أزمة الشعب المالي مرشحة للمزيد من التعقيد والتفاقم، خاصة بعد تدخل القوات الفرنسية، لأن التجربة أكدت وتؤكد أن التدخلات العسكرية لا تزيد أماكن التوتر الملتهبة والشعوب المستضعفة إلا تمزقا وتشرذما وفقرا. ولا يمكن للمتتبع المنصف لما يجري بمالي إلا أن يتساءل عن أسباب ودوافع تلك المبادرة، أو بالأحرى المغامرة، الانفرادية والمستعجلة، التي استهدفت بلدا ذا سيادة وأغلبية شعبه وقواه الحية الأساسية ضد هذا التدخل، خاصة والقرار الأممي يتيح فسحة من الوقت لا تقل عن سبعة أشهر، كان بالإمكان، لو توفرت الإرادة التي تبحث عن مصلحة الشعب المالي، اغتنامها في بلورة حل سياسي بإرادة جماعية توافقية.

إن العنف لا يجلب إلا المزيد من العنف، لذلك نؤكد ونحن نتابع ما يجري في مالي، رفضنا القاطع للتدخل الأجنبي في مالي وللعنف بكل مظاهره وأشكاله، وللإرهاب والتطرف بمختلف مصادرهما والجهات الداعمة لهما.. كما نؤكد رفضنا، وتنديدنا بالسياسات الانبطاحية، والتبعية العمياء، التي تنهجها السلطات المغربية عندما فسحت المجال الجوي للبلد مستباحا أمام قوات لا تفرق بين مدنيين ومحاربين في قصف عشوائي يخلف كل يوم مزيدا من الضحايا المدنيين الأبرياء، في تحد سافر لاختيارات ومشاعر الشعب المغربي الرافض للتدخلات العسكرية وللانجرار إلى حروب بالوكالة الهدف منها الحفاظ على أطماع في ثروات الغير ومصالح توسعية قديمة كنا نظن أن زمنها قد انتهى.

إن حل أزمة مالي يتوقف على تجاوز مخلفات الاستعمار القديم وانسحاب القوات الأجنبية وفسح المجال لديمقراطية حقيقية في البلد تترك للشعب المالي وحده وبكل فئاته، الكلمة الأولى والأخيرة في إنجاز حل سياسي، يجعل الوحدة والمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ويؤسس لحكم رشيد وتنمية متوازنة يستفيد منها كل المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والجغرافية وتوجهاتهم الدينية والسياسية. ويحتاج هذا الأمر لدعم مالي وسياسي إقليمي ودولي منصف وغير ابتزازي، ويرضاه شعب مالي بكل مكوناته.

إن ما يعانيه شعب مالي ليس وليد اليوم، ولكنه نتيجة سنوات، بل عقود، من الفساد والاستبداد والإقصاء والتهميش، لذلك ندعو القوات العسكرية الفرنسية وحلفاءها إلى التراجع عن تدخلها في الأراضي المالية وفسح المجال للفرقاء السياسيين الماليين للشروع في حوار وطني بعيدا كل البعد عن مشاعر الكراهية والانتقام ولغة السلاح والاقتتال. وعلى المنظمات الإفريقية الإقليمية دعم ذلك بشكل لا يخل بالسيادة المالية. ينبغي أن تتضافر الجهود حتى لا تتحول مالي إلى صومال جديد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتعامل مع الدولة المالية بما يحفظ سيادتها ويصون حرية وكرامة شعبها. لا سبيل إلى ذلك إلا بالتعامل مع المعاناة المالية بعيدا عن منطق إحداث بؤر التوتر ورغبة المتاجرة في السلاح. لا سبيل إلى ذلك إلا بالتخلص من النزعات التشددية والتوسعية على السواء.