أطياف من مواصفات المثال المرشد

للأرض أوتاد وفي الخلق عباد، كلماتهم ظل أذكارهم، أحوالهم تجليات علومهم، أجسادهم في يد أرواحهم، ومن قصرت همته روحه حبيسة جسده، والروح إذا صفت وقويت وهاجت كان لها إسراء أرضي ومعراج سماوي، أسرار وأنوار وأفكار وجهاد، ماداموا في الدنيا فهم في الخدمة والحكمة، فإذا جاءت آجالهم تحقق المعراج الذي كل حياتهم عليه يبحثون وينتظرون، اشتاقوا للدائم الكريم.

الناس بخير ينظرون إلى بعضهم ويسمعون مادام هؤلاء فيهم، حتى إذا ذهبوا سقطت الخيم لسقوط الركائز، وبقيت الروابط. يتسامع الناس لكن لا ينظرون إلى بعضهم نظرتهم الأولى، يستمدون قوتهم من الإيمان ومن تجديده ومن آثار المجدد الذي لا ينمحي، لا ينهدم بناء رباني أقامه الله تعالى، في الحديث النبوي الشريف “يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

قليل من كلامهم يكفي، وكثيره لكثرة المعنيين به، لم يكن همهم أن يكتبوا أو يقولوا بلا سبب ولا خالص نية، أعداؤهم طعامهم الذي يتقوون به على الطاعة من جهة البلاء، فالعبد عبد في الرخاء والشدة، أصدقاؤهم عطاء رباني، قيل للإمام أحمد الرفاعي نحن ذنوبك) يرون أنهم لا يستحقون معاشرته، يكثر القيل والقال المذموم فيهم فيصبرون ويستغفرون لهم، قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أربع من كن فيه كان من خيار عباد الله، أن يفرح للتائب، ويستغفر للمذنب، وأن يعين المحسن، وأن يدعو المدبر)

وفي الموطأ “بلغني أن سيدنا عيسى عليه السلام قال “لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى فاحمدوا الله على العافية واصبروا على أهل البلاء””.

لا يخافون في الله تعالى لومة لائم، لا من حاكم ولا من محكوم، يقولون الحق الذي لا يترك لك صديقا، يعلمون أن الله تعالى أمر بذلك فهو الموفق المحقق، لا يحتاجون إلى من يصدقهم لأنهم يؤمنون أن الله القاهر فوق عباده فوق الجميع المحيط بكيد المنكرين، ربهم مولاهم.

مجالسهم وديعة لطيفة، مباركة شريفة، حمام لغسل الذنوب، وكشف لطيف للعيوب، علم يتبعه عمل، علم يوضع في القلب يعقله صاحبه، بذرة تقوى الله في أرض النفس تصارع من أجل الوجود والشهود والجود، ربانيون يعلمون ما يفعلون فيك، يظهر منك ما يحبون ولو بعد حين، يبحثون عنك في الغيب بالدعاء بالرجاء، ولو نظرة ولو مرة ولو لحظة إن قدر لك رؤيتهم، من رآهم مرحوم، ومن عاداهم مرجوم، ومن عارضهم مأخوذ ولو بعد حين، وهم لا يعارضون ولم يخلقوا ليعارضوا معارضة الصبيان لبعضهم البعض، إنما خلقوا ليعرضوا ما تجلى فيهم وفي أحوالهم من علم الله تعالى وقدره وقدرته وفضله، إن عارضوا عارضوا شرعا لا انتصارا للأهواء. لقد جاؤوا بالبشرى للمسلمين قال الله تعالى في سورة النحل الآيتان 89 و90 ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. قال سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها..).

أعمارهم آية من آيات الله تعالى، وعبرة من العبر العظيمة، فمن تأمل ما يفعلون يعجز لسانه عن وصفهم، يد القدرة تحركهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها…”.

يولدون موهوبين أوفي صمت تكلؤهم العناية الإلهية، يكبرون والرهبة في صدور عدوهم وينجزون على أسنة الأذى، الأذى عندهم هدية إلاهية، كأنه نوع تكرم، تصقل به مواهبهم، في كل ظلماء يكون أقمارا وشموسا، جميع الأضواء مستمدة من وجودهم، أضاء الله تعالى دروبنا ببعضهم.

في حياتهم ومماتهم عجب، لا يأخذ المولى الكريم أرواحهم حتى يتحقق ما يريدون بإرادته، اقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه الوهاب “يكره الموت وأنا أكره مساءته” الكراهية هنا انصرفت إلى أمانيهم الربانية فإذا تحققت خف عنهم حمل الحلم.

