قال الله سبحانه وتعالى: لقد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، قال أبو جعفر الطبري رحمه الله في تفسيره: (يعني بالنور، محمدا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به) 1. هكذا هو السراج المنير الهادي البشير صلى عليه وسلم، النعمة العظمى والمنة الكبرى للناس أجمعين، يطرب القلب إذا ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، وتسكن الروح إذا جلست للصلاة عليه، تشرق فيك الأنوار وتظهر عليك السكينة والوقار، ألم يقل عليه أفضل الصلاة والسلام “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا” 2، صلاة هي نور وهي إخراج من الظلمات، ألم يقل الكريم الوهاب حاثا منبها مرغبا لمن آمن بالسراج المنير والهادي البشير، حتى يكثر من الصلاة على الحبيب لعله بذلك يطيب ومن سلك طريقه لن ولا يخيب قال الله عز وجل هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور 3.

كلما حل الربيع النبوي، عادت النفحات، وأشرقت الأرض والسموات، فهي تدرك قدر المولود وفضله على الوجود، سيد ولد آدم، له من الأسماء والصفات ما خصه الله به دون الخلق أجمعين، التكني بها بركة والتخلق بها دليل محبة ربنا التواب، قال الله تعالى في محكم الكتاب قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله 4، من سار على منهاجه وصل، وبالكمالات ظفر.

ذكرى الولادة، قافية المحبين وأحباب الله الصالحين، تحركت فيها مهجهم فكانت شعرا ونثرا، غايتهم القرب من الحبيب صلى الله عليه وسلم، والظفر بملازمة النبي العاقب، سيد أهل المناقب بل الأصل الأصيل في المناقب، فكل منقبة هي من مشكاته صلى الله عليه وسلم، وكل محمدة لا تصح إلا إن كانت مطابقة لسننه، هو أحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم وكذلك الممجد.

في الربيع الأول، ولدت البشارة والسعد، جاء الرؤوف الرحيم، حل بكم صاحب لواء الحمد وصاحب المقام المحمود، إن كان الفرح يحق له أن يكنى فرحا فبالاحتفاء به يتحقق ذلك، وهو زاد لكل سالك، في محبته كان الشفا 5، عرف فيه القاضي عياض 6، بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي محبته كانت البردة، بردة ابن أبي سلمى والبصيري وشوقي 7، كلهم في ربيع ولادة النور نظموا شعرا لا بل قل مدحا أو شوقا، مهما قلت وقالوا في الحبيب صلى الله عليه وسلم لم يوفوا، فهو الكمال بعينه، وهو الجمال في تمامه، يكفي أن الشمس كانت تستحيي من ضياء وجهه.

أطل شهر النور والبشارة والسرور بولادة كمال النور، فيه يحلو اللقاء والفرح والابتهاج، نحيي فيه ما أندرس من الشمائل، ونجدد فيه العهد مع أبي القاسم صلى الله عليه وسلم أننا على العهد ماضون وبمنهاجك مستمسكون وبشرعة الرفق متخلقون.

أطل شهر النور، وحال الأمة إلى خير، قامت من سباتها لتطهر الأرض من ظُلاَّمها، وهي إلى ربها عائدة، تريد أن تتوب وإلى ربها تؤوب، لم تعد ترضى بالمذلة والهوان ونبيها سيد ولد عدنان، وهي التي أخرجها الله للعالمين رحمة من رحمة الله المهداة، لا ترضى بغير نبيها قائدا، حبه منتهى المنى، هديه ركب الفلاح، نوره بالخير لاَحَ، وعده وعد الصدق، ما نطق صلى الله عليه وسلم إلا بالصدق، شهد الله وهو الله ذو الجلال قائلا في محكم الآيات البينات وما ينطق عن الهوى 8 ، بشر بصبح قريب ذاك قول الله الرقيب إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب 9 .

أطل شهر النور، فالحمد لله ذي الجلال، وصلى الله على النبي الكمال صلى عليه وسلم، دعاؤنا دوما سرمدا، يا رب يا رب يا كريم، اجمعنا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم سيد أهل التقى، شربة من حوضه مع آل بيته والصحابة الغر الكرام وياسين المرشد الإمام، تحت ظل عرش الله الرحيم، نظرة لوجه الله الكريم، أجزل لنا العطاء، هكذا شهر النور أطل علينا بالسرور، فلك ربي الحمد بداية ونهاية ودائما إلى يوم النشور.


[1] تفسير الإمام الطبري، المجلد العاشر الصفحة 144، سورة المائدة الآية 15.
[2] الحديث رواه الامام مسلم في صحيحه (384).
[3] سورة الأحزاب الآية 43.
[4] سورة آل عمران الآية 31.
[5] كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى.
[6] الإمام القاضي عياض اليحصبي، ولد عياض في منتصف شعبان عام 476 هـ (1083م وتوفي ليلة الجمعة التاسعة من جمادى الآخرة من عام 544 هـ (1149م).
[7] كتبها محمد بن سعيد البوصيري في القرن السابع الهجري الموافق القرن الحادي عشر الميلادي، كعب بن زهير (26 هـ = 646م) مبدع “بانت سعاد “، عفا عنه النبي صلى عليه وسلم وألبسه بردته الشريفة، أحمد شوقي علي أحمد شوقي بك (1868[1] – 13 ديسمبر 1932)، صاحب البردة كذلك مجاراة للإمام البصيري.
[8] سورة النجم الآية 4.\
[9] سورة هود الآية 81.\