لم يكن ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حدثا عاديا، كما يظن المهووسون والمتنطعون… ضيّقو الفهم والأفق، الذين لا يقرأون ولا يفقهون “التاريخ” والواقع…

هذا الحدث العظيم اكتسى ما له من الأهمية، بارتباطه بشخص الرسول الخاتم سيدنا محمد، المبعوث للعالم لإنقاذ البشرية جمعاء، ورسالته الشاملة الكاملة الخاتمة التي أتم الله بها لبنات الإسلام: “مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين” 1 . فهلا شكرنا هذه النعمة؟

دعوة وبشارة

إن أعظم نعمة أنعم الله بها على أهل الأرض بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، بعثه الله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وأوجب على أهل الأرض طاعته، فكان صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه ابراهيم حين قال: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم. وكان بشرى أخيه عيسى عليه السلام حين قال: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. فكان إجابة لدعوة الخليل إبراهيم ومصداقا لبشارة أخيه عيسى عليه السلام فقد جعله الله نورا وسراجا منيرا أنار الله به الأرض بعد ظلمتها وهدى به البشرية بعد حيرتها، فكان النعمة العظمى والمنحة الكبرى التي تفضل الله بها على أهل الأرض.

لقد ولد النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفيل وبعثه برسالته، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أنزل الله عليه قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.

شكر النعمة

إن واجبنا تجاه هذه النعمة أن نشكر الله تعالى عليها ليس باللسان فقط بل بالتمسك بها والجهاد في سبيلها والمحافظة عليها، وذلك بإتباع رسول الله الكريم والاقتداء به وفعل ما أمر به وتقديم أوامره على كل أمر من أمورنا وأن نترك ما نهانا عنه امتثالا لأمره، وأن نحبه أكثر من نفوسنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا لأن كل الخير في طاعته وفي إتباع أمره؛ قال الله تعالى: ومن يطع الرسول فقد أطاع الله. فكل عمل من أعمال العباد يجب أن يكون موافقا لما شرعه الله وبلغنا به رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”.

ففي شهر ربيع الأول ولد أفضل خلق الله في هذا الوجود، ولد الرسول العالمي والنبي الأمي العربي محمد بن عبد الله ليكون خاتم النبيين وإماما للمتقين والرحمة المهداة للعالمين والحجة على الخلائق أجمعين، فشرفت به الأرض واستبشر به من وفقه الله للهداية. اصطفاه الله ورباه ليكون قدوة لهذه الأمة وبشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجعلها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، حتى قال: “كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى”، فقالوا يا رسول الله ، ومن يأبى؟ قال: “من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى”. رواه البخاري.

لقد أوذي وعودي وضرب وجرح وهو يدعو الناس إلى الله، وقال عنه الظالمون: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، وما زال يتنزل عليه القرآن آية بعد آية وهو يرشد الأمة إلى أشرف مقصد وأسمى غاية فظهر الحق وزهق الباطل. وما إن استجاب العرب إلى رسولهم حتى انتقلوا من حال إلى حال خير منه ومآل خير من مآلهم فتحولوا من ضعف إلى قوة ومن جهلاء إلى علماء ومن رعاة للغنم إلى قادة للأمم. فلقد ألف بينهم هذا الرسول الكريم بعد أن كانوا أحزابا متناحرة وقبائل متعادية يأكل القوي منهم الضعيف فجمع كلمتهم تحت راية الإسلام ونزع من قلوبهم الضغائن والأحقاد فأصبحوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فتوسعت الدولة الإسلامية الكبرى التي عم عدلها ونورها نصف الكرة الأرضية كلها. فهل يحتاج المسلمون اليوم إلى إحياء ذكرى ميلاد نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم أسوة بما يحتفل بالعظماء والزعماء على مر التاريخ؟

الاختيار والاصطفاء

إن شأن رسول الله عند الله لعظيم وإن قدره لكريم، فلقد اختاره الله واصطفاه على جميع الأنبياء والمرسلين وشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وأعلى له قدره، لهذا تكفل الله بإحياء اسم خليله محمد على ألسنة أتباعه من المسلمين حتى إن المسلم ليردد اسم نبيه محمد في اليوم والليلة أكثر من مائة وأربع وسبعين مرة، لقد كانت بعثته صلى الله عليه وسلم من أحداث التاريخ وكان مولده تمهيدا لهذه البعثة التي اخرج الله بها الناس من الظلمات إلى النور وعلى الأمة واجب عظيم نحو هذا النبي الكريم يتمثل في تعظيمه وتوقيره وحبه وطاعته وإتباع هديه، فقد أرسله الله ليطاع: فقال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. وجعل الهداية في طاعته فقال: وإن تطيعوه تهتدوا وجعل الفتنة والعذاب في مخالفة أمره فقال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم.

