مقدمة

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى الآل والصحب أولي الصدق والوفاء، وعلى التابعين وعلينا معهم بالمكيال الأوفى.

نشكو إلى الله جل وعلا هواننا على الناس كما اشتكى صفيه من خلقه حبيبه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نبالي إن لم يكن بالله علينا من غضب، غير أن سنة التدافع لرد الغي والبغي تتطلب منا بذل الجهد واتخاذ السبب.

ألا وإن أشد الإهانة التي تتعرض لها أمتنا المباركة في هذه الأيام وتصطلي بنارها قلوب المؤمنين المحبين، هو المساس بأعز وأقدس مقدساتها سيد الوجود إمام المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وإن كانت هذه الإساءة موجهة في الحقيقة للمسلمين، أما رسول الله فهو أعلى وأعز مما يصفون.

وما كان للصليبيين ولا غيرهم من أعداء الإسلام أن ُيقْدِموا على مثل هذا الفعل الشنيع في زمان عزة المسلمين، لكن الخصوم في هذا العصر، وهم في أوج قوتهم المادية وقمة رفاهيتهم وغرورهم قد تجرؤوا مرارا بمنتهى الوقاحة على أمة المليار ونيف، لا يرقبون فيها إلاًّ ولا ذمة، ولم يراعوا لها حرمة ولا كرامة بدعوى احترام حرية التعبير، الركن الركين لقيم الديمقراطية “المقدسة”، متجاهلين أهم بنودها ومتناسين لأرقى مبادئها، الذي بمقتضاه لا يعدو مدى حرية الأفراد والجماعات حِمَى حرمة الآخرين، بمعنى أنك حر في تصرفاتك ما لم تتجاوز حدود حرمة غيرك!

ولئن جرى قدر الله تعالى على هذه الأمة، فعانت من الضَّعف حينا من الدهر وأرْدَاها الوهن بما كسبت أيدي الناس من جراء حب الدنيا وكراهية الموت، فإن بذور المحبة لنبيها والتشبت بدينها ظلت بحمد الله حية متوقدة في القلوب على مر القرون، تغذيها بعثة الوارثين المجددين على رأس كل مئة سنة، ولا تزيدها المحن والبلايا إلا قوة واعتزازا بإيمانها وإنابة إلى الحق، ولوأن أمة من الأمم تعرضت لمعشار ما مس المسلمين من القهر والأذى بمختلف ألوانه لأصبح خبرها أثرا بعد عين، لكن هذه أمة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وحزبه وسلم، وما أدراك ما محمد وما قدر محمد عند الله!

لا يضرُّ النبيَّ قولُ الجاهلين

ماذا ينال الجاهلون والجاحدون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو حبيب الله وسيد خلقه، وقد حَلاَّهُ بأجلِّ وصف حين قال مخاطبا إياه في محكم تنزيله: وإنك لعلى خلق عظيم، لقد نعته أعداؤه منذ بعثته الشريفة بالكاهن والساحر والمجنون فلم يتمكنوا من النيل من جاهه ومكانته، وكفاه الحق عز وجل وواساه في قوله: إنا كفيناك المستهزئين، بل ما زاده مكرهم إلا عزا وفخارا، وما زاد ذلك دعوته إلا تمكينا وثباتا، فإذا كان الله تعالى يقول في شأن أوليائه في الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب…” فكيف بمن عادى وآذى سيد الأولياء وإمام الأنبياء عليهم السلام؟

ألف أحد المفكرين المعاصرين كتابا يتناول فيه العُظماء المائة الأوائل حسب تقديره، الذين عرفتهم البشرية خلال تاريخها الطويل، وتركوا بصمات ناصعة مستعصية على الزوال والنسيان، فجعل على رأسهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، شهد إذن شاهد من خارج الأمة وهو لا يُرْجع عظمة محمد لنبوته، لكنه أرجعها إلى درجة عالية من العبقرية البشرية فاق بها نظراءه الآخرين، ما جعل المؤلفُ سيدَنا محمدا على رأس اللائحة محبةً وتوقيراً، لكن عن دراسة دقيقة ودراية عميقة بسِيَر أكابر المؤثرين في التاريخ، فما زادي وزادك يا أُخَيَّ من المعرفة بسيرة هذا النبي الأعظم ثم من محبته واتباعه ونصرته؟

