رسالة مفتوحة لملك المغرب. كتبها الإمام عبد السلام ياسين إلى الملك الحسن الثاني، سنة 1394 ه الموافق لـ1974 م.

لفهم مرمى الرسالة، لا بد من التعرف على المرسل والمرسل إليه، ومعرفة ظروف الإرسال… كل ذلك يمكن الأجيال اللاحقة التي لم تزامن الإمام أن تدرك عمق الرسالة. فذاكرة الشعوب سريعة النسيان، والقذف والافتراء والإشاعات المغرضة تشوش على مضمون الرسالة، وعدم معرفة إحدى حلقات الحدث تقزمه أو تلغيه. لذا وجب التوضيح والتبيان، خاصة ممن عاش الحدث وعانى من تبعاته.

المرسل

الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يعرف نفسه بنفسه: أنا عبد الله المذنب ابن فلاح بربري نشأ في القلة والحرمان المادي، ثم قرأت القرآن فهو كان بحمد الله ولا يزال قراءتي الحقيقية الوحيدة. ودرست تلميذاً لعلمائنا في المعهد الديني. ولم ألبث أن طلبتُ معرفة أوسع من النقول التي تعيش عليها معاهدنا الدينية. فدخلت إلى الثقافة الأجنبية من المدخل الصعب، من المجهود الفردي، حتى نلت منها ما جعل أقراني يضعونني موضع الشاب النابغ. وجاء الاستقلال فوجدني في منصب مسؤولية إقليمية في التعليم. فعاصرت الأقدمين يافعاً، وعاصرت نشأة الفساد الإداري في مراحله كلها منذ الاستقلال. فإن تحدثت عن العلماء فعن معرفة ومخالطة ومشاركة، وإن تحدثت عن المغرب وشبابه ورجاله وإدارته فعن خبرة سبع وعشرين سنة كنت فيها معلماً، وإدارياً، وخبيراً).

كما أن الإمام المجدد يعرض على الملإ، دون خشية التصنيف من كل وجهات النظر السائدة المتضاربة ببلادنا، تجربته الشخصية وحقيقة “ميلاده الروحي” وعتق رقبته من الجهل والإسلام الموروث المجهول إلى طريق الحق والحياة، لأن الله- يقول الإمام-: وهبني بعد وفاة شيخي منذ ثلاث سنوات ما يقصده المريدون من الصحبة).

تصديق الصاحب

الصاحب: رجلان أسماهما الإمام المجدد بعد رحيلهما “الأحمدان”، الجبلان الشامخان: الأستاذ الصابر سيدي أحمد الملاخ والأستاذ المجاهد سيدي محمد العلوي السليماني، رحم الله جيل الصحبة الصادقة ورموز الوفاء الخالد.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (6)

رجلان، ركبا السفينة مع الإمام القائد، دون تردد أو تباطؤ أو خشية من طوفان بحر، دعيا لركوبه، ولبيا داعي الله: “يا بني اركب معنا”.

علما أن الظرف عصيب والمآزر يكاد ينعدم، ومن يفهم الرسالة قليل، وحتى من فهم الرسالة وأخضعها لميزان العقل بدت له تهورا و”أحلاما دونكيشوطية”….

الأستاذ المجاهد سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله، كان يبلغ 43 سنة، كان مديرا لمدرسة الإمام الجزولي بمراكش- حيث طبعت الرسالة بوسائل تقليدية-. كانت وضعيته الاجتماعية مستقرة أب لخمسة أبناء في زهرة عمرهم. رجل محب للإمام، ثقته به لا متناهية.

الأستاذ الصابر سيدي أحمد الملاخ رحمه الله كان يبلغ 33 سنة، كان أستاذا للغة الفرنسية بثانوية أبي العباس السبتي بمراكش. اختار طريقا يصعب على أي شاب السعي فيه، خاصة وأنه كان على مشارف مناقشة الدكتوراه حول تاريخ الزوايا بالمغرب بجامعة السوربون بباريس مع الدكتور أركون. أب لخمسة أطفال -كبيرهم عشر سنوات- وترك زوجا حاملا. لكن الشاب المحب لم يلتفت عن الإمام.

انخرط الأحمدان في مشروع الإمام، وحملا معه المشعل صدقا وتصديقا. فكانت محنة الاعتقال متبوعة بمنحة الصحبة الصالحة.

خمسة عشر شهرا في الدهاليز المظلمة لانتزاع اعترافات… فترة عصيبة على الشيخين 1 في عتمة ظلمة بالليل والنهار، معصوبي العينين ومكبلي اليدين، في مساحة مترين مربعين وتغذية رديئة جدا، وظروف صحية قاسية، خاصة وأن سيدي محمد العلوي كان يعاني من أزمات ربو حادة والسيد الوالد أحمد الملاخ كان يعاني من داء السكري يدخله في غيبوبات طويلة المدى نتج عنها نزيف دماغي وضعف شديد في البصر…

وأذكر هنا شهادة لأحد رفاق الاعتقال فيهما، قال: … ذهبت عند العلوي والملاخ في فترة عزمت الدولة طي صفحة الماضي والتي يصطلح عليها بسنوات الرصاص، وذلك من أجل تعبئة مطبوع التعويضات، فكان جوابهما ما يلي: انخراطنا في رسالة الإسلام أو الطوفان مع السيد عبد السلام، وما أعقب ذلك من محنة الاعتقال ومضاعفة حدة المرض… كان منحة ربانية عظيمة فيها ما لا تدركه الأبصار ولا العقول، فلا مجال للمقارنة بين تعويض الفاني مع تعويض الباقي، تجارتنا كانت ومازالت مع الله ونسأل الله أن تبقى مع الله…) 2 .

رحم الله الأحمدان أهل الوفاء، المتجاوران اليوم في روضتهما، وأسأل الله لهما وللإمام جوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمةظرف رسالة الإسلام أو الطوفان (4)

الرسالة الخالدة

“الإسلام أو الطوفان”: رسالة ليست ككل الرسائل، خاصة وأن ملوك وأمراء عالمنا الإسلامي اعتادوا على فتح بريد تصل فيه رسائل التبجيل والتمجيد. حرص الإمام رحمه الله أن تقع بين يدي الأمة -العلماء والنخب السياسية والمثقفون وعامة الشعب- قبل أن تصل إلى من يهمه الأمر.

“الإسلام أو الطوفان”: حدث عظيم عرفه التاريخ المعاصر، لكن عددا من المؤرخين يحاولون القفز على هذه المرحلة من تاريخ المغرب. أما من يذكر الحدث منهم، يذكره باحتشام وبصوت خافت، ويقدم الرسالة على شكل صورة باهتة قاتمة اللون في زواياها، لا يستطيع المرء اكتشاف أبعادها وعمق مضمونها. يؤدي ذلك إلى جهل المنطلق الذي يرتكز على النصيحة وبالتالي عدم إدراك الغاية التي تنشد بناء مجتمع العمران الأخوي.

عندما نقف اليوم مع رسالة “الإسلام أو الطوفان”، بعد رحيل الإمام المجدد ومع من طبعها بعد مرور 38 سنة، ليس من أجل الثراء الفكري والمعرفي، أو من أجل تسجيل اسم الإمام في سجل عظماء التاريخ… إنما نتذكر الحدث العظيم من أجل:

إبراز المنعطف التاريخي في حياة الإمام رحمه الله.فهم الحدث وتسليط الأضواء على المستقبل.تنوير الأجيال التي تأتي بعده، ببعد نظرته المنهاجية التي تطورت من الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي.استيعاب مشروع الإمام لبناء دولة القرآن، الذي كان كلمة فدعوة وتربية وتنظيما وزحفا.

“الإسلام أو الطوفان”: رسالة حدث قوي، تتجلى قوته في ثلاثة عناصر: المرسل- المرسل إليه- الرسالة. أما ما يزيد هذه القوة تميزا: “ظرف الرسالة” وما يزيدها توهجا: “صدق المرسل” وما يزيد هذه القوة شدة: “تصديق الصاحب”.


[1] كما ذكر عبد القادر الشاوي في كتابه “كان وأخواتها”، حيث يحكي محنته في معتقل مولاي الشريف ولقاءه بالشيخان، يقصد الأستاذ محمد العلوي وأحمد الملاخ رحمهما الله.\
[2] شهادة محمد المنوزي في الأحمدين في حفل تأبين الإمام المجدد رحمه الله في مراكش، يناير 2013.\