استهلال

إن من بين أعظم أبواب نصرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو التأسي به والتمسك بسنته، لأن العدو لا يستهدف شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما يستهدف الرسالة التي جاء بها، رسالة الحق والرحمة، فالعدو يغيضه الانتشار الواسع لإسلام وتغيضه الصحوة الإسلامية التي تقودها الحركات الإسلامية المباركة وتغيضه كذلك تلك العودة الميمونة لشباب الإسلام إلى دينهم، كل هذا وغيره حرك شعورهم الانتقامي وأحقادهم الدفينة، في محاولة يائسة لزرع البلبلة والفتنة والتشكيك في صفوف المسلمين. السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

1- التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه

كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، يعطي كل ذي حق حقه، ثم يفيض خيرا ورحمة على العالمين. ينبغي تقصي هديه صلى الله عليه وسلم في كتب الشمائل، واتباع سنته صلى الله عليه وسلم في عظائم الأمور ودقائقها . فالسنة الشريفة وحدها كفيلة أن توحد سلوكنا، وتجمعنا على نموذج واحد في الحركات والسكنات، في العبادات والأخلاق، في السمت وعلو الهمة. فإنه لا وصول إلى الله عز وجل إلا على طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا سبيل إلى جنة الله ورضوانه ومعرفته إلا بأتباعه ظاهرا وباطنا. فذلك كله برهان عن صدقنا في اتباعه، إذا فاتتنا صحبته.

2- التأسي بأذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم

نجد في كتاب الأذكار للأمام النووي، وهو أوسع الكتب في أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم زادا نافعا من الأذكار المأثورة . فمع التركيز على كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان نعطي للتسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة وسواها من الأذكار الواردة حقها، في أوقاتها، وبأعدادها، كما وردت في السنة.ونحفظ جوامع الذكر النبوية، ونحافظ على الأذكار الواردة عقب الصلوات، وفي الصباح والمساء، وعند الدخول والخروج، وعلى الأذكار الواردة في الاستعاذة، وعلى الأذكار غير المقيدة. يحفظ المؤمن منها ما تيسر تباعا. فقد جاءتنا من الحبيب صلى الله عليه وسلم كلمات محفوظة لكل مناسبات الحياة، ولكل منها فضيلة، ومن كل منها يسري إلينا مزيد من النور والإيمان.

3- التأسي بدعواته صلى الله عليه وسلم

رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمنا بالله، يعرف الخير فيدعو به والشر فيستعيذ منه. فنتبع كلماته الشريفة في الدعاء، كل دعاء بمناسبة، ونحفظ من ذلك نستكثر، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأدعية الجامعة، وأدعية المناسبات، وأدعية الأوقات، وأدعية أثناء العبادات، وأخرى في الأكل والشرب والعادات .ونحفظ أدعية القرآن مع الانتباه إلى مناسباتها، حتى نأخذها عن الله عز وجل، نتضرع إليه كما تضرع إليه أحبته التي واردها الحق سبحانه على لسانهم . فورودها تعليم لنا أن نكون له سبحانه عبيدا كما كان أنبياؤه وأولياؤه.

4- التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد

ما يكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تسلك طريق الشهادة اختراعا وابتداعا. إن الموت في الله، كالحياة في ظل شرع الله، أمر خطير .فلا نجاة إلا في إتباع المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرص على تصحيح النية والاتجاه، وفي الاعتماد على الله تعالى قبل الاعتماد على العدد والعدة .ثم في تطبيق أحكام القتال والسلم لكيلا يكون قتالا جاهليا، ثم في استيحاء الرجولة والشهامة والشجاعة التي برزت في صفوف المهاجرين والأنصار، وفي شخص الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه الإمام علي كرم الله وجهه: كنا إذا اشتد الكرب نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم). ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعظ منبر وكفى، ولا أمير في السلم وحده، ولا قعيدا بطينا . إنما كان المجاهد الكامل قاد الصفوف، ولبس اللامة والمغفر، وظاهر بين درعين (أي لبس درعا فوق درع). وحمل آلة الحرب، وقاتل، وجرح، وسقط في الحفرة، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم. ودخلت حلقتا المغفر في وجنته الشريفة. إنه صلى الله عليه وسلم المثل الكامل. فلكيلا نكون صورا ناقصة، لكي نكمل إيماننا، ليس أمامنا إلا طريق واحد: أن نتوج إيماننا بالجهاد، أن نبدأ بأعلى شعبة لا اله إلا الله ثم نجمع فيض سائر الروافد الإيمانية البضعة والسبعون، إلى أن يكتمل الإيمان، فتكون خير خاتمة له أن يصب في الشهادة في سبيل الله. قال رسول الله صلى عليه وسلم فيما رواه مسلم أبو داوود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: “من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق”. فالمطلوب إذن نصرة لحبيبنا وقدوتنا سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم هو تمسكنا بمحجته اللاحبة التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فبهذا التأسي نكون قد هزمنا الادعاء ونصرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام.