قال القاضي عياض رحمه الله في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى):

اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، الباحث عن تفاصيل جمال قدره العظيم أن خصال الجلال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله، ويقرب إلى الله تعالى زلفى.

ثم هي على فنين أيضاً: منها ما يتلخص لأحد الوصفين. ومنها ما يتمازج ويتداخل.

فأما الضروري المخص فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه، من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه، وماله وجاهه.

وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقوانين الشريعة.

وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والأداب الشرعية: من الدين والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والمروءة، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة، وأخواتها، وهي التي جمعها حسن الخلق.

وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة وأصل الجبلة لبعض الناس.

وبعضهم لا تكون فيه، فيكتسبها، ولكنه لابد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء الله.

وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة، ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة، وإن اختلفوا في موجب حسنها وتفضيلها.

إذا كانت خصال الكمال والجمال ما ذكرناه، ووجدنا الواحد منا يشرف بواحدة منها أو باثنتين – إن اتفقت له – في كل عصر، إما من نسب أو جمال، أو قوة، أو علم، أو حلم، أو شجاعة، أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك قي القلوب إثرة وعظمة، وهو منذ عصور خوال رمم بوال، فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد، ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة والرسالة، والخلة والمحبة، والاصطفاء والإسراء والرؤية، والقرب والدنو، والوحي، والشفاعة والوسيلة، والفضيلة والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة والمكانة عند ذي العرش والطاعة ثم، والأمانة والهداية ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضا والسول، والكوثر، وسماع القول، واتمام النعمة والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، وإحياء الموتى، وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القلي ل، وانشفاق القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب، والإطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصا، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس، إلى ما لا يحويه محتفل، ولا يحيط بعلمه إلا مانحه ذلك ومفضله به، لا إله غيره، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول ويحار دون أدانيها الوهم.

وفيما يلي نقتصر على عرض صفاته الخلقية عساها تقربنا أكثر منه وتزيدنا محبة له وتوقيرا لذاته الشريفة. صلى الله على سيدنا محمد في الأولين والآخرين عدد نجوم السماء وأوراق الشجر وحبات الرمل وعدد ما يستحق منا.

اسمه صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي” 1 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا تعجبون كيف يصـرف الله عني شتم قريش، ولعنهم؟ يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد”.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم” 2 .

وقال صلى الله عليه وسلم: “تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم” 3 .

لونه صلى الله عليه وسلم

عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما على وجه الأرض رجل رآه غيري قال: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا” 4 .

وعن أنس رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم” 5 . والأزهر: هو الأبيض المستنير المشرق، وهو أحسن الألوان.

وعن أبي الطفيل رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مليحًا مقصدًا” 6 .

وعن أبي جحيفة رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض قد شاب” 7 .

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مشربًا بياضه حمرة” 8 .

وجهه صلى الله عليه وسلم

كان الرسول عليه الصلاة والسلام أسيَل الوجه، مسنون الخدين ولم يكن مستديرًا غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة، وهو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء، مليحًا كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه.

وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر” 9 .

وعن أبي إسحاق قال: “سُئل البراء أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر” 10 .

وقال أبو هريرة: “ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه”.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان (مقمرة)، وعليه حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر”.

جبينه صلى الله عليه وسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل الجبين” 11 ، (الأسيل: هو المستوي).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان صلى الله عليه وسلم أجلى الجبهة، إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع في فلق الصبح، أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس تراءوا جبينه كأنه ضوء السرج المتوقد يتلألأ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم واسع الجبهة “ 12 .

عيناه صلى الله عليه وسلم

“كان النبي صلى الله عليه وسلم أكحل العينين أهدب الأشفار إذا وطئ بقدمه وطئ بكلّها ليس له أخمص إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة” 13 وكان صلى الله عليه وسلم “إذا نظرت إليه قُلت أكحل العينين وليس بأكحل” 14 .

وعن علي رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم العينين، هَدِبُ الأشفار، مشرب العينين بحمرة” 15 . ومعنى مشرب العينين بحمرة: أي عروق حمراء رقاق.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين وليس بأكحل صلى الله عليه وسلم” 16 .

أنفه صلى الله عليه وسلم

يحسبه من لم يتأمله أشمًا ولم يكن أشمًا وكان مستقيمًا، أقنى أي طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته (الأرنبة هي ما لان من الأنف).

خـدّاه صلى الله عليه وسلم

عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياض خده” 17 .

قال يزيد الفارسي رضي الله عنه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميل دوائر الوجه” 18 .

رأسه صلى الله عليه وسلم

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس” 19 .

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الهامة” 20 .

فمه وأسنانه صلى الله عليه وسلم

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم.. قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم” 21 .

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضليع الفم (أي واسع الفم) جميلهُ، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان وسيمًا أشنب أبيض الأسنان مفلج (متفرق الأسنان) بعيد ما بين الثنايا والرباعيات، أفلج الثنيَّتين (أي الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت) إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه”.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين، إذا تكلم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه” 22 .

وأفلج الثنيتين أي متفرق الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت.

سمعه صلى الله عليه وسلم

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: “من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟”. فقال رجل: أنا. قال: “فمتى مات هؤلاء؟”. قال: ماتوا على الإشراك. فقال: “إن هذه الأمة تبتلى في قبورها. فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه”” 23 .

صوته صلى الله عليه وسلم

عن أم معبد رضي الله عنها، قالت: “كان في صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم صهل” 24 .

عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، قالت: “إني كنت لأسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي” 25 . يعني قراءته في صلاة الليل.

ريقه صلى الله عليه وسلم

لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه الشريف، ومن ذلك أن ريقه صلى الله عليه وسلم فيه شفاء للعليل، ورواء للغليل وغذاء وقوة وبركة ونماء… فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرئ من ساعته!

جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها، فقال صلى الله عليه وسلم: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه.

فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، فبرئ كأنه لم يكن به وجع… “

وعن يزيد بن أبي عبيد قال: “رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة… فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة” 26 .

وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال: “أصيبت عين أبي ذر يوم أحد فبزق فيها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أصح عينيه” 27 .

عنقه ورقبته صلى الله عليه وسلم

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “كأن عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبريق فضة” 28 .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان أحسن عباد الله عنقًا، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر” 29 .

منكِباه صلى الله عليه وسلم

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين” 30 .

والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافيًا للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين عظيمين.

كفاه صلى الله عليه وسلم

عن أنس أو جابر بن عبد الله: “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضخم الكفين لم أر بعده شبهًا له” 31 .

لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رحب الراحة (أي واسع الكف) كفه ممتلئة لحمًا، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت لَيِّنَة أي ناعمة.

وعن أنس رضي الله عنه قال: “ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم” 32 .

وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء… وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه، فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك” 33 .

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: “صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جونة عطار” 34 .

وعن عبد الله بن مسعود قال: “كنا نَعُد الآيات بَركة، وأنتم تَعُدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقَلَّ الماء، قال عليه الصلاة والسلام: اطلبوا لي فضلة من ماء. فأدخَل يده في الإناء وقال: حَيّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله. ويقول ابن مسعود: لقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل” 35 .

عن إياس بن سلمة، حدثني أبي، قال: “غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً إلى أن قال: ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء.. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: “شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة” فولوا مدبرين” 36 .

صَدره صلى الله عليه وسلم

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء البطن والصدر، عريض الصدر” 37 .

قالت عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عريض الصدر ممسوحة، كأنه المرايا في شدتها واستوائها، لا يعدو بعض لحمه بعضًا، على بياض القمر ليلة البدر، موصول ما بين لبته إلى سرته شعر منقاد كالقضيب، لم يكن في صدره ولا بطنه شعر غيره” 38 .

ساقاه صلى الله عليه وسلم

عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: “… وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه” 39 .

قدماه صلى الله عليه وسلم

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم خمصان الأخمصين (الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك منه مرتفع) مسيح القدمين (أي ملساوين ليس في ظهورهما تكسر) وسشن الكفين والقدمين (أي غليظ الأصابع والراحة)” 40 .

وكان صلى الله عليه وسلم أشبَهَ النَّاس بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان تشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء في وصف سيدنا إبراهيم عليه السلام: “ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به” 41 .

وكان أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي الصحابي الجليل، يقول: ما رأيت شبهًا كشبه قدم النبي صلى الله عليه وسلم بقدم إبراهيم التي كنا نجدها في المقام.

قامته وطوله صلى الله عليه وسلم

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير” 42 .

مشيته صلى الله عليه وسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “ما رأيتُ شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّما الأرض تطوى له، إنَّا لَنُجهد أنفسنا وإنَّه غير مكترث”.

وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى تَكَفَّأ (أي مال يميناً وشمالاً ومال إلى قصد المشية) ويمشي الهُوَينا (أي يُقارِب الخُطا).

وعن ابن عباس رضي الله عنه “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى، مشى مجتمعًا ليس فيه كسل” 43 ، (أي شديد الحركة، قوي الأعضاء غير مسترخ في المشي).

التفاته صلى الله عليه وسلم

كان صلى الله عليه وسلم إذا التفت التفت معًا أي بجميع أجزائه فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء لما في ذلك من الخفة وعدم الصيانة وإنّما كان يقبل جميعًا ويُدبِر جميعًا لأن ذلك أليَق بجلالته ومهابته هذا بالنسبة للالتفات وراءه، أمّا لو التفت يمنة أو يسرة فالظاهر أنه كان يلتفت بعنقه الشريف.

خاتم النبوة

هو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون، وفي رواية أنه كان أحمر، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، وورد أنه كان على أعلى كتف النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر.

عن جابر بن سمرة قال: “رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، غُدة حمراء مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.”

رائحته صلى الله عليه وسلم

عن أنس رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشا تكفأ، وما مسحت ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكاً ولا عنبرًا أطيب من رائحة النبي صلى الله عليه وسلم”.

وعن أنس أيضًا قال: “دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال (أي نام) عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي بقارورة فجعلت تَسلُتُ العَرَق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله في طيبنا وهو أطيَب الطيب” 44 .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه، وإذا وضع يده على رأس صبي فيظل يومه يُعرَف من بين الصبيان بريحه على رأسه.

يقول جابر بن سمرة: ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقًا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، وقد كنت صبيًا – فمسح خدي فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جونة عطار.

كلامه صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي، لذلك كان يقول لعبد الله بن عمرو: “اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق”.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينما أنا نائم رأيتني أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي” 45 .

وكان كلامه صلى الله عليه وسلم بَيِّن فَصْل ظاهر يحفظه من جَلَس إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح: “كان يُحَدِّث حديثاً لو عَدَّه العادُّ لأحصاه”.

“وكان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لِتُعقَل عنه” 46 .

ضحكه صلى الله عليه وسلم

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تَبَسُّماً، وكنتَ إذا نظرتَ إليه قُلتَ أكحل العينين وليس بأكحل” 47 .

– وعن عبد الله بن الحارث قال: “ما رأيتُ أحداً أكثر تبسمًا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحَدِّث حديثاً إلا تبَسَّم وكان مِن أضحك الناس وأطيَبَهم نَفسًا”.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا ضحك بانت نواجذه أي أضراسه من غير أن يرفع صوته، وكان الغالب من أحواله التَّبَسُّم.

يقول خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلاً، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيراً له واقتداءً به.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر” 48 .

خاتمه صلى الله عليه وسلم

كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، نقش عليه من الأسفل إلى الأعلى “محمد رسول الله”، وذلك لكي لا تكون كلمة “محمد” صلى الله عليه وسلم فوق كلمة “الله” سبحانه وتعالى.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه ختم، فاصطنع خاتمًا، فكأني أنظر إلى بياضه في كفه” 49 .

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: “اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورِق (أي من فضة) فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر ويد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس”.

)لا خفاء على القطع بالجملة أنه صلى الله عليه وسلم أعلى الناس قدراً، وأعظمهم محلاً، وأكملهم محاسن وفضلاً، وقد ذهب في تفاصيل خصال الكمال مذهباً جميلاً شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صلى الله عليه وسلم تفصيلا… فاعلم نور الله قلبي وقلبك، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك، أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة في جبلة الخلقة وجدته حائزاً لجميعها، محيطاً بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك، بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع.


[1] رواه مسلم.\
[2] رواه مسلم.\
[3] رواه مسلم.\
[4] رواه مسلم.\
[5] رواه البخاري ومسلم.\
[6] رواه مسلم.\
[7] رواه البخاري ومسلم.\
[8] رواه أحمد والترمذي والبزار وابن سعد وأبو يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\
[9] رواه البخاري ومسلم.\
[10] رواه البخاري.\
[11] أخرجه عبد الرازق والبيهقي ابن عساكر.\
[12] رواه البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر.\
[13] البيهقي وحسنه الألباني.\
[14] رواه الترمذي.\
[15] رواه أحمد وابن سعد والبزار.\
[16] رواه الترمذي وأحمد وأبو يعلى والحاكم والطبراني في الكبير.\
[17] أخرجه ابن ماجه وقال مقبل الوادي هذا حديث صحيح.\
[18] رواه أحمد.\
[19] رواه أحمد والبزار وابن سعد.\
[20] رواه الطبراني في الكبير والترمذي في الشمائل.\
[21] رواه مسلم.\
[22] رواه الدرامي والترمذي في الشمائل.\
[23] رواه مسلم.\
[24] رواه الطبراني في الكبير والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\
[25] رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم والطبراني.\
[26] أخرجه البخاري.\
[27] أخرجه البخاري.\
[28] أخرجه ابن سعد في الطبقات والبيهقي.\
[29] أخرجه البيهقي وابن عساكر.\
[30] رواه البخاري مسلم.\
[31] أخرجه البخاري.\
[32] أخرجه البخاري ومسلم.\
[33] أخرجه البخاري.\
[34] أخرجه مسلم.\
[35] رواه البخاري.\
[36] أخرجه مسلم.\
[37] رواه الطبراني والترمذي في الشمائل.\
[38] رواه ابن نعيم وابن عساكر والبيهقي.\
[39] أخرجه البخاري في صحيحه.\
[40] رواه الترمذي في الشمائل والطبراني.\
[41] صحيح البخاري.\
[42] رواه البخاري ومسلم.\
[43] رواه أحمد.\
[44] رواه مسلم.\
[45] مسند الإمام أحمد.\
[46] رواه البخاري.\
[47] حسن رواه الترمذي.\
[48] رواه عبد الرزاق في مصنفه.\
[49] رواه الترمذي في الشمائل والبخاري ومسلم.\