الاتباع والاقتداء

دعا الله عز وجل عباده المؤمنين إلى الصلاة على نبيه محمد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم هي في بعضها واجبة وفي بعضها الآخر مستحبة. فالمسلم يذكر اسم نبيه محمد ثمانا وثلاثين مرة في الصلوات الخمس وذلك في التشهد الأول والثاني من كل صلاة، وخمس عشرة مرة في الأذان والإقامة، وعشر مرات في الدعاء عقب الأذان، وعشر مرات في دعاء الدخول إلى المسجد والخروج منه، وخمس مرات عقب الوضوء، وثمانا وأربعين مرة في السنن الرواتب، واثنتي عشرة مرة في الشفع والوتر، وستا وثلاثين مرة ضمن أوراد الصباح والمساء، فهذه بعض المواطن التي يشرع فيها ذكر نبينا محمد والصلاة عليه كل يوم، والتي يبلغ مجموعها مائة وأربع وسبعين مرة.

ولو اعتبرنا أن عدد المسلمين ليس مليارا ونصف وإنما مليارا واحدا فقط، فمعنى ذلك أن اسم محمد يذكر ويردد في اليوم الواحد أكثر من مائة وسبعين مليار مرة. وهذا بغض النظر عن يوم الجمعة الذي أمرنا فيه بالإكثار من الصلاة عليه. فهل تجدون ملكا أو رئيس دولة في العالم من يذكر اسمه بهذا العدد؟ ليس في اليوم الواحد، بل في العام الواحد؟ بل في عمر الزمان كله؟ هكذا رفع الله ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصدق الله حين قال: ورفعنا لك ذكرك، وما ذلك إلا ليجعله إسوة لنا في كافة شؤون حياتنا، قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا، من أحب النبي محمدا، وجب عليه أن يعمل بسنته المطهرة وأن يدعو الناس إليها كي يزداد ذكر اسم النبي محمد.

إن واجب المسلمين اليوم، بمناسبة ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، أن يجددوا تأملهم في شخصية رسولهم وقدوتهم ويدرسوا سيرته ويربوا عليها أبناءهم ويتدبروا كلام ربهم الذي أنزل عليه القرآن، وأن يتبعوا الطريقة التي بنى بها الأمة المسلمة، وأن يروا كيف ربى عليه الصلاة والسلام جماعة عاشت دهرا طويلا في أعماق الصحراء منبوذة بين الأمم، فإذا هي بالإسلام أرقى أمم الدنيا تقارع إمبراطوريتي الروم وفارس، وما ذلك إلا أن سلف هذه الأمة جعل النبي قدوته في كل شيء، ونبراسا له في كل طريق، فنصرهم الله على شياطينهم وعلى أنفسهم وأهوائهم، فانتصروا بعد ذلك على أعدائهم.

خاتمة

إن سر انتصار المؤمنين الأولين هو امتثالهم لأوامر الله جل وعلا وأوامر رسوله قولا وعملا. هذا هو الحب الحقيقي الذي يطلبه الله منا، لا أن يكرم بالمدح والثناء فقط، والقلوب فارغة من حبه والجوارح بعيدة عن ابتاعه، والألسن بعيدة عن ذكر أحاديثه وشمائله.

يقول القاضي عياض رحمه الله: فالصادق في حب النبي من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها الإقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه). وشاهد ذلك قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم.

وختاما فليبرهن كل واحد منا على حبه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به والتخلق بأخلاقه، والعمل بسنته، ليكون لنا مثل ما كان لمن سبقونا بالإيمان. فمن أطاع رسول الله دخل الجنة ومن عصاه فقد أبى، ومن أبى دخل النار.

فاللهم إنا نعوذ بك من كل عمل يخزينا، ومن كل أمل يلهينا، ومن كل فقر ينسينا، ومن كل غنى يطغينا. آمين والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله.\