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

معظم المسلمين، حتى من ذوي الضَّعْفِ في الدين، على ما هم عليه من التهاون في أداء الصلاة مثلا أو الابتلاء ببعض المعاصي والمخالفات، تجدهم يغضبون أشد الغضب عندما يَنْتَقِصُ أحدٌ من الشخص الكريم لرسول الله، بل على استعداد لفدائه صلى الله عليه وآله وسلم بأنفسهم وكل ما أوتوا من شدة المحبة والتعظيم والتوقير لجنابه الشريف، حب النبي طاقة لا تقاوم ولكن الجُهَّال لا يفقهون.

وقد وقف العالم مندهشا من غضبة الجماهير الإسلامية وهيبة المظاهرات المليونية التي اجتاحت العديد من العواصم في العالم الإسلامي وغيره من بقاع المعمور، عندما تم نشر فيلم “براءة المسلمين” المسيء للنبي الأعظم سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه- كما هو الشأن في كل مرة يسيء فيها الأعداء والسفهاء لخير الأنام- حتى كأني بناشريه والداعين لذلك ندموا على فعلتهم تلك، لما تسببت من تجديد المحبة والولاء في قلوب المسلمين لسيد المرسلين وتنمية الشعور بالوحدة والتعاطف بينهم على اختلاف مللهم ومذاهبهم، وذاك أخوف ما يخافه خصوم الإسلام ويتوجسون خيفة من حصوله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفضول الذي تثيره هذه القضية لدى العديد من الباحثين عن سر دين الإسلام ونبي الإسلام، كثيرا ما ينتهي بهم إلى الاهتداء إلى الحق، فجُلُّ معتنقي الإسلام في الغرب من الباحثين والمثقفين، مما يفتح آفاقا واسعة وفرصا مباركة لانتشار دين الله، وما كان قصد المغرضين في الأصل وشغلهم الشاغل إلا تزييف حقائق هذا الدين وصد الناس عنه عبر هذه الأعمال المسيئة الخسيسة، ساء ما يمكرون، فينقلب السحر على الساحر من حيث لا يشعرون.

دأب الصالحون على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فانتشر دين الله الحق في العالمين بهذه الأخلاق والمعاملات النبيلة والقدوة الحسنة، لما كانت للمسلمين مكانة رفيعة بين الأمم، وسبحان الله كيف ينتشر الإسلام اليوم وأهله غثاء كغثاء السيل، وينتصر في عقر دار أعدائه في الوقت الذي يجهدون أنفسهم في محاربته ونعْتِ نبيه بأقدح الأوصاف وأقبح النعوت، بهدف تنفير الخلائق منه قبل أن يبحثوا، ولتفادي وصول العباد إلى عين الحقيقة! ينفقون جهودا مضنية وأموالا طائلة ليصدوا عن سبيل الله، لا جرم يحق عليهم قول الحق جل وعلا في سورة الأنفال: فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.

عذرا يا رسول الله!

