تحل علينا أربعينية الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لتتجدد معها معاني الوفاء لهذه الروح الطاهرة، ويجدد أبناء الجماعة وبناتها العهد على خدمة هذا المشروع والثبات على الخط المنهاجي الذي سطره مؤسسها رحمة الله عليه. فهو رحمه الله وإن غيب الثرى جسده فتربيته متجسدة منحوتة في قلوب محبيه، وهو وإن قبض الموت نفسه فأنفاسه تسري حياة في أوصال جماعته. ثم إن مما ينبغي التنويه إليه أن من تمام النعم وكمال المنن أن خلف المؤسس المربي وراءه رجالا تسموا “مجلس الإرشاد” استأمنهم على هذا المشروع، فهم بقية من هذا الطود العظيم وأوعية استودعها تربيته وفكره ومنهاجه. لكنهم لم يكونوا ليحوزوا هذه المرتبة الرفيعة ويتحملوا هذه المسؤولية العظيمة لولا تحليهم بصفات وخصال حسبنا هنا أن نعرض بعضها:

ــ سابقة وصحبة: فقد سبقوا غيرهم في الاقتناع بهذا المشروع وحمل أعباء هذه الرسالة. ومن معاني السابقة: الإيقان حين يرتاب الناس، والإقبال حين يدبرون والبذل حين يبخلون، والصبر حين يجزعون… وهي قبل ذلك كله اصطفاء واختيار من البارئ سبحانه.

وليت شعري حين يذكر ما بذله الصاحبان الأولان للمرشد -رحم الله الجميع- وبعدهما جيل التأسيس في وقت عز فيه من يأوي وينصر ويبلغ ويحتضن. فكان أن منحتهم هذه السابقة شرف المجالسة المباشرة والصحبة الملازمة للمرشد رحمه الله، فتوجه إليهم بالرعاية الأبوية والتربية الرحيمة والتعهد الدائم ليصنعوا على عينيه، وتنمو فسيلة الإيمان في قلوبهم حتى صارت دوحا عظيمة تسر الناظرين وينتفع بثمارها المحبون.

ابتلاء واحتساب: وهي صفة لازمة للأولى، فشرف السابقة لا يعني الركون للعافية والسلامة، بل هي محن وابتلاءات، خاصة وأن الأمر يتعلق بصحبة رجل بدأ دعوته صادعا بكلمة الحق كاملة غير منقوصة، وكانت سيرته مدرسة جهادية لا يثبت معها إلا الصادقون ولا يصمد فيها إلا الموقنون.

فرشح هؤلاء الرجال أنفسهم لنصرة هذه الدعوة المحاصرة المحاربة، فنالهم مما نال قائدهم من كيد الكائدين وبطش الظالمين، فاحتسبوا البلاء عند الله تعالى، ولم يفت السجن أو التضييق في عضدهم بل ثبتوا على الطريق واقتفوا الأثر. يصف المرشد رحمه الله المومن الشاهد بالقسط بقوله: هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس ولا يقعقع له بالشنان… إنه تغيير واقع أمة فلابد له من أوتاد يمنعون الخيمة أن تعصف بها الرياح) 1 .

استمرارية عطاء: لأن الصدق عربونه الدوام، فأحبتنا في مجلس الإرشاد لم يألوا جهدا في نصرة هذه الدعوة بكل الإمكانات، وقدموا لنا النموذج من أنفسهم في بذل كل غال ونفيس لخدمة هذا المشروع، فكانوا للأستاذ المرشد رحمه الله نعم المعين على حمل الأعباء وإنجاز المهمات. ومن سمات عطائهم هذا أنه لم يكن موسميا لحظيا بل مستمرا ممتدا عبر مسيرة الجماعة وعند أشد اللحظات وفي أصعب المحطات.

مجموع وتخصص: لقد منحت سابقة الانتماء لهؤلاء الرجال فرص النهل من مدرسة الصحبة والجماعة؛ استمدادا من تربية المرشد رحمه الله واستنارة بفكره واقتداءا بسلوكه. كما كان لتقلبهم في مختلف المسؤوليات والمستويات التنظيمية الأثر البليغ في تحصيل مجموع فريد، يرجع الفضل فيه إلى ضخامة مشروع العدل والإحسان نظرية وتنزيلا وممارسة فضلا عن ملامسته لكل المجالات الدينية والإنسانية والاجتماعية والمعرفية…

غير أنهم لم يخرجوا عن سنة الله في خلقه التي أقرت أن ما من عبد لله إلا وأعطاه الله تبارك وتعالى المنعم خصوصيات في الجسم والعقل وقابليات الإيمان والإحسان) 2 . لذلك نجد منهم علماء الشريعة وفقهاء التربية والمتخصصين في السياسة والمبرزين في فنون التدبير والتسيير… لهذا فعندما يضاف هذا التميز الفردي إلى الرصيد المشترك يؤول الأمر إلى فريق منسجم في التصور موحد في الفهم ومتعدد التخصصات ومتكامل في الأدوار.

زهد في المناصب: صفة هي بلا شك علامة واضحة على رسوخ القدم في أرض التربية، وهي اختبار حقيقي لصدق النية وسمو القصد. ولعمري كم كان جواب الأمين العام للجماعة دالا على هذا المعنى حين سئل عن إمكانية توليه هذا المنصب حيث قال: أنا رجل بسيط جدا لا يملك مؤِهلات قيادة جماعة العدل والإحسان)، ولم يكن هذا الرد بالأمر الغريب عن رجل تخرج من مدرسة تربوية غايتها نيل رضى الله تعالى، وقصدها رفع الهمم للترقي في مدارج الإحسان والسمو بها عن التنازع على المناصب والزعامات.

لقد تغيت هذه المقالة الاعتراف ببعض أفضال هذه الثلة من المومنين، مما يستوجب لهم حق الدعاء والمحبة والولاية في الله، لأن صرح الجماعة شيد بسواعدهم، وفضلهم على أجيال العدل والإحسان لا ينكره إلا جاحد. يقول الأستاذ المرشد رحمه الله تعالى في آخر كتبه المنشورة إلى حد الآن: مرحلة تأسيس الجماعة تبرز أشخاصا يملكون من خصال الشجاعة في الحق والدراية بالواجب الشرعي والغيرة على مصير الأمة ما يؤهلهم للقيادة تأهيلا أصيلا فهم آباء الجماعة وأمهاتها. وعن جدارة واستحقاق، ونتيجة لسابقتهم الجهادية تبوأوا الصدارة) 3 .


[1] المنهاج النبوي، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 54.\
[2] المنهاج النبوي، للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 51.\
[3] جماعة المسلمين ورابطتها، للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 93.\