أجرت أسبوعية المشعل حوارا مع الدكتور محمد سلمي، عضو الأمانة العامة لجماعة العدل والإحسان ومنسق الهيئة الحقوقية للجماعة، حول هيمنة الدولة على المساجد بالمغرب. ننشره تعميما للفائدة:

اعتبر تصريحكم على هامش القافلة التضامنية التي نظمتها جماعة العدل والاحسان مع البيوت المشمعة، حول المساجد تطاولا على اختصاصات الدولة، وهي التي تحكمت في تسييرها بعد تنامي الخلايا الإرهابية تحت مسمى إعادة هيكلة الحقل الديني. لماذا هذا التصريح في هذا الوقت بالذات؟

المساجد بيوت الله عز وجل، فقد جاء في القرآن الكريم وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا، والمساجد في المغرب لا تشيدها الدولة، بل تعرقل بناءها قدر المستطاع بمساطيرها الإدارية، وأحيانا كثيرة بتعسفات من يمتلكون سلطة الترخيص ببنائها. وقد عشت شخصيا تجربة مريرة في هذا السياق. أما الخلايا الإرهابية فهي غريبة عن مجتمعنا المغربي المسلم، وأعمالها مدانة من قبل أهل الأرض وأهل السماء. ولا زلنا نؤكد على حق المغاربة في معرفة حقيقة من ينشأ هذه الخلايا، ويخطط لها، وبأية أهداف. فإن العقلاء المتتبعين للتفجيرات الإرهابية عبر العالم، لم يعودوا يقبلون هذه المغالطات الشبيهة بأخبار الصحون الطائرة les OVNI إبان الحرب الباردة. وهيمنة وزارة الأوقاف على المساجد بالشكل الذي يعيشه المغاربة حاليا تذكر بوضعيتها زمن “زين” العابدبن علي في تونس. وهي هيمنة غبية لأنها أصغت لصوت الجناح الاستئصالي على حساب إرادة الشعب المغربي المسلم.

قلتم بأن المساجد الآن لا مكان فيها للرأي والمشورة والتفكير الديني وأنها أصبحت بدون رسالة، في حين هناك من يقول بأنها أصبحت تساهم في تأطير الناس بشكل أكثر عقلانية.. فهل تصريحات من هذا القبيل هي إعلان عن بداية ما سمي بحرب المساجد بينكم وبين الدولة كما هو حال حرب الشواطئ التي وضعت أوزارها؟

جماعة العدل والإحسان جماعة سلمية مسالمة، والدولة هي من تعلن الحروب ضدها. ورسالة المسجد هي التوعية والتربية والتعليم وتمتين الصلة بين الإنسان وخالقه… أما الآن فإذا وجدت بباب المسجد بعد الآذان جموعا من الناس ينتظرون إقامة الصلاة، فاعلم بأن أحد الوعاظ الرسميين يلقي خطابا ما، وينتظر الناس متى ينتهي. لقد عاش المغاربة صحوة إسلامية منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي، تشد فيها الرحال إلى المساجد لسماع العلماء والخطباء، واستمر ذلك الوضع إلى منتصف الثمانينيات، ثم اشتد الحصار على العلماء والوعاظ عموما، وكان نصيب أصحاب الوعي السياسي والمنخرطين في حركية المجتمع المدني والسياسي أقوى، وجاء نصيب أعضاء جماعة العدل والإحسان وافرا، خاصة منذ استوزار الأستاذ أحمد توفيق. حيث طرد الأئمة من المساجد، ومنع الخطباء من الخطبة، رغم التزامهم “بدفتر التحملات” الوهمي، والتعليمات التي لو عرضت على أهل العلم في العالم الإسلامي لرفضوا جلها. ومنع الطلبة النجباء من اجتياز امتحانات الوعظ والإرشاد والإمامة والخطبة بسبب انتمائهم للجماعة، ومنعوا من تأطير الحجاج، ومنع علماء الجماعة من الإعلام الذي ندفع ضريبة تمويله. إن الدولة في هذا المجال تدافع عن الرداءة، وإذا صرنا على هذا الحال فسيستورد المغاربة من يصلي بهم صلاة التراويح، أما العلم فعنه لا تسأل مادام الإعلام المخزني لم يخصص لجنازة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله غير دقيقة واحدة ملغومة.

هل يمكن القول إن تصريحكم نابع من كون الدولة سحبت من تحت أقدامكم البساط، بعد ضبطها للمساجد التي كانت بالنسبة لكم مرتعا لنشر الفكر “العدلي”؟

لم يثبت في حق أحد من وعاظنا وخطبائنا وعلمائنا أنه استغل المنبر المسجدي للدعاية للجماعة أو الاستقطاب أو ما من شأنه أن يفهم كذلك. والدولة بهيمنتها الحالية على المساجد وفرض الخطبة المسيسة، التي بلغت حد حذف جزء من الخطبة، وهو آية من كتاب الله عز وجل كان خطباء الأمة يختمون بها خطبهم إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون… بكل هذا يكون البساط قد سحب من الدولة لا من الجماعة. دولة، أجرة الإمام فيها لا تتجاوز 800 درهم، دولة يفرض فيها رجال السلطة على العلماء تعليمات في مجال تخصصهم وواجبهم الشرعي باعتبارهم موقعين عن رب العالمين كما سماهم ابن القيم الجوزية رحمه الله، دولة يمنع فيها المعارضون من إسماع صوتهم، ويقول فيها خطباء المسجد على المنابر يوم الجمعة إن التصويت على الدستور بنعم واجب ديني، دولة لا تفتح فيها أغلب المساجد إلا في أوقات الصلاة… دولة هذا شأنها لم تعد لا ئيكية فحسب، لأن اللائيكية ينبغي أن تكون محايدة في مجال الدين، وإنما هي مجسدة لهيمنة العقلية اللائيكية الإقصائية. إن جمعية مدنية تؤسس المسجد لهي الأجدر أن تشرف عليه وتحافظ على ممتلكاته. وقد رأينا تهافت الوزارة على أوقاف المساجد، وأوقاف المسلمين، ورأينا أموال الحجاج المغاربة كيف تهدر… إن البساط يسحب من الدولة لا من الجماعة.