لا شك أن أننا مقصرون في ديننا وفي حق رسول الله، ومِنْ ثغرة تقصيرنا يتلصص العدو ويتسلل فيَصِمُنا بما يحلو له من النقائص، ويُرجع الأسباب إلى ديننا ويتجرأ على نبينا بما لا يليق بمقامه الشريف عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، إذ لم نقدم للعالم في زماننا هذا الصورة الطيبة والوجه المشرق للإسلام في سلوكنا ومعاملاتنا سواء فيما بيننا أو مع غيرنا، ولم نفلح في كثير من المواقف في إبراز وتَمَثُّلِ الرحمة التي لأجلها أرسل الحبيب المصطفى، ولم نطبق فكرة الإسلام الحق وبيانه في الشورى والاقتصاد وإتقان الصَّنْعة، ولم يُرَ منا النموذج الناجح في الإدارة والاجتماع، ولا في صيانة كرامة المواطن ومعارضة الحاكم المستبد الذي انتخب نفسه سلطانا أبديا، وألْبَسَتْهُ بطانة السوء هالةً من التقديس، لا يمكن أن يُسْألَ عما يفعل، يهابه الناسُ وله يتزلفون، ألا نستحق التحقير من طرف الأمم الديمقراطية التي تنتخب قادتها وتحاسبهم على كل شيء، وتتفرج على مشاهدنا الكاريكاتورية هذه؟ كيف لا يسخر منا من يكرسون ثروات بلدانهم للتعليم والتنمية والتسابق لغزو الفضاء، بينما تذهب ثروات بلداننا هدرا في ترف القصور واستقطاب كل مُغَنٍّ ساقطٍ وراقصة فاجرة وكل عتل زنيم، يتم استقدامهم من مختلف أرجاء المعمور ومن بين ظهرانينا لِتُنْثرَ عليهم أموالُ الأمة بسخاء في مهرجانات العَهْر والمجون، بينما يوجد في أهل البلد من لا يجد قوت اليوم لعياله، وفيه حاصل على شهادة دكتوراه، ما أن يحمل لافتة مطالبا بحقه في الشغل، حتى تهاجمه كلاب الحاكم لتلقنه درسا من الإذلال، ويُضرب ضربا مبرحا من طرف من لا يعرف كيف يشد القلم بين أنامله! جزاء جرأته ورفع صوته، ومنا من يفتخر ببناء أكبر مائدة طعام “كسكوس” في العالم، ومنا من يتباهى بوجود أعلى برج في العالم على أرضه، بالرغم من كون الأجانب هم الذين أشرفوا على بنائه، في الوقت الذي ينجز فيه غيرنا أكبر مشروع لتوليد الطاقة وأفضل تلسكوب فلكي، وأعظم مختبر للتجارب العلمية، وما إلى ذلك! كل هذا ونحن أمة القرآن، والقرآن يدعونا إلى الشورى وحسن الخلق كما يدعونا للعلم والتفكر وكذلك لإعداد القوة وصيانة عزة المؤمنين، ما المانع من أن يستهزئ الغرب التكنولوجي بأمة متخلفة تفصلها عنه مسافة بعيدة جدا في جل ميادين المنافسة، تلك دركات أوصلتنا إليها قرون العض والجبر، وكلٌّ يتحمل من وزرها بقدر تقصيره في جهاد إحقاق الحق وإزهاق الباطل، والتفريط في العمل بمقتضى دعوة ربنا عز وجل وهو يخاطب محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ويهيب بأتباعه ويحثهم على القراءة والتعلم في سورة اقرأ قائلا سبحانه: اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.

إن الحالة الراهنة للأمة لا تترك لدى الغير عموما إلا انطباعا سلبيا عن ديننا ونبينا، خاصة إذا كان من الجهل بحيث لا يفرق بين حقيقة الإسلام وحالة الخاملين الراضين بكل دنية، وهم منتسبون إليه، فينفر من هذه الأمة ويتخذها هزؤا، أما الجاحد الحاقد فإنه يضع أصبعيه في أذنيه تحاشيا لسماع الحق ويستغشي ثوبه استعلاءً على المسلمين مع يقينه بحقيقة الإسلام، لأن من طبيعة الإنسان رفض لبوس المهزوم والاشمئزاز من أوضاعه، بينما تنبهر نفسه بالنموذج المنتصر القوي وتتشوف إليه، ينتحل “نحلة الغالب” كما سماها بن خلدون رحمه الله.

المستقبل للإسلام

إن ما تشهده الأمة مؤخرا من نهضة مباركة هو مقدمة لتغيير حالتها السيئة التي سبقت الإشارة إليها بحول الله وكرمه، فقد فرضت شجاعة شباب الإسلام وتضحياته الجسام بالمال والمهج على العالم التقدير والاحترام، لقد نفد صبر الأمة على قرون النكد والاستبلاد، وبعد ذلك على عقود تجارب التقليد الأعمى الذي سلكته الأنظمة الوارثة للاستعمار، وآن أوان الإذعان لمطالب الجماهيرية المليونية الرافعة لواء لا إله إلا الله محمد رسول الله، وشعار ما لنا غيرك يا الله)، لقد أتى أمر الله الذي لا راد له بطلوع شمس العزة والكرامة على العباد والبلاد، وأفول عصور الاستبداد والاستعباد، من شأن هذا تغيير نظرة العالم إلى الإسلام ونبيه وأهله، والمستقبل للإسلام إن شاء الله والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون صدق الله العظيم.