في ظلال حديث الخلافة على منهاج النبوة…

من أعمال الرجل التي تحسب له عمله واستناده إلى حديث الخلافة على منهاج النبوة، صدق به وبنى وربى وألف فيه الكتب ولم يحد عن الإشارات الواضحة والخفية منه قيد أنملة، فجاء كتابه “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا”، و”نظرات في الفقه والتاريخ”، و”سنة الله” وهلم جرا في غير ما موضع تجد المرشد المطلع المتطلع يشير ويدير من أجل تصويب مسار الأمة إلى عزها في الدنيا بين الأمم والحضارات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده، وهو من أعظم مسانيد الدنيا على الإطلاق، عنه بسند صحيح “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة”.

كرر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم أربع مرات ما شاء الله وأربع مرات إذا شاء، ومعنى ذلك أن الأمور العظيمة في الوجود البشري متوقفة على الإيجاد والإمداد والإرادة الإلهية، ومادامت على ذلك متفقة فهي بلا شك متحققة، تحقق كثير ما ذكره صلى الله عليه وسلم وبقيت واحدة نسأل الله تعالى أن يجعلنا من بناتها، فالسفينة أرست على الشاطئ تقصد الانطلاق والإبحار ومنادي الحق يقول للقريب والبعيد “اركب معنا” ويقول بأعلى صوته “لا عاصم من أمر الله إلا من رحم”.

والحديث النبوي الشريف يشير إلى ما ينتفع به الناس مما هو من تمام فضل الله تعالى الذي لا يلتبس وهو الخلافة على منهاج النبوة، وقد كررها صلى الله عليه وسلم مرتين بعد الابتداء بالأمر الأعظم، النبوة، وعند الانتهاء دون تعقيب عليها، للدلالة على البدء الذي يعاد إليه وإن طالت مدة مكوث الناس في الظلمات ظلمة الملك، والخلافة الأولى مستمدة من نور النبوة التي ارتبطت بها صحبة والتماسا لها زمانا ومكانا واستمرارا على العهد النبوي.

أما الخلافة الثانية فلا تختلف عن الأولى من حيث كونها على منهاج النبوة، ويجب أن تكون حتى لا تحيد عن السبيل وتسمى بها، وليست هي كما وقع في التاريخ ولا تزال الكذبة منطلية على المسلمين بأقلام المؤرخين، وإن طالت المدة الزمنية التي كانت بينها وبين الأولى، أو انعدمت نقطة تماس بينها وبين النبوة من حيث الحضور، والشهادة لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم كما وقع الأولى يزيد من قيمتها لأن النبي عليه السلام تكلم عنها في غير ما موضع عنها وعن أهلها وعن مقدماتها، حينما كان يوصي بإخوانه، وحينما ذكر أجر خمسين من صحابته لمن لم يروه صلى الله عليه وسلم يود أحدهم لو يراه لو يفتديه بالمهج والمبهج، وحينما تحدث عن فئام من الناس يغزون فيفتح لهم ويقال “هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تنقطع رؤيته التي تلتمس من وراث النبوة الكمل الصادقين إطلاقا.

وما دخل على المسلمين وحياتهم مما سوى النبوة ونورها وبركات وهدايات الخلافة على منهاجها، فمما كسبت أيدي الناس من الإثم وفساد الذمم النوايا، ملك عاض وجبري نعوذ بالله من شرهما وشر وشرر أصحابها ومن شر ما خلفاه، تركة مظلمة ثقيلة بعد زوالهم. دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها.

رحم الله تعالى الإمام المرشد عبد السلام يس وقف يقول الحق للظالمين بأناة، فما ضر السحاب نباح الكلاب ولا ضجيج الذباب، وفي المنهاج النبوي منارات للوصول، وفصول فيه لا فضول لمن له لوعة على الإسلام وحال المسلمين.

وفي الحديث النبوي الشريف حديث عن المتغيرات والأشياء والأحداث التي تحل في بعضها، والأقدار العظيمة التي يأذن الله فيها إما عطاء وإما بلاء، العطاء بعد الجاهلية ثلاث نبوة وخلافة على منهاجها مكررة مرتان، ومرة ولا عودة لعض ومرة لجبر ولا عودة.

في هذا الحديث اتفاق حقيقي على أن بعد العسر يسرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن الله مع المؤمنين، وأن ظلال النبوة وارفة في كل الأزمنة، وأن تحريف سكة التاريخ إلى العض والجبر لا يجب أن ينظر إليه نظرة العاجز الذي ينشد قول الشاعر حالا:

ذريني تجئني ميتتي مطمئنة *** ولم أتجشم هول تلك الموارد
فإن عليات الأمور مشوبة *** بمستودعات في بطون الأساود
بل ينشد نشيد البطل الشجاع الذي يعزم على التغيير تغيير الواقع المنكر المتجسد في البشر والسير من أجل الرجوع إلى الأحوال التي ترضي الله تعالى.إلى رحاب الإسلام الحقيقي إلى السعادة التي يبحث عنها الكل.