تقديم

وأنا أقرأ كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها”، الإصدار الأخير للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، استوقفني مثال رائع، يعبر تعبيرا غاية في الجمال والوضوح عن قصدية الكتاب، وعن الواقع الذي يعيشه المسلمون بعد تشتت الجماعة الأولى، وبعد أن هوت معاول الهدم من الداخل ومن الخارج عليها، وبعدما امتدت أيدي السوء إلى القصعة، كما في الوصف النبوي، ولما أصبح أهل الدار غثاء كغثاء السيل، يقول رحمه الله: وما مثل هذه الأمة في تفرق أقطارها ومذاهبها إلا كمثل أرض واسعة زلزلت زلزالها فانشقت جزرا تفصل بينها بحار من نار. وطال العهد فاختلفت لغة السكان، وذوق الطعام، ولون الحياة، ونسي الناس ما كان لهم من وحدة إلا حكماء يذكرون العهد الأول قبل الزلزال ويبشرون بعودته، ويسعون لتجديده، وقد نشأت في كل جزيرة أجيال لا تعرف ما قبل الزلزال، ولا تحب أن تسمع سوى الوجود المتكسر فهي تحارب وتكيد كل من يحن لما قبل الزلزال، أفرأيت إن لم يجمع حكماء كل جزيرة جهود أنصارهم لتحرير الجزيرة أولا أكانوا يستطيعون وهم تحت الأغلال تحرير الجزر الأخرى وإطفاء النار وردم الفجوات؟) 1 . وصف دقيق لحال الأمة ولتجذر المرض في جسمها أفرادا وجماعات، مذاهب فقهية واتجاهات سياسية، ومدارس تربوية، قد يكون مع بعضهم نصيب من العلم الموروث عن مشكاة النبوة، لكن مفصولا عن الفقه الجامع وعن الجهاد، وما من جماعة جزئية وإلا وتدعي أن الحق معها دون سواها طامحة أن تكون فاتحة باب النصر والتمكين للأمة، وهذا طموح لا شك مشروع ومحبذ، لكن إذا أنتظم في حبل توحيد الأمة وإعادة بناء جماعة المسلمين.

الأمة قبيل وقوع الزلزال أو لحظة الانكسار التاريخي

جماعة المسلمين إذن كانت قوية ناصعة قائمة برسالتها بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه من بعده. المهاجرون والأنصار قلب هذه الجماعة، وسواد الأمة من المؤمنين والمسلمين جسمها، فكتبت هذه الجماعة على جبين التاريخ أروع صور البناء والعمران، وأعادت للإنسان أدميته المفقودة بفعل الجاهلية وتبرجها وحكمها وحميتها، لقد كان للمسلمين على عهد الرسول الأعظم جماعة وكان لهم كيان وكانت لهم رسالة رفعتهم إلى مقام الخيرية التي وصفت بها الأمة، ثم خلف رسول الله خلفاء راشدون أسسوا لحكم الشورى والعدل والإحسان، كان دولتهم على قدر من البساطة، كما هم العرب إذ ذاك بسطاء، ولكن كانت نواة حكم راشد جمعت رعاية أمور الدنيا والدين، وحافظت على ميراث النبوة، وحافظت على الجهاد ومع الجهاد كانت العزة، والفتوحات واتسعت رقعة دولة الإسلام، ومع هذا البناء كانت معاول الهدم تضرب في ثغور انكشفت وتركت، فتحت الدنيا على قوم فبدؤا يتنافسونها وبدأت أعناقهم تشرئب إلى إعادة أمجاد العصبيات والانتصار للبيوتات، وبدأت بوادر الزلزال لما انكسر الباب، كما في حديث سيدنا حذيفة بن اليمان بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – فِى الْفِتْنَةِ قَالَ حذيفة: “فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ”. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، وَلَكِنِ التي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ عُمَرُ أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْتُ أَجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ كَمَا أَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّى حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنِ الْبَابُ قَالَ عُمَرُ.

واغتيل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، ثم توالت الهزات بمحاصرة عثمان وقتله رضي الله عنه وبعده استشهاد سيدنا علي كرم الله وجهه، واكتمل المشهد المروع بحكم الصبيان مع يزيد ومقتل الحسين بن علي ريحانة رسول الله وسبطه الشريف، بعد ذلك توالت النكسات.

هذه النكسات سماها المرشد “انكسارا تاريخيا”، زلزال قسم الأمة إلى جزر يكفر بعضها بعضا ويشن بعضها الحروب لفظية ومادية -أحيانا- على بعض، وما يعيشه الناس اليوم من اختلاف الجماعات وإدعاء بعضها أنها الفرقة الناجية من دون الناس، إنما هو من إرث تلك القرون الأولى، وما لم ننح “أنشوطة التقليد” من أعناقنا ونوجه كل جهودنا لإعادة بناء جماعة المسلمين فلسنا هناك، وإن معيار التمييز بين العاملين حقا للإسلام وبين ذوي المصالح الخاصة والدنيوية، لهو مدى تشوق المدعي لتوحيد جماعة المسلمين ومدى صدقه في طلب هذه الوحدة، أو على الأقل التنسيق مع من يطلبها، لا معاداته ورميه بالزندقة والبدعة كما نجد عند بعض “الضيقين” الذين يضيقون رحمة الله.

