نظمت جماعة العدل والإحسان بمدينة فاس، مساء يوم الأحد 09 ربيع النبوي 1434هـ، ندوة علمية حول الإصدار الأخير للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله جماعة المسلمين ورابطتها)، هذا الإصدار الذي يعتبر حلقة من حلقات الإنتاج العلمي والفكري.

في افتتاح الندوة أشارت مديرة الندوة الأستاذة الباحثة في علوم القرآن باتول المودن إلى تناسب الاحتفال بهذه الذكرى النبوية مع الاحتفال بمولود جديد من أبناء الإمام ياسين المكتوبة التي تعدت الثلاثين، وقدمت قراءة تعبيرية لغلاف الكتاب حيث أكدت على دلالة الحبل المعقود في الصورة على ضرورة الاعتصام بحبل الله جميعا.

ورحبت الباحثة بالحضور الكرام وبالمشاركين وقدمت لمداخلاتهم.

المداخلة الأولى: فصل من “دولة القرآن”

تطرق الدكتور عبد الباسط المستعين في أول مداخلة إلى شكل الكتاب وحجمه.. وملاءمة الغلاف للمضمون الرئيسي للكتاب.

ومن حيث المضمون اعتبر الباحث في التاريخ الكتاب حلقة إضافية ضمن حلقات مشروع “دولة القرآن”. واعتبر تقديم الأستاذ أبو بكر بن الصديق عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان سنة حميدة درج عليها المرشد رحمه الله في عدد من كتبه.

هذا الكتاب الذي بين أيدينا صنفه صاحبه في بداية الثمانينات يقول الدكتور، وتساءل كيف لمضمون كُتبَ قبل ثلاثة عقود أن يجيب عن الواقع الحالي؟ واعتبر هذه ميزة مضافة إلى تآليف الإمام التي تؤرخ للمستقبل وتستشرفه بل تصنعه.

في مداخلته ألمح الدكتور إلى حضور إشارات كثيرة لـ”جماعة المسلمين” في مصنفات “دولة القرآن” وفي أمهات الكتب من مثل كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، وأن كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” تفصيل لهذه الإشارات.

وأجمل الأستاذ المستعين الحديث عن مضامين الكتاب، ووقف على تعاريف العلماء لـ”جماعة المسلمين” واختلافها، وأشار إلى دقة تعريف عبد السلام ياسين رحمه الله للجماعة وإلمامه بتعاريف من سبقه من سلف الأمة الصالح، وبين الأستاذ الكريم كيف وصَل الإمام رحمه الله الماضي بالحاضر والمستقبل حين نظَّر لعملية انتقال المسلمين من المجتمعات الوطنية المتفرقة إلى جماعة المسلمين الموحدة.

المداخلة الثانية: مفاهيم مؤطرة

أكد الأستاذ الحسن السلاسي في مداخلته على أن المرشد رحمه الله كان يلح أيما إلحاح على تحديد المصطلحات والمفاهيم من أجل دقة التواصل مع الآخر.

واختار الأستاذ الباحث في الفكر الإسلامي مفاهيم ثلاثة أساسية في كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” وحاول تفصيل القول فيها:

المفهوم الأول: الولاية لله. واعتبر الولاية ولايتان: الولاية العامة وولاية خاصة.

وأشار إلى أن مادة “ولي” تعني الانتساب والقرب والعقيدة والنصرة، وأن الولاية تقوم على الحب في الله والبغض في الله في بعدها القلبي، وعلى الشورى وإجماع الرأي في بعدها العقلي، وعلى الهجرة والنصرة والطاعة في بعدها العملي.

المفهوم الثاني: جماعة المسلمين. وأجاب الشاعر الحسن السلاسي عن سؤال “من هم جماعة المسلمين؟” وهذا السؤال هو عنوان في فصل “جماعة المسلمين” من الكتاب موضوع المدارسة. ثم عرج الأستاذ إلى تعاريف الشاطبي رحمه الله لجماعة المسلمين التي استند إليها الإمام ياسين رحمه الله في هذا الإصدار القيم.

والمفهوم الثالث: القيادة. وأكد على دورها في الانتقال من الدعوة إلى الدولة ومن الدولة القطرية إلى الخلافة الجامعة.

المداخلة الثالثة: الداء والدواء

وخصصها الأستاذ الباحث في أصول الفقه والمقاصد محمد الصادقي العماري لمحورين اثنين:

أولا: تشخيص الداء

هذا الداء الذي تجلى في استئساد السلطان على القرآن. وتطور أساليب محاربة الإسلام والمسلمين من أساليب بدائية بسيطة إلى صيغ مركبة متطورة أهمها الثنائي الجهنمي الماسونية، والقومية العلمانية هذه الأخيرة التي تعتبر الفلسفة التي تقوم عليها التجزئة القومية للدويلات الوطنية. وعنصر ثالث للداء يتجلى في أمراض جماعة المسلمين وتتمثل في اتباع الهوى، وبطانة السوء، والعجب.. وضرب أمثلة حية من واقع مصر الحالي.

ثانيا: مقترح البناء

الذي يبتدئ في رأب الصدع بين الدعوة والدولة وبناء التوازنات المانعة من هيمنة السلطان على القرآن.

وأشار الأستاذ الصادقي إلى أن عالمية الدعوة في ظل التشتت في الدويلات القومية سذاجة فيها طيبوبة كما وصف ذلك الإمام ياسين رحمه الله.

ثم تساءل الكاتب: هل البناء يكون من فوق؟ أم من تحت؟

وأشار إلى أن البناء من تحت يكون أفيد وأسهل للمتابعة والتقويم.

ومن عناصر البناء وحدة القيادة وقد أسهب صاحب كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” في تبيان مثالب القيادة الجماعية. مع أن القيادة الفردية يجب أن تحاط بسياج الشورى واختيار الشعب لتجنب الاستبداد، ويلزمها أيضا أن تكون الحاضنة للرأي المخالف والحامية لتعدد الاجتهادات. مع الاحتياط من المعارضة المخربة.

وأشار إلى أن الحركات الإسلامية لا تسلم أيضا من الاختلاف والتعدد في الرأي وعلاج ذلك يكمن في التشارك والتعاون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في انتظار الوحدة.

وفي ختام الندوة تقاطرت مجموعة من المشاركات أشارت إلى أن الإمام ياسين رحمه الله يخاطب القارئ في هذا الكتاب وسائر الكتب لينهض لطلب وجه الله تعالى. وأن هذا الكتاب الصغير يجيب عن الكيف الإسلامي في ظل انقطاع تواصلي ومعرفي، ويخط طريق اقتحام العقبة مع الشعب. وتساءل بعض الحضور عن وضعية الحركة الإسلامية بعد تسلم زمام الدولة وعن الأجوبة التي يمكن أن يقدمها الكتاب.