كتب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974. فترة عاش فيها المغرب ظرفية سياسية خاصة، تميزت ب:

وضعية أمنية هشة: القصر كان حديث عهد بالخروج من أزمة ثقة بينه وبين الجيش، تجلت في محاولتين فاشلتين للانقلاب على الملك: انقلاب 1971، وانقلاب 1972، كان هدف محمد أوفقير 1

تأسيس “حكومة وصاية”، بالتمهيد بتحسين أوضاع القوات المسلحة حتى يضمن ولاء الضباط له هو وليس للملك.

نشاط “اليسار السبعيني” المتمثل أساسا في منظمة إلى الأمام وحركة 23 مارس، اللتين كانتا تتكونان من نخب ثقافية ثورية سوادها الأعظم شباب متشبع بالفكر الماركسي- اللينيني، في حين لم تظهر بعد الحركات الإسلامية في الساحة المغربية كقوة سياسية لها تأثيرها في المجتمع: سياسيا ونقابيا واجتماعيا…

رد فعل القصر كان صارما وصريحا، تجلى في ثلاث مستويات:

المستوى الأول: اجتثاث “النشاط الثوري العسكري”، وذلك بالرفض اللامشروط لعقلية المؤامرة، حيث وصف الحسن الثاني الانقلاب ب”المؤامرة ” وبأنه حادث عرضي. كما اعترف الملك علنا بأن ما وقع في المغرب يعبر عن فشل أساسي في الحياة السياسية والاجتماعية، وجب تصحيح مسارها.

المستوى الثاني: تقويض “النشاط الثوري المدني” الذي كان ينادي لدمقرطة الحياة السياسية بما يضمن حرية المواطنين وضمان حقوقهم في العيش في ظل نظام ديمقراطي.

المستوى الثالث: رسم إستراتيجية جديدة للوحدة الوطنية في خطين:

الخط الأول: تنظيف للبيت العسكري، وذلك بالإشراف المباشر عليه، كما نص على ذلك دستور مارس 1972.الخط الثاني: إدماج المعارضة في اللعبة السياسية، بعد قبول قواعدها المسطرة: الاعتراف بالقواعد الشكلية، كقدسية الملكية والإسلام، والقواعد غير المكتوبة كالإجماع حول الثوابت وتحديد الاختيارات الوطنية، من خلال تأكيد الهوية الوطنية والقومية، قضية الصحراء).

خطان متوازيان رسما ملامح نظام حكم بالمغرب يتدخل فيهما الإيديولوجي عبر ما اصطلح عليه ب”الإجماع الوطني” والاقتصادي عبر “المغربة” والانكباب على تصريفه سياسيا عبر ما سمي “بالمسلسل الديمقراطي”.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (1)

كل من خرج عن هذا المسار ووجه بالاعتقال التعسفي والاختطاف والتعذيب والتنكيل والاختفاء القسري…

فترة “الانتهاكات الجسيمة والتجاوزات الكبرى” التي كان المغرب مسرحا لها، وكما ذكرته تقارير المنظمات الحقوقية وأرخت له أدبيات من ذاق مرارة سنوات الرصاص في المغرب.

فترة عصيبة كما يسميها عبد القادر الشاوي في كتابه: “كان وأخواتها” تميزت بالرعب والخوف وتساقط بعض النخب في حضن المخزن بسبب قبضته القوية…

فترة ظهر فيها الأستاذ عبد السلام ياسين برسالة نصيحة إلى ملك المغرب.

كل التقارير البوليسية تؤكد أن اسم الرجل غير مدون لا في خانة “النشطاء الثوريين العسكريين المتمردين” ولا في خانة “النشطاء الثوريين الماركسيين”، إنما هو رجل مثقف من أسرة التعليم، تصوف وارتمى في حضن شيخ…

اعتقل الأستاذ عبد السلام ياسين بسبب هذه الرسالة القوية والتي كانت صوتا وحيدا مدويا سمعت نبرته لصمت النخب والعلماء والسياسيين، وكأن الإمام ياسين “لغا يوم خطبة الجمعة”!!

اعتقال بطريقة ذكية: صبيحة فاتح رمضان 1394 وقفت سيارة إسعاف أمام بيت الأستاذ ياسين رحمه الله رفقة سيارة مدنية بها أربعة أشخاص، دخلوا البيت واصطحبوا ممرضتين من أجل إيهام الجيران والناس أجمعين بأن الأمر يتعلق بنقل “رجل مريض” إلى المستشفى!!

اعتمد مخزننا المسكين أسلوب الإشاعة مفادها أن ياسين: “أحمق يسب الملك”، وسخر لذلك أيضا بعض السذج من أبناء الزاوية البودشيشية الذين كانوا منزعجين من الإمام وجرأته وقربه ومكانته المميزة من الحاج العباس رحمه الله… قالوا عن الرجل، بعد الإيداع في مستشفى الأمراض الصدرية ثم مستشفى الأمراض العقلية، لمدة ثلاث سنوات ونصف، أن الرجل مصاب بالهوس والخراف، وأنه “مسخوط سيدنا”…

أسلوب خاص خص به الإمام الذي وجه نصيحة فصيحة لأعلى دوائر البلاد، وذلك بإصدار أحكام وهمية بالوكالة وذلك لتضليل الناس، بدل الاجتثاث أو التقويض -الأساليب التي رصدت لمتمردي الجيش الانقلابي ولمناضلي اليسار السبعيني-.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (6)

[1] الجنرال محمد أوفقير من مواليد 1920، كان وزير الدفاع والداخلية، ويعتبر اليد اليمنى للملك محمد الخامس ثم الحسن الثاني..\