من كتاب الشفا ج 1 ص 122

جاءت بذلك الأثار الصحيحة، واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله، “أخبرنا أبو القاسم بن إبراهيم الخطيب وغيره، عن كريمة بنت أحمد، حدثنا أبو الهيثم، وحدثنا حسين بن محمد الحافظ سماعاً عليه، حدثنا القاضي أبو الوليد، حدثنا عبد بن أحمد، حدثنا أبو الهيثم، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا فليح، حدثنا أبو النضر، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: لو كنت متخذا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر”.

وفي حديث آخر “وإن صاحبكم خليل الله”.

ومن طريق “عبد الله بن مسعود: وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً”.

وعن ابن عباس، قال:” جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجباً! إن الله اتخذ من خلقه خليلاً، اتخذ إبراهيم خليلاً”

وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه الله تكليماً”


وقال آخر: فعيسى كلمه الله وروحه”


وقال آخر: وآدم اصطفاه الله”


فخرج عليهم فسلم، وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، وهو كذلك، وموسى نجي الله، وهو كذلك، وعيسى روح الله، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر”
.

وفي حديث “أبي هريرة رضي الله عنه من قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إني اتخذتك خليلاً، فهو مكتوب في التوراة: أنت حبيب الرحمن”.

قال القاضي أبو الفضل: اختلف في تفسير الخلة، وأصل اشتقاقها، فقيل: الخليل: المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال.

وقيل: الخليل المختص، واختار هذا القول غير واحد.

وقال بعضهم: أصل الخلة الاستصفاء: وسمي إبراهيم خليل الله، لأنه يوالي فيه ويعادي فيه، وخلة الله له نصره، وجعله إماماً لمن بعده.

وقيل: الخليل: أصله الفقير المحتاج المنقطع، مأخوذ من الخلة وهي الحاجة، فسمي بها إبراهيم، لأنه قصر حاجته على ربه، وانقطع إليه بهمه، ولم يجعله قبل غيره، وإذا جاءه جبريل وهو في المنجنيق، ليرمى به في النار، فقال: ألك حاجة ؟ قال: أما إليك فلا.

وقال أبو بكر بن فورك: الخلة: صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار.

وقال بعضهم: أصل الخلة المحبة، ومعناها الإسعاف، والإلطاف، والترفيع، والتشفيع، وقد بين ذلك في كتابه تعالى بقوله: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير [سورة المائدة، الآية 18].

فأوجب للمحبوب ألا يؤاخذ بذنوبه.

قال: هذا، والخلة أقوى من النبوة، لأن النبوة قد تكون فيها العداوة، كما قال تعالى: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم [سورة التغابن، الآية 14].

ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة، فإذاً تسمية إبراهيم ومحمد عليهما السلام بالخلة إما بانقطاعهما إلى الله ووقف حوائجهما عليه، والانقطاع عمن دونه، والإضراب عن الوسائط والأسباب، أو لزيادة الاختصاص منه تعالى لهما، وخفي ألطافه عندهما، وما خالل بواطنهما من أسرار إلهيته، ومكنون غيوبه ومعرفته، أو لاستصفائه لهما، واستصفاء قلوبهما عمن سواه، حتى لم يخاللهما حب لغيره، ولهذا قال بعضهم: الخليل من لايتسع قلبه لسواه وهو عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن أخوة الإسلام.

واختلف العلماء وأرباب القلوب: أيهما أرفع درجة: الخلة أو درجة المحبة؟

فجعلهما بعضهم سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا، ولا الخليل إلا حبيباً لكنه خص إبراهيم بالخلة، ومحمداً بالمحبة.

وبعضهم قال: درجة الخلة أرفع، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: “لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي عز وجل” فلم يتخذه.

وقد أطلق المحبة لفاطمة، وابنيها، وأسامة وغيرهم.

وأكثرهم جعل المحبة أرفع من الخلة، لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل إبراهيم.

وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ولكن هذا في حق من يصح الميل منه والإنتفاع بالوفق، وهي درجة المخلوق، فأما الخالق ـ جل جلاله ـ فمنزه عن الأغراض، فمحبته لعبده تمكينه من سعادته، وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب، وإفاضة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه، وينظر إليه ببصيرته، فيكون كما قال في الحديث: “فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به”.

ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله، والإنقطاع إلى الله، والإعراض عن غير الله، وصفاء القلب لله، وإخلاص الحركات لله، كما قالت عائشة رضي الله عنه: كان خلقه القرآن، برضاه يرضى، وبسخطه يسخط، ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله:

قد تخللت مسلك الروح مني *** وبـذا سمي الخليل خليلا
فـإذا ما نطقت كنت حديثي *** وإذا ما سكت كنت الغيلا
فإذا مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا صلى الله عليه وسلم بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة، المتلقاة بالقبول من الأمة، وكفى بقوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم.

حكى أهل التفسير أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار: إنما يريد محمد أن نتخذه حناناً كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم، فأنزل الله ـ غيظاً لهم ورغماً على مقالتهم هذه الآية: قل أطيعوا الله والرسول، فزاده شرفاً بأمرهم بطاعته، وقرنها بطاعته، ثم توعدهم على التولي عنه بقوله: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين.

وقد نقل الإمام أبو بكر بن فورك عن بعض المتكلمين كلاماً في الفرق بين المحبة والخلة يطول، جملة اشارته إلى تفضيل مقام المحبة على الخلة، ونحن نذكر منه طرفاً يهدي إلى ما بعده.

فمن ذلك قولهم: الخليل يصل بالواسطة، من قوله تعالى: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [سورة الأنعام، الآية 75].

والحبيب يصل لحبيبه به، من قوله: فكان قاب قوسين أو أدنى.

وقيل: الخليل: الذي تكون مغفرته في حد الطمع، من قوله: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [سورة الشعراء، الآية 82].

والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين، من قوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما [سورة الفتح، الآية 2].

والخليل قال: ولا تخزني يوم يبعثون [سورة الشعراء، الآية 87].

والحبيب قيل له: يوم لا يخزي الله النبي، فابتدىء بالبشارة قبل السؤال.

والخليل قال في المحنة: حسبي الله [سورة الزمر، الآية 38].

والحبيب قيل له: يا أيها النبي حسبك الله [سورة الأنفال 8، الآية 64].

والخليل قال: اجعل لي لسان صدق في الآخرين [سورة الشعراء، الآية 84].

والحبيب قيل له: ورفعنا لك ذكرك، أعطي بلا سؤال.

والخليل قال: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام [سورة إبراهيم، الآية 35].

والحبيب قيل له: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت.

وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب هذا المقال من تفضيل المقامات والأحوال، وكل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا [سورة الإسراء، الآية 84].