان، بحيث إنه لن يكتشفها ولن يعرف حقيقتها ولن يتمكن من الإحاطة بقوانينها إلا لبيب الأطباء الذي أمضى سنوات في كليات الطب دراسة وبحثا وتنقيبا وملازمة لهيئات الأعضاء ونواميسها…

وإن سلمنا جدلا أنها قادرة على البناء، فهل تستطيع هي معرفة غايات كل عضو فيما يستقبله من الأيام إذا خرج إلى الوجود؟ ومَن هي هذه الطبيعة التي يدعون أنها المبدعة الحكيمة… نعم قد تكون أكذوبة إلصاق الإدراك بالعضو الجامد وبعث العقل فيه ومخاطبته وكأنه عاقل حكيم يقوم بالمهام الضرورية لذاته دون تدخل أي هاد حكيم ذريعة قد تطفئ جذوة الحيرة الإلحادية، بل وتكأة في التملص من حقيقة اليد الخفية التي رسمت الطريقة، وحددت المهمة، وربطت الكل بمصالح الجنين الكلية الضرورية، ليكون كاملا هانئا مطمئنا لا يعتوره نقص حاد في وجوده الحديث على الأرض…

أستسمحك يا بني أن أدخلتك رحاب الجدل، وميدان الصراع مع العبث الإلحادي، فأنت أبعد ما تكون عن اللجاج والحجاج والصراعات الفكرية… وديدنك حاليا إنما هو تحريك فم ليلتقم ثديا خرجت منه ألبانا من أمك، نعم ألبان سائغة تعلن رجوعك الثاني إليها بعد انفصالك الجزئي منها… ولكن لِم كانت تلك “المصادفة” بين خروجك وخروج اللبن من ثدي أمك؟ ألا يدل ذلك على تلك اليد الخفية التي أمرت جسدا مبتعدا عنك لتنفجر من دمائه وفرثه لبنا سائغا لك؟ أليس في ذلك رعاية حقيقية لك من قبل المبدع الرحيم الذي خلقك وصورك سبحانه…

أرجع وأقول إنك تحرك جسدا ضروريا لك… ولكن من أنت؟ من أنت الذي يأمر بعبث ساذج يدين لا يعرف بعد أهميتهما… من أنت الذي يحرك الفم الباحث عن الثدي محل غذائك وإطعامك؟ من أنت الذي سيتحكم في جسد من بعد للقيام بما يراه من فعال ارتآها وأعمال اختارها؟ وهل ستنساق يا بني نحو هذا الجسد لتكون لاهثا وراء إشباع مطالبه من أكل ونوم وغيره، ظانا أنه أنت… إن ما أعرفه يا بني أنك غير الجسد الذي تحركه… أنت نفخة علوية من قبل الله، وروح طليقة لا تعرف الأسر والقيد والفناء أبدا، أنت سر الوجود باختيارك وحريتك، لأن غيرك من الكائنات لا حرية واختيار لها وإن كانت ملَكا طاهرا أو جرما سابحا أو حيوانا راكضا أو جبلا راسيا… ألا ترى أنها منصاعة لأمر قهري لن تستطيع التملص من عقاله ولن تقدر على تغييره وهو القيام على خدمتك، والحفاظ على مصالحك لتكون الخليفة حقا وسيد الوجود تحقيقا…

ستفتح عينيك يا بني لتلاحظ شيئا بين السماء والأرض سائرا، يتجمع حينا ويتلاشى أحيانا لتتآلف حبات المطر فيه وتنسكب رحمة على الربى والتلال والسهول المنبسطة فتصبح طعاما لك ولبني جنسك… ولتدرك آنذاك حقيقة الإنعام والإطعام والرحمة من قبل ذاك الذي أوجدك وأمر دماء أمك وفرثها لتغدو طعاما لك.

ستعرف يا بني أن والديك ينجران إليك انجرارا قهريا لتكون هانئا دافئا كما كنت سعيدا داخل رحم أمك، ولكنهما لن يستطيعا أبدا أن يهيئا لك جو الكنف الإلهي الذي كان يكلؤك هناك… إذ الحفظ الإلهي لن يقارن أبدا مع الحفظ البشري… بل إن جهد أبويك منبعث من مشكاة الرحمة الإلهية أصلا، كما الهدوء الأرضي الذي يحفظك من الارتجاج والاهتزاز والقلاقل الآتية مع دوران سريع لأرض تدور لأكثر من ألف وستمائة كيلومتر في الساعة…

إنها جاذبية رحيمة للأرض، وجاذبية حنونة لأبوين، وجاذبية لسحب الغمام والإنعام، وجاذبية اضطرارية للبن، وجاذبية الكل لك… خدمة وتعطفا وانصياعا لأمر إلهي لرعايتك في هذا الوجود… فكن يا بني من بعد منجذبا نحو الحضرة الإلهية حبا وشوقا وخدمة وتذللا وانكسارا، لتبادل حبا بحب، وعطفا بعطف وتحننا بتحنن… هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.