تقديم

يعتبر كتاب جماعة المسلمين ورابطتها) للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله حلقة من سلسلة كتب دولة القرآن، ركز فيه على جماعة المسلمين، وما يرتبط بها من مقومات الجمع والربط والتأليف والوحدة على المستوى الجماعة القطري قبل الانتقال إلى تأليف الجماعات القطرية وتوحيدها في ظل الخلافة الثانية الموعودة إن شاء الله.

وقد وظفت في هذا الكتاب مجموعة من المفاهيم أصل لها من القرآن الكريم ومن السنة النبوية ومن أقوال والدعاة والمفكرين والعلماء، نرى من الضروري الوقوف عليها لفهمها ولربط الجسور المعرفية مع مدلولاتها، علما أن الأستاذ رحمه الله يلح على أن تدقيق المعاني وربطها بأصولها القرآنية يعطينا أدوات فكرية تساعد على فقه ديننا والتميز عن التمريج الذي حدث في لغتنا العزيزة من جراء احتكاكها بلغات جاهلية.) 1 .

وقد اخترنا الوقوف على مفاهيم أساسية أصل لها الأستاذ من القرآن وحدد لها معانيها اللغوية ودلالاتها المنهاجية، وامتداداتها التاريخية، وأبعداها المعرفية، حددنا ثلاثة مفاهيم هي مفهوم الولاية ومفهوم جماعة المسلمين، ومفهوم القيادة سميناها مفاهيم بانية في الدولة القرآنية… مسترشدين في ذلك بما ورد في هذا الكتاب وببعض ما جاء في كتب أخرى من حديث عن هذه المفاهيم مما يسلط الضوء عليها ويجليها، على اعتبار أن كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تشكل كلا متكاملا يخدم النظرية المنهاجية في شموليتها.

المفاهيم البانية في هذا الكتاب

وقفنا على هذه المفاهيم باعتبارها مفاتيح لفهم الكتاب. والكشف عنها له أهميته المنهاجية، ذلك أن هذه المفاهيم مرتكزات وأسس ينبني عليها التصور العام لجماعة المسلمين ورابطتها في علاقتها بالإنسان القائد والإنسان المشارك في بناء جماعة المسلمين، وبينهما الرباط القلبي المتين هو الولاية، فما معنى جماعة المسلمين ؟ وكيف تتأسس؟ وما معنى القيادة؟ وكيف يكون القائد؟ وما الرابط الذي يربط القائد بجماعة المسلمين، وبينهم وبين بعضهم؟

مفهوم الولاية

بدأنا بهذا المفهوم لوروده أولا في ترتيب الكتاب (الفصل الثاني)، ولكون الولاية هي الرابط بين جماعة المسلمين بعضهم ببعض وبينهم وبين القيادة، كما يحدد ذلك الأستاذ رحمه الله في هذا الكتاب.

