سبق ليومية العلم، ضمن ركن العلم التربوي ليوم الأربعاء 2 يناير 2013، أن أجرت حوارا مع الدكتور محمد سلمي، أستاذ بجامعة ابن طفيل وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول واقع المدرسة المغربية. نعيد نشره:

يرى الكثيرون أن مشكلة الإصلاحات التعليمية والتربوية بالمغرب، تعود بالأساس إلى كونها اعتمدت على العموم المدخل التعليمي- التربوي كما لو كان مدخلا مستقلا ومعزولا عن غيره من المداخل في مقاربة قضايا التنمية والتأهيل الاجتماعي للمواطنين، من وجهة نظر سوسيولوجية كيف تنظرون إلى هذا المعطى؟

الإصلاح الحقيقي لقطاع التربية والتعليم لن يكون إلا في سياق إرادة سياسية جادة للنهوض بالمجتمع. وهذه بدورها ثمرة تحول جدري يخرج البلاد من مسرحية الديمقراطية إلى ديمقراطية جديرة بهذا الاسم، تفرز صناديق الاقتراع في ظلها نخبا سياسية ذات برامج تستجيب لطموحات المجتمع وتعكس إرادته. فