أما محبته عليه الصلاة والسلام فرزق يمن به الله على من يشاء من عباده، وأما آثار محبته على النفس فلا يدعين أحد الإحاطة بها وعدها بالكلمات والجمل.

أزهر والله قلب وتنور وصفا إن رسخت فيه المحبة الحقة لسيد الوجود صلى الله عليه وسلم. هي العروة الوثقى التي لا انفصام لها.

تاهت والله الأمة وتفرقت شذر مذر إن بقيت معاني الفناء في محبة الشخص الشريف لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غريبة لا تذكر إلا لماما وعلى استحياء، وزاد الطين بلة الخجل من ذكر ما أخبر به القرآن الكريم وصحيح السنة من جاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومكانته يوم البعث والجزاء…

مقفرة قاحلة يابسة طروحاتنا الفكرية وتشخيصاتنا إن كانت العقلانية في تصورنا وممارستنا ترادف طرح خبر الآخرة وما جاءت به آيات الكتاب جانبا.

يا من يتألم قلبه ويتحسر على نفوس متدابرة كلما اجتمعت على صالح عام تفرقت وتشرذمت لأتفه الأسباب. يا من أفنى عمره مناضلا يحدوه حلم جميل بمجتمع مؤسس على كرامة الإنسان ثم استفاق في شيخوخته وقد صدم بإخوان الأمس باعوا مبادئهم بثمن بخس وركنوا إلى ركن ردئ حسبوه رازقهم وحاميهم وكأن الله عز وجل لم يقل في محكم التنزيل إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات 58.

هلا راجعتُ وراجعتَ وراجعنا جميعا ماضينا وحاضرنا: ما كانت مكانة الشخص الشريف لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجالسنا؟ هل كانت حركاتنا الجمعية ومشاريعنا تستحضر لقاءنا به بعد الموت ومعاني قول الحق سبحانه: فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون التوبة آية 105.

رأسمال عظيم

من رحمة الحق سبحانه بأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن أصل المحبة مزروع في قلوب السواد الأعظم منها إلا من أبى… نعم إنه رأسمال عظيم بث في القلوب هدية من الله عز وجل لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإكراما له… تعال معي نطل بعيون المحبة وأقدامنا على الأعتاب الشريفة للحبيب المصطفي صلى الله عليه و آله وسلم لنرى كيف شهد عليه الصلاة والسلام بوجود المحبة في قلب من أتى كبيرة من الكبائر وفي عهد سادتنا الصحابة وبين ظهراني عمرانهم الأخوي رضي الله عنهم…

جاء في صحيح الإمام البخاري رضي الله عنه، في باب ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة من كتاب الحدود، عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به… فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تلعنوه فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله””.

إنه يحب الله ورسوله…

فلا ينصبن أحد نفسه على قلوب الناس قاضيا وخبيرا فيوزع نياشين القرب والبعد على من شاء كيف شاء ومتى شاء…

وهي دين بل سر الدين وأساسه

مفتاح ثان يضيء لنا الطريق ونفهم منه أن محبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دين، بل هي كنه الدين وروحه…

فإذا كانت مراتب الدين إسلاما ثم إيمانا ثم إحسانا ثم ترقبا للساعة فإن المفتاح والمرقاة هما معاني الدخول المتأدب على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتحري موافقة أمره ونهيه وما جاء به صلى الله عليه وسلم…

ففي صحيح الإمام مسلم رحمه الله “عن سيدنا عبد الله بن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم – وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

علمنا سيدنا جبريل عليه السلام في هذا الحديث بدخوله على النبي صلى الله عليه وسلم بثوب شديد البياض أن يكون دخولنا عليه صلى الله عليه وسلم بقلوب نقية من حسد الناس وكراهيتهم، ومن ادعاء شيء غير الحاجة والفقر إلى الله عز وجل… علمنا كذلك أن نجلس من حيث قلوبنا بأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم: فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه. علمنا كذلك أن نتهم آراءنا ومشاعرنا ونعرض حالنا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ونطلب إليه الدواء ثم نشربه ونصبر على ما في الاعتراف بالخطأ من مرارة، نعترف بأخطائنا وندين أنفسنا إن كان ما اقترفتاه مخالفا لما أمر به صلى الله عليه وسلم نسأله ونصدقه: قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه.

علمنا سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أن محبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والتأدب معه والنصيحة له هي صلب الدين والمرقاة إلى كمالاته ومفتاح خزائنه وخيراته.

ولو لم يكن الأدب والمحبة هما الدين، لتم الإخبار عن الإسلام والإيمان والإحسان بحديث كسائر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كلام يسكبه اللسان الشريف لسيد الوجود صلى الله عليه وسلم في قلوب الغر الميامين رضي الله عنهم فيؤمنون به ويصدقونه رضي الله عنهم. أما والمحبة والأدب عماد الدين فقد قضى ربنا سبحانه وتعالى أن ينزل الملك المطهر عليه السلام وُيعَيّش الصحابة رضي الله عنهم أشكال ومعاني الحب والأدب بموازاة مع تعريفهم بمراتب الدين والقرب من الحق سبحانه، وكأنه عليه السلام يقول لهم رضي الله عنهم ولنا من بعدهم إن خيرات الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان ثم الثبات وحسن الخاتمة، إن هذه الخيرات لا تحمل إلا على أواني الأدب والمحبة والتعظيم وصدق الطلب.

“فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

محبة شخصه الشريف عليه الصلاة والسلام دين…

كيف السبيل؟

نبقى مع معاني التعلم من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسؤاله عما ينفعنا بعد الموت وقبله ونقول: يا سيدينا يا رسول الله علمتنا – وأنت صلى الله عليك وسلم كمالُ الأدب – من خلال حديث سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أن محبتك وتعظيمك دين، فكيف السبيل إلى بلوغ ذلك؟ سيما وقد انتقلت عليك الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى بعدما انتهى وجودك الجسدي الشريف وبعدما بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين؟

أقل ما نعرب به لسادتنا أئمة الحديث رضي الله عنهم عن اعترافنا بجميلهم أن ندعو لهم بالخير كل يوم وأن نسأل الله تعالى أن يجعل كل أعمالنا الصالحة في موازين حسناتهم رضي الله عنهم…

“روى سيدانا الإمامان الترمذي وأبو داوود رحمهما الله في السنن عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل””.

الرجل على دين خليله ومحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم دين… فهلا نظرت من تخالل؟؟

يحتاج المتطلع إلى القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يخالل.

أمر نبوي صريح لكل منا أن يبحث عن الخلة الصالحة التي عليها يكون دينه.

أما من وفقه المحسن سبحانه إلى الصحبة الصالحة المصلحة فهنيئا وحذار.

هنيئا لك التحاقك بموكب الصالحين وحذار يا نفسي الخسيسة من الحور بعد الكور: “فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى” سورة النجم آية 32

وتسألني يا من يرى ربك تقلب وجهك في السماء: كيف السبيل؟

كيف السبيل إلى الصحبة الصالحة التي قصدها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله “من يخالل”؟

كيف السبيل والكلام كثير والناس في تدابر قد صاروا شيعا والدعوات تقف خلفها أهداف ونوايا الله تعالى أعلم بها؟

من يضمن لي العواقب والمآلات؟

يريحك مولاي ومولاك فينسب الأمر إليه سبحانه في قوله عز وجل: فلنولينك قبلة ترضاها.

اطمئن فإن الذي تريده سيوفقك إليه مولاك الذي لا تخفى عليه خافية ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

ويبين لي ولك ربنا سبحانه أكثر فيقول سبحانه: فول وجهك شطر المسجد الحرام

وكذلك كان الذي خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم كلما حزبه أمر فزع إلى الصلاة فولى وجهه الشريف شطر المسجد الحرام؟

تسحبك آيات الكتاب بلطف لتحرر سمعك القلبي من صخب العالم وهوس الدنيا وتسمعك كلام الله لتبلغك مأمنك: وإن يردك بخير فلا راد لفضله. سورة يونس آية 107….

ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها سورة فاطر آية 2 …

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له سورة الحج آية 73…

ألم يان لك أيها العابر إلى الآخرة أن تتوحد وجهتك وتكلم مولاك بصدق عارضا عليه حاجاتك العظمى موقنا أنه لن يقضيها إلا هو؟؟؟

الذي تنفعك مخاللته فردا كان أو جماعة خلقه الله سبحانه وتعالى ويعلم مستقره ومستودعه ومتقلبه ومثواه.

ماذا لو ناديت المجيب المغيث؟

“جاء في موطإ الإمام مالك رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له”. رواه البخاري ومسلم”.

فرب توجه صادق إلى المولى سبحانه في ثلث الليل الآخر تفتح به لي ولك أبواب الفوز بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم…

أيها المحب: أين غيرتك على أمته؟

ألا يا محب المصطفى زد صبابة *** وضمـخ لسان الذكر دأبا بطيبه
ولا تعبأن بالمبطلين فإنما *** علامة حب الله حـب حبـيبـه

كان بذل الجهد بصدق وتفان وإخلاص لتبلغ الرحمة المحمدية قلوب العالمين جميعا عملا يوميا وفريضة يؤديها سادتنا الصحابة رضي الله عنهم مسترخصين في سبيلها المهج والأموال والأوقات، إذ كان سيرهم القلبي رفقة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم سلوكا جماعيا جهاديا…

فكان القلب الشريف ولا زال النبع الفياض العذب لكل الخيرات والرحمات والنعم، لذا توحدت وجهات الصحابة رضي الله عنهم وانجمعت على الله عز وجل لاجتماعها برسول الله صلى الله عليه وسلم، كان سيرهم القلبي سلوكا للطريق إلى الله عز وجل بجناحي الصحبة والذكر تحركهما قوة الصدق…

و كان الترابط بين المؤمنين والتراحم بينهم والإيثار والإكرام والذلة وغيرها من أخلاق البر معالم بارزة في عبورهم الجماعي إلى الدار الفانية، إذ تعج كتب السيرة والحديث بمواقف لا تعد ولا تحصى كانت إسمنتا متينا لجماعة المؤمنين وللعمران الأخوي الأول وفق الله صادقي الأمة إلى الإبداع في البناء على منواله… وإن المتدبر للسيرة ليلفت انتباهه دون شك ذلك الجهد النبوي الكبير الذي خصص لتعليم الصحابة رضي الله عنهم كيف يحققون صفاء ذات البين وكيف يتعاونون على تعبيد أنفسهم لله عز وجل وكيف ينظر بعضهم إلى بعض نظرة تعظيم ومحبة وكيف يسدي بعضهم إلى بعض النصيحة النافعة لكن في أواني الرحمة والأدب…

فلما ذاقوا معاني وحقائق:

إنما المؤمنون إخوة الحجرات آية 10.

و: رحماء بينهم الفتح 29.

و: ولا تنسوا الفضل بينكم البقرة 237.

فهموا رضي الله عنهم عظمة قول الحق سبحانه:

“ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين” فصلت آية 33

فتللذوا بالاستجابة لمثل أمره عز وجل:

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. سورة آل عمران آية 104.

ذلك لنعلم أن خدمة أمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجمان صادق لحقيقة محبته

أيها المحب، يتألم نبيك صلى الله عليه وسلم عندما يرى بنات أمته عاريات تنتقلن بين الحانات مسترخصات أعراضهن وأعراض آبائهن وقد تُركن في طفولتهن للتلفاز ولم يسمعن عن نبيهن وعن الغاية من وجودهن في الدنيا إلا لماما في وقت كان يجب الحرص عليهن والأخذ بأيديهن برفق ليعرفن مخاطر الطريق وذئابه…

يتألم نبيك صلى الله عليه وسلم عندما يرى الأمهات من فقراء الأمة تفنين أعمارهن وتحرمن أنفسهن من كل متعة وتسهرن ليكبر أبناؤهن، ويدرس الأبناء وتشهد لهم الدولة بالنجاح والتفوق ثم يبقون دون مورد رزق عالة على آباء بلغوا من الكبر عتيا فيما المناصب العليا تسند لذوي المال والنفوذ…

يتألم نبينا صلى الله عليه وسلم دون شك عندما يرى آيات الكتاب تهجر فلا يحفظ لفظها ولا يتدبر معناها ولا يهتم بأمرها ونهيها إلا قلة مرحومة.

نعوذ بالله من أن نقول: هلك الناس… لكن حال أمتنا المرحومة مع كتاب الله لا يخفى إلا من مبادرات هنا وهناك تقبلها الله عز وجل وبارك فيها… إذ المطلوب أن تكون التلمذة لكتاب الله أصلا من أصول عبورنا القصير للدنيا: حفظ للفظ والخلق وتدبر للمعاني آلته اللغة العربية وتناصح بآياته وفوائده تؤسس عليه كل مجالسنا وتجمعاتنا.