لقد انطلق الأستاذ المرشد رحمه الله من اعتبار العنصر البشري وروابطه الركيزة الأساسية في بناء دولة القرآن، وأكد أن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم للبشرية جمعاء برسالة الإخاء والوحدة، ونبذ العصبيات المفرقة والأنانيات الفردية والجماعية المستكبرة، وهي صفات تنبني عليها الدولة القومية، وهذه كما يقول رحمه الله صيغة الدولة العصرية المستوردة من الغرب، فالقومية مرض غربي 2 ويكون الولاء عند هؤلاء القوميين المغربين للأرض والماضي والأبطال ولكل شيء من دون الله) 3 وهذه الدولة القومية بولايتها لغير الله تلبس مسوح الجاهلية في اقتصادها وماليتها وولائها الخارجي وفي إدارتها وتخطيطها واستنادها على الماضي… وتخالف شرع الله الذي دعا إلى اتخاذ الله ورسوله والمؤمنين أولياء، لذلك يجب القطع مع الجاهلية المتمثلة اختيارا في الدولة القومية (العصرية) والوصل مع جماعة المسلمين من خلال تغيير شامل لموقفنا من كل الخلق في الأرض والسماء في الدنيا والآخرة على ضوء موقفنا الإيماني من الخالق عز وجل، وموقفنا من رسله وكتبه وشرعه 4 وهذا يقتضي تميزا بين أولياء الله وأولياء الشيطان في الانتماء والشعور يترتب عليه الإخلاص لمن نواليه ونكون من حزبه ومن تم بذل المال والنفس من أجله. فالولاية لله من أهم الروابط التي يقوم عليها بناء الجماعة.ففي المنهاج النبوي وانطلاقا من قوله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق. والله بما تعملون بصير، والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا، لهم مغفرة ورزق كريم، والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، إن الله بكل شيء عليم 5 يقول الأستاذ المرشد رحمه الله: في الآيات فقه في الفرائض، فقد كان الأنصار والمهاجرون يتوارثون في أول الهجرة وحاجة المسلمين لتضامن اقتصادي ثم نسخ الحكم. أما فقه الآيات المحكم الذي ينير لنا مقتضيات وحدود وشروط الدخول في جماعة المسلمين فهو مفصل بكل دقة.) 6 فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، كما أن الكافرين بينهم نوع من الولاء يترتب عنه دعم بعضهم لبعض على قاعدة معاداة الله ورسوله والمؤمنين، فلابد من التوالي بين المؤمنين على قاعدة المحبة والهجرة والنصرة والانتساب والعقيدة، وإلا كانت فتنة إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير 7 . والولاية ولايتان: عامة وهي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض كما في قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض 8 وولاية خاصة كما تحددها أواخر سورة الأنفال. 9

وبعد ذكر المعنى اللغوي للولاية وما يرتبط بكلمة ولِيَ من مشتقات عند الراغب الأصفهاني في كتابه معجم مفردات غريب القرآن مادة ولِيَ، مثل الوِلاية والوَلاية والولاء والموالاة والولي والمولى، 10 والتي تعني أن يصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة، والنصرة والاعتقاد. والوِلاية بكسر الواو النصرة والوَلاية بفتحها تولّي الأمر. وقيل الوِلاية بكسر الواو وفتحها نحو الدِلالة والدَلالة بكسر الدال وفتحها.) 11 يذكر معاني الوَلاية كما وردت في القران الكريم بصيغ متعددة التي تعني الانتساب والقرب والعقيدة والنصرة 12 . ومن ذلك قوله الولاية قرب بين المؤمنين وتناصر وأخوة ووحدة الأمر الجامع بينهم) 13 . وبذلك تحصل الولاية من حيث تأليف وتنظيم جماعة المسلمين، المخاطبة بالقرآن، المسؤولة عن إبطال الباطل وإحقاق الحق، عن تغيير المنكر وإحلال المعروف محله، أن المؤمنين الذين قطعوا حبال الجاهلية، وأبلوا البلاء الحسن في نصرة دين الله وإيواء القضية الإسلامية هم وحدهم دون غيرهم من أعراب المسلمين أهل الولاية والحل والعقد.) 14

وتقوم الولاية على الحب في الله والبغض فيه، يقول في المنهاج النبوي بعد قول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة 15 فرباط الأخوة والتحاب في الله هو الطاقة التي لا تغلب. لكن الأخوة في الله لا تعرف حدود القطر واللغة، ولا تستقيم مع الانتماءات الجزئية لجماعة من المسلمين دون جماعة. فإذا تحدثنا عن تنظيم قطري فليس ذلك لنحصر الأخوة في فئة دون فئة، لكن لنصرف الطاقات الأخوية في قنوات موجهة للمهمات المرحلية ريثما يتم تحرير أقطار الإسلام. فناظمة الأخوة في الله والحب في الله تسلك جميع المؤمنين على وجه الأرض في سلك الذين أنعم الله عليهم فأعطاهم منابر النور والمكان المغبوط عليه.) 16

لأنه لا جماعة إلا بتحاب في الله وصحبة فيه. وإن شر ما يفرق جماعات المسلمين غفلتهم عن الله حتى ينسوه فينسيهم أنفسهم، فتقسوا القلوب من ترك ذكر الله. وتتمثل هذه القسوة في تباغض المسلمين فلا جماعة ولا إيمان.) 17

ويرى أن الحب في الله والبغض فيه هو المعنى القلبي للوَلاية) 18 وأن الشورى وإجماع الرأي والاتفاق على الخطة وهذا معناها العقلي) 19 والطاعة للقيادة وهذا معناها وشرطها العملي التنفيذي الجهادي) 20 ، وهذه شروط الوَلاية، كما أن الحضارة الأخوية ومجتمع الرحمة المنشودان عمادها على صعيد القلب حب الله ورسوله والمؤمنين، وعمادهما على صعيد الفكر والفهم والرأي والسياسة الشورى) 21 وتكون الطاعة في التنظيم الإسلامي والدولة الإسلامية عصمة الأمر كله مع المحبة والشورى) 22 .

كما تتأسس الولاية لله على الهجرة والنصرة إذ ليست الهجرة والنصرة حركتين تاريخيتين انتهتا، المهاجر من هاجر ما حرم الله كما جاء في الحديث، والهجرة قطع لما بينك وبين ماض بعيد عن الالتزام بالجهاد، والنصرة بذل وعطاء وانتصار لقضية الإسلام) 23 .

إن الوَلاية تكون لله ولرسوله وللمؤمنين، والله ولي المؤمنين 24 هذه ولاية منه إلينا، نسبة الخالق للمخلوق، وقربه منه، ونصرته له إن آمن به وخضع لجلاله. وولاية منا إليه أمرنا بها القرآن، وجعلها موصولة لا تنفك بولاية رسوله صلى الله عليه وسلم وولاية المؤمنين قال عز من قائل: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون 25 . فهذه روابط موصولة بين كل عبد عبد وبين ربه، وبين جماعة المسلمين وبين ربهم، وبينهم من فرد لفرد، ومن فرد لجماعة، وبينهم وبين رسولهم) 26 ، وهي روابط قلبية تربوية وتنظيمية تأليفية وجهادية اقتحامية، تتأسس على الحب في الله والبغض فيه كما رأينا سابقا لأنه من معاني “ولِيَ” القرب المؤذن بالمحبة والصداقة إذا كنتُ أفي بالولاية لله فإنني أحب ما يحبه الله، وأحب من يحبهم الله، وفي البغض كذلك… 27

على أن كلمة وَلاء تستعمل على نطاق واسع وتجري على الألسنة والأقلام ولا يتبين مدلولها، يوظفها السياسيون والحكام توظيفا ملغوما،بل مغلوطا يراد منه أخذ الشرعية المزيفة،والتعمية على الناس لإقناعهم بوراثة الحكم وترسيخ شرعية البيعة، ويستعملها المشتغلون بالدعوة للتعبير عن الانضمام إلى الجماعة،وقد يختلط عندهم معنى الوَلاء بمعنى البيعة، وقد يتحول المعنى إلى تعصب لطائفة أو تنظيم مما يؤدي إلى إقصاء الآخر ونبذه، لكن الوَلاية والوَلاء والمُوالاة هي لله أولا وقبل كل شيء) 28 . حبا فيه وبغضا واعتزازا به وانتصارا له واستنصارا به واعتقادا في ألوهيته لا في غيره.

بهذه الموالاة القريبة الوثيقة لله ولرسوله وللمؤمنين، يكون المؤمنون حزبَ الله، يتحقق لهم التأييد والنصرة، ويفوزون بالجنة في الآخرة، ويحصل لهم الفلاح في الدنيا والآخرة. وهو توالٍ يغلب كل الميول النفسية ويقهرها ويطردها. لأنه في الله ولله وبالله…

من هنا نخلص إلى أن الوَلاية قرب بين المؤمنين وتناصر وأخوة ووحدة الأمر الجامع بينهم) 29 . والولاية إيمانية وجهادية. وهذان أصل يشترك فيه المؤمنون.

وهذا يقودنا إلى المفهوم الثاني، وهو مفهوم جماعة المسلمين، فما المقصود بجماعة المسلمين؟ وما علاقتها بالوَلاية؟ وبينها وبين القيادة؟

مفهوم جماعة المسلمين

يحمل الكتاب هذا الاسم “جماعة المسلمين”، ويرد في الكتاب فصل تحت هذا العنوان، وضمنه باب جاء على صيغة استفهام، من هم “جماعة المسلمين”؟ ولتعريف الجماعة يورد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله مذاهب الفقهاء في تعريف الجماعة الناجية من خلال كتاب الإمام الشاطبي “الاعتصام”، فمنهم من يرى أن الجماعة هي السواد الأعظم من أهل الإسلام 30 ، وقال آخرون هم جماعة أئمة العلماء والمجتهدين 31 ، وقال غيرهم هم جماعة الصحابة على الخصوص ومن خالفهم ضل، لأنهم أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده. ومنهم من قال الجماعة هي جماعة المسلمين لا تكون فيها غفلة عن كتاب الله ولا سنة ولا قياس وإنما تكون الغفلة في الفرقة كما عند الشافعي. واختار الطبري رحمه الله أنها: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير) 32 . 33 يكون موافقا للكتاب والسنة.

وخلاصة بحث الإمام الشاطبي اتفاق الجميع على أن الجماعة هم أهل العلم والاجتهاد سواء أضموا إليهم العوام أم لم يضموهم إليهم. ويرى الأستاذ رحمه الله بناء على ذلك أن مدلول الجماعة ومدلول العلماء ومدلول الاجتهاد ومدلول السنة اختلفت في أذهان الناس على مر العصور) 34 .

ويذهب الأستاذ رحمه الله مع الإمام الشاطبي إلى أن جماعة المسلمين هم العلماء المتصدرون لقيادة الأمة، وأن السواد الأعظم (الجماهير الشعبية بالمعنى الحديث) تبع لهم، لكنه يضيف أن وراء هذا المنطوق مفهوما يشمل السنة التي تنافي البدعة والضلالة منافاة شاملة في ميادين الحكم والاقتصاد والقسمة والعقيدة والتعبد، أي إن الجماعة يقودها علماء مجتهدون ومجاهدون جامعون مجندون مثل المهاجرين والأنصار 35 . والضميمة “جند الله” أيضا من الضميمات المتداولة بكثرة في المنهاج النبوي، هم جند لله مهمتهم بعد تربيتهم وتنظيمهم، وتأليفهم وتمكنهم من المجموع الطيب من الخصال العشر، أن يقتحموا صحبة الشعب كل العقبات ويسلكوا الطريق إلى تحرير الأمة من الظلم والجبر والعض… ففي المنهاج النبوي: جند الله هم الأمة في وسط الأمة المأمور في القرآن بتكوينها. وقد حدد الله عز وجل لها أهدافها حيث قال عز من قائل:)ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات 36 هم “جماعة المسلمين”. عليهم يدور واجب الأمر والنهي والجمع، جمع شمل الأمة، فقبل قيام الدولة الإسلامية وبعده، هم الورثة المسؤولون عن الرسالة النبوية وحفظها وتبليغها) 37 .

وبذلك يتحدد مفهوم جماعة المسلمين انطلاقا من الدور التي تقوم به من تأليف وتنظيم وجهاد لإحقاق الحق وإبطال الباطل،يقول في المنهاج النبوي: معنى هذا من حيث تأليف وتنظيم جماعة المسلمين، المخاطبة بالقرآن، المسؤولة عن إبطال الباطل وإحقاق الحق، عن تغيير المنكر وإحلال المعروف محله، أن المؤمنين الذين قطعوا حبال الجاهلية، وأبلوا البلاء الحسن في نصرة دين الله وإيواء القضية الإسلامية هم وحدهم دون غيرهم من أعراب المسلمين أهل الولاية والحل والعقد.) 38 ويعتبر أن الإسلام دين جماعة فقد دعا إلى الصلاة جماعة، وشرع الجمعة وصلاة العيدين والحج للاجتماع بين يدي الله عز وجل. 39

مما يدل على أن الجماعة في الإسلام هي مدار الأمر كله، لا بد من الحرص عليها، وعلى ائتلافها وتنظيمها ووحدتها وتربيتها يقوم بناء الدعوة والدولة.وقد يتهدد الأمة خطر كبير يجعل الفرصة سانحة لكل صائد يرتاع في المياه الكدرة، إذا أغفلنا تحديد مفهوم الجماعة والبدعة والسنة والاجتهاد ودون أن نربط بينها وبين تدهور المسلمين ووجوب النهوض بهم، ولا بفساد الحكم وكفر الدعاة على أبواب جهنم، ولا بالتحديات القاصمة التي تهدد بقاء الأمة 40 .

ويستدعي تعريف جماعة المسلمين المركبَ الاسمي “الجماعة القطرية” باعتبارها وسيلة مرحلية بالنسبة لكل قطر يراد توحيده،وليس حلا دائما لها نظمها وأنظمتها وإمارتها الواحدة أوالمتعددة ودولتها القطرية الإسلامية وتسمى أيضا الرابطة القطرية 41 ، ودورهما أن تكونا سندا للدولة القطرية تأسيسا وتوجيها وتزويدا بالرجال في الصف وتحكما في أجهزتها خدمة للأهداف الإسلامية القطرية ثم الوحدوية فيما بعد.

إن مهمة الجماعة الجهاد ومصارعة الأعداء والخصوم والأحداث قبل القومة وبعدها بعد توليها الحكم أن تجند الشعب بكل فئاته وأصنافه فيقع الانتماء إليها من خلال ما أسماه الأستاذ رحمه الله الاتحادات 42 .

وللجماعة الطليعة بصيغتيها الواحدة أو المتعددة داخل رابطة أو اتحادية مرحلتان: الأولى مرحلة التأسيس تبرز خلالها أشخاصا لهم خصال الشجاعة والدراية بالشرع والغيرة على الأمة ما يجعلهم مؤهلين لقيادتها، والثانية مرحلة بلوغ النضج والرشد واستقلال الجماعة بذاتها،يلزمها اختيار القيادة من بين الأقران اعتمادا على مبدأ الشورى.وعليه فإن الجماعة تحتاج إلى قيادة تسير بها لتجاوز كل العقبات والوصول بها إلى الغاية المنشودة في إطار توحيد القطر، وفي أفق توحيد كل الأقطار استشرافا لغد الخلافة الموعودة بإذن الله، فما هو مفهوم القيادة؟ وما هي ضوابطها وأصولها؟

مفهوم القيادة:

لابد لأية جماعة أمرها مبني على الولاية لله من اختيار قيادة ترشدها في سيرها إلى الله تعالى وتقودها على أقوم السبل إلى رفع التحديات وتجاوز العقبات تأسيسا للدولة القطرية الإسلامية أو رابطتها، وتطلعا للخلافة الثانية يكون فيها توحيد الأقطار مطلبا شريفا،ومن سمات القيادة أن تكون قوية ورصينة ورفيقة ومربية وحاضنة ومتواضعة وصاحبة عزم وقرار ولها بطانة تأمرها بالمعروف.

يقدم الأستاذ رحمه الله من خلال استقرائه للتاريخ الإنساني والتجارب البشرية،ثلاثة نماذج للقيادة، هي القيادة المستبدة الفردية، ويدخل فيها ملكنا العاض والجبري.وقيادة جماعية لكنها قد تنكشف عن المنقذ، وقد تستمر في الفوضى، ثم تعود للبحث عن “القائد الملهم”، وقيادة شخصية منتخبة مسؤولة أمام الشعب وممثليه.

ويركز على النوع الثالث ويعتبر هذه القيادة حكمة انتهت إليها الشعوب،ومنها كان ابتدأ تاريخ الخلافة الراشدة وإليه يعود إن شاء الله 43 . ولبيان أهمية القيادة ومركزيتها في الجماعة، يختار قول علي كرم الله وجهه في وصفه لمقام الإمامة في الإسلام: ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز (أي كمثل الخيط الذي تنظم فيه حبات العقد)، يجمعه ويضمه. فإذا انقطع النظام تفرق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب) 44 … ويعلق على هذا الكلام بقوله: نجد في كلامه العلويّ وصفا لمهمات الإمام المركزية الرئيسية) 45 وترتبط القيادة العليا التي هي بمثابة الرأس المفكر والقلب المحرك بباقي هيكل الجماعة (السواد الأعظم، ورجال التنظيم، والأجهزة القيادية) ارتباطا عضويا متماسكا. وذلك لنقل الأمة من ماضي الانحطاط إلى مستقبل العزة والكرامة،ولا يتأتى ذلك إلا بوجود قيادة قوية تسن حديد الأمة الكليل حتى يصبح بتارا يمحو أسباب الجاهلية ومخلفاته محوا 46 … وإلى جانب قوة القيادة وأمام اضطراب الأحداث وتموجها لابد أن تكون القيادة رصينة لأن قوة القيادة ورصانتها واستمساكها مع القاعدة استمساكا وثيقا ينبني على الوَلاية الإيمانية،لا على الوعود البراقة والخطب الرنانة، تضمن وحدها العصمة من اللف والدوران والاستحارة) 47 . كما يورد قول الإمام حسن البنا رحمه الله، في جعله للقيادة حقوقا موافقة لزاوية النظر، وقال (أي الإمام حسن البنا): “للقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة”) 48 . وفي وصفه للمجاهد ابن عبد الكريم الخطابي يقول: فقد كان القائد الفذّ معلما واعظا متواضعا يجالس المسلمين في حلقة تذكير مسجدية) 49 . فيضيف هنا إلى القائد صفة التعليم والوعظ مع التواضع والمجالسة. كما ربط بين القائد والتربية في قوله: وقال الحبيب المصطفى القائد المربي صلى الله عليه وسلم مرجعه من إحدى الغزوات ليؤكد أن السيرة مستمرة:)“رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”رواه 50 .) 51 في التأكيد على أن الجهاد لا ينقطع أبدا.وأن أعظمه هو جهاد بناء النفوس والقلوب والأمم، يرعاه ويباشره ويسهر عليه القائد بنفسه.

وتحتاج القيادة إلى من يكون لها سندا فلا تفلح القيادة إن لم تكن الجماعة متآلفة، وولاؤها لله قبل كل شيء، متعاونة ومؤيدة للقيادة إذ: لا شك أن تأثير القيادة القوية كبـير على سير الجماعة. لكن إذا كانت الجماعة منحلة والعصبـية غالبة فما جدوى رجل أوحفنة رجال؟ مع عمر، ومن ورائه مؤيدين متعاونين، كان رجال ونساء لا تغرهم المظاهر، ولا تأخذهم شخصية رجل فذ. بل كانوا يقيسون شؤون الدنيا بمعايـير الإيمان. فكان عمر في عينهم، قبل كل شيء، هو الرجل الذي “مشى ضحضاحها وخرج منها سليما ما ابتلت قدماه”. كان شأنُ الآخرة عندهم هو الشأن. أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون) 52 .

ومما يميز القيادة تحكمها في الشهوة والكبرياء وهما الداءان الفتاكان يعصفان بالقائد ويرديانه المهالك، عندما تصبح الدنيا هي هم الملوك والآخرة عندهم منسية. وقد: كان هم الآخرة وخوفُ الله يملأ جوانح الخلفاء الراشدين، وكانوا يدركون أن الملكَ فسادٌ، فيخافون أن يقترفوا ما يقترفه الملوك. كانوا يعلمون أن خلافتهم للنبوة تقتضي منهم إصلاح الدين، فلا يكون إصلاح الدنيا بالتعفف عن مال المسلمين إلا وسيلة لتلك الغاية. جعلوا الدنيا تحت أقدامهم، فملكوا الشهوة والكبرياء، وهما الداءان الفاتكان، يخربان المجتمع إن أُطْلِقَ لهما العِنان. ولا شك أن رأس السلطان إمّا أن يزمهما فتصلح الأمة، أو يرديانه فيفشو الفساد في من حوله، الأقربَ فالأقْرب) 53 .

وتتميز القيادة البانية والموجهة والمجاهدة بالربانية، صفة تتلقاها عبر مسار مليء بالتربية على الصدق والبذل والعلم والعمل والجهاد… لتحمل الأمة على الكريهة أثناء القومة وبعدها من صبر وتحمل للجوع والقلة والمزيد من البذل والتضحية والتربية على الإيثار، لأن الشرع أعطى القائد على قمة التجريدة الطليعية الطاعة في المنشط والمكره) 54 ، فهي قيادة قوية تضمن التقدم على منهاج العقبة الشاقة، قيادة تحمل على الجادة)حسب تعبير عمر رضي الله عنه. 55 ولذلك لا تتبع الناس فيما يهوون ولا تترك ما يكرهون إحسانا إليهم وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بقوله تعالى: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن 56 قال: وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة 57 ومن تم ينبغي للقيادة أن تكون صادقة مع الناس وألا تسقط في مهواة تملق الجماهير وتزييف الأرقام، وتعمية الأخبار، وإلا فقدت مؤهلات القيادة، وانجرفت مع السهولة، وسقطت عن مرتبة الشهداء بالقسط) 58 .

وعلى ضوء ما سبق يتبين لنا أن بين هذه المفاهيم علاقة جامعة كونها تؤسس للدولة القطرية بعنصرها البشري المتمثل في جماعة المسلمين، بشقيها الخاص والعام وبالرابطة القلبية الإيمانية والجهادية المتمثلة في الولاية لله، ولاية بين المؤمنين عامة وبين التجريدة الطليعية منهم ولاية خاصة تقوم على المحبة والشورى والطاعة وعلى الهجرة والنصرة، وبوجود قيادة ربانية مؤلفة قوية رصينة متواضعة ومؤيدة بسند يقويها ويشد عضدها، ولها القدرة على اتخاذ القرار المناسب بعد الشورى المنصوص عليها شرعا.


[1] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، دار لبنان للطباعة والنشر،الطبعة الأولى، 1432-2011، ص:51.\
[2] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 44.\
[3] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 49.\
[4] ياسين عبد السلام،جماعة المسلمين، ص:47.\
[5] سورة الأنفال: 73-76.\
[6] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الثانية، 1410-1989، ص: 55.\
[7] سورة الأنفال: 73.\
[8] سورة التوبة: 71.\
[9] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 55.\
[10] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 55-56. وجماعة المسلمين ورابطتها، ص: 50.\
[11] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 50.\
[12] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 50.\
[13] ياسين عبد السلام،المنهاج النبوي، ص: 56.\
[14] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 56.\
[15] سورة الحجرات: 10.\
[16] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 83.\
[17] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 82.\
[18] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 80.\
[19] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 80.\
[20] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 80.\
[21] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 81.\
[22] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 91.\
[23] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 56.\
[24] سورة آل عمران: 68.\
[25] سورة المائدة: 57-58.\
[26] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 51- 52.\
[27] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 53.\
[28] ياسين عبد السلام، جماعة الملمين، ص: 51.\
[29] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 56.\
[30] وهذا قول ابن مسعود وابن سيرين.\
[31] وهذا ما ذهب إليه ابن المبارك وابن راهويه والبخاري.\
[32] نقله ابن حجر في فتح الباري، 13/37.\
[33] الشاطبي، الاعتصام، دار المعرفة، بيروت، د. ت، (2/ 265،260) بتصرف.\
[34] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 76.\
[35] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 78.\
[36] سورة آل عمران: 104-105.\
[37] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 451.\
[38] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 56.\
[39] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 88-89.\
[40] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 79.\
[41] نميز بين الجماعة القطرية إذا كان التنظيم القطري واحدا، وبين الرابطة القطرية إذا كان التنظيمات في القطر متعددة، وهناك الدولة القطرية الإسلامية.\
[42] كلمتا الاتحادية أوالرابطة مرتبطتان أساسا بتعدد الجماعات داخل القطر الواحد.\
[43] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 98.\
[44] علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، ج 2، ص: 29.\
[45] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 98-99.\
[46] ياسين عبد السلام،جماعة المسلمين، ص: 96.\
[47] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 100.\
[48] ياسين عبد السلام، الإحسان، ج 1، 245.\
[49] ياسين عبد السلام، حوار الماضي والمستقبل، ص: 50.\
[50] البيهقي.\
[51] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص:374.\
[52] ياسين عبد السلام، الخلافة والملك، ص: 20-21.\
[53] ياسين عبد السلام، الخلافة والملك، ص: 12.\
[54] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 106.\
[55] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 106.\
[56] سورة المؤمنون: 72.\
[57] ابن تيمية، الفتاوي، ج 28، ص: 364.\
[58] ياسين عبد السلام، جماعة المسلمين، ص: 108.\