“جماعة المسلمين” في أزمنة الفتنة

كان الإمام ياسين يرفض وصف مجتمعات المسلمين المعاصرة بالجاهلية، إيمانا منه بكون هذه المجتمعات رغم ما تعرضت له فطرتها من طمر وإفساد إلا أنها لا تزال مستمسكة بإسلامها، مؤمنة بربها، ويرى أن الأمة تفشى فيها جهل عام بماهية الإسلام واختلط عليها الحق والباطل، وكان ذلك من نتائج انتقاض عرى الإسلام وأولها الحكم، كان إذن انتقاض الحكم بداية تسرب الوهن إلى جسم الأمة، وكان أن انتشر الوهن عبر قرون العض والجبر وصولا إلى “صفعة القدر” بحلول الاستعمار ببلاد الإسلام، كان العامل ذاتيا في البداية كان الضياع بسبب أغيلمة من قريش سطو وسرقوا الدولة وتركوا ظهر الدعوة مكشوفا، بل مسخوا الإسلام لما الصقوا صفة العلم وألبسوا لباس التقوى للشياطين الخرس من ديدان القراء في “وصال نكد” بين “طبقة المترفين” المستولين على الحكم بحد السيف وتوارثوه أجيالا بعد أجيال، كما يورث المتاع، وبين “أشباه علماء” باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، يزينون الباطل كما يزين الشيطان المعصية، وبسبب ما يقع عند من في الأعلى، فشت الأمراض في جسم الأمة المغلوبة على أمرها وانقسمت على نفسها دويلات وطبقات، وهناك في كل دويلة طبقات رضيت بالعبودية لطبقة المترفين، وتشكل فئة عريضة كيف ينفخ فيها الحكماء روح الأوبة إلى ربها ودينها وكرامتها؟ نعم إن طبقة المترفين في أي مجتمع لا تشكل إلا أقلية منبوذة لولا أنها وجدت الحليف في مستضعفين استعجلوا الدنيا ومتعها، وحتى إذا بقوا متعلقين بربهم وخافوا على آخرتهم لم يجدوا بعد المؤمنين المأمورين بالجهاد في سبيل الله والمستضعفين، ينتظرون القائمين بالقسط المحررين لهم من الأغلال.

إن “الأمة” وهي في فتنتها لا تزال حية لا تزال فيها قواعد الإسلام، ولولا هذه القواعد الراسخة برسوخ حب الله وحب رسول الله في قلوب أبنائها، لاندثرت هذه الأمة وطوي ذكرها أمام حجم المرض الذي أصابها، وأمام هول المؤامرات التي سلطت عليها من أعداءها، كان آخرها ما سماه الإمام المرشد بخطر “الثنائي الجهنمي”:

¨ الماسونية: التنظيم اليهودي الصهيوني المحاط بعالم غرائبي وطقوس سحرية ودعاية وحفلات وشارات ومؤتمرات، ويتعمق خطر هذه الجماعة الهدامة حين تستقطب إلى صفوفها أعضاء ثانويين هم في بلاد الإسلام “حكامها” وهم في أقسام الماسونية تلاميذ بلداء، وما كثير من المفاهيم التي يروج لها إعلام التلاميذ البلداء: “الإنسانية” “التسامح” “الحفلات الخيرية” “الموسيقى الروحية”… إلى غيرها من المفاهيم إلا دثار يتدثر به الشيطان الماسوني، ليطبع مع الشعوب الإسلامية ولتسهل عملية مسخ الأمة وسلخها عن دينها.

¨ القومية العلمانية: هدف العلمانية القومية ترجيح كفة العرق على الدين وحشر الدين في زاوية ضيقة وخنق أنفاسه في ركنة الحوقلة وتكفين الموتى، وفصل أجزاء البلاد الإسلامية وشعوبها عن بعضها، وهذه العلمانية القومية داء عضال هي العصبية النتنة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مقومات إعادة بناء جماعة المسلمين

في حديث الأستاذ المرشد عن قواعد الإسلام، يتناول الحاصل والفائت للحركة الإسلامية، التي هي صلب الأمة، في حركتها وجهادها لإعادة بناء جماعة المسلمين، ويقول إن الحاصل هي هذه القواعد والمرتكزات الأرضية الجغرافية والسياسية، والمقومات الاقتصادية، والحجم البشري الذي عليه بعد الله عز وجل يمكن أن تتكئ القوة الإسلامية الاقتحامية في سبيلها إلى التمكن في الأرض والوصول إلى إمامة الأمة، ومع هذا وقبله ثقة هذه الحركة بالله وبموعود الله وموعود رسوله، وأما الفائت فهو حال الأمة وما هي عليه من التشتت وتفرق الأمر وذهاب الريح والذيلية في ترتيب الأمم، رغم ما تزخر به بلاد المسلمين من مرتكزات التقدم لو توفر لها حكم راشد.

إنه لا غنى إذن للعاملين للإسلام من تصويب جهودهم نحو إعادة بناء جماعة المسلمين، وإذا كان هذا البناء عملا شاقا قد لا ينجح فيه جيل، فعلى الأقل أن نضع الغاية أمامنا ونحدد في كل مرحلة أهدافا نحققها في أفق الغاية الكبرى وهي توحيد جماعة المسلمين المرجوة بإذن الله، وفي استشراف هذا الأفق يضع الإمام ما سماه بـ”نواظم جماعة المسلمين” وهي:

¨ الحب في الله والبغض فيه، وهذا هو المعنى القلبي للولاية.

¨ الشورى وإجماع الرأي والاتفاق على الخطة العامة وهذا هو المعنى العقلي.

¨ الطاعة للقيادة وهذا هو المعنى التنفيذي الجهادي للولاية 2 .

هي الشروط والنواظم الثلاثة إذن التي تتأسس بها جماعة المسلمين المرجوة، وهي نفسها التي تحافظ على بيضتها لما تؤسس، وإن الانتماء إلى إحدى الجماعات التي تعمل للإسلام، إنما يعرف صدقها وأهليتها بالمكانة التي تحتلها هذه النواظم داخلها.


[1] جماعة المسلمين ورابطتها، ط 1 ص 81.\
[2] نفس المرجع، ص 80.\