كفى بالموت واعظا

لأبي البقاء الرندي رحمه الله:

لكل شيء إذا ما تم نقصان *** فلا يغــر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول *** من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد *** ولا يدوم على حال لها شأن
أين الملوك ذووا التيجان من يمن *** أين منهم أكاليل وتيجان
أتى على الكل أمر لا مرد له *** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
لكل شيء إذا ما تم نقصـان *** فلا يغــر بطيب العيـش إنسان
وكذلك ينشد لسان حال كل منا إذا انتهى عبوره القصير المؤقت للدنيا وأبصر استقراره النهائي في الآخرة سعيدا إلى الأبد أو شقيا إلى الأبد نسأل الله العافية…

يوم القــيامة لا مــال ولا ولد *** وضمة القبر تنسي ضمة العرس

رحم الله سيدنا الإمام الشافعي.

ألفنا أيها الأحباب أن ندعو لمن عاشرناهم في الدنيا إذا فرغنا من دفنهم وووريت جثامينهم رحمهم الله التراب، فهلا اغتنم كل منا الفرصة السانحة الذهبية مادام قبره لما يبتلعه فترحم على نفسه التي عن قريب توارى التراب لتبعث حية. هو ذا عمرك بين يديك – ونفسي أعني – اجعل كل حركاته وسكناته دعاء تترحم به على نفسك… استجب لأمر الحبيب صلى الله عليه وسلم: “فلينظر أحدكم من يخالل”، وقف على الباب واطلب إلى الله قلبا “شديد بياض الثياب” واغتنم الخلوات بعمل “لا يعرفه منا أحد” – ولا يطلع عليه منا أحد – ولا تشك من مشاق رحلة الدنيا وآلامها فكن رجلا “لا يرى عليه أثر السفر”… فإذا أذن لك العلى الوهاب تشرفت بالدخول المتأدب – من حيث القلب والمعنى – على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من صحبوه رضي الله عنهم… فأسندت ركبتي سيرك القلبي إلى ركبتي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريفتين ثم وضعت كفيك – وهما أداة بطشك – على فخديك امتناعا عن كل حركة إلا بإذن من صاحب الحقيقة والشريعة صلى الله عليه وآله وسلم…

ثم نظرت إلى نفسك وتذكرت معاصيك وتقصيرك في جنب الله عز وجل وتاق قلبك إلى الاستسلام إلى الله عز وجل فسألت: يا سيدنا يا نبي الله محمد صلى الله عليك وسلم: “أخبرني عن الإسلام”.

ثم تاقت نفسك إلى الإيمان بعدما علمت أنه البضاعة النافعة الخالدة فقلت: يا سيدنا يا نبي الله محمد صلى الله عليك وسلم: “أخبرني عن الإيمان”.

فدلك عليه الصلاة والسلام على أن لا إله إلا الله وصار إيمانك دائم التجدد بالإكثار من قول لا إله إلا الله وبمجالسة المقبلين على الله عز وجل…

ثم نظرت إلى نفسك فتقت إلى أن تكون عبدا حقا لله عز وجل، تقت إلى أن تسمى في الملإ الأعلى محسنا كما يحب الله تعالى، فسألت يا سيدنا يا نبي الله محمد صلى الله عليك وسلم: “أخبرني عن الإحسان”.

فعلمت أن مخلوقات تعيش حياتها الدنيا في عبودية لله عز وجل كأنها تبصره في كل حين مستحضرة اطلاعه الدائم عليها…

حتى إذا ذقت معاني الإحسان حرصت على الثبات وحسن الخاتمة واشتقت إلى اللقاء بمولاك فسألت: يا سيدنا يا نبي الله محمد صلى الله عليك وسلم: “أخبرني عن الساعة”.

ولا تكن في هذا أنانيا منعزلا قد جعلت صحبتك فردية، فقد قرر مولاك سبحانه – وإن كانت الصيغة أمرا – أن البر والتقوى لا بد لهما من تعاون: وتعاونوا على البر والتقوى الآية 2 من سورة المائدة، فقد علم سيدنا جبريل عليه السلام الصحابة الدين وهم جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليكن دخولك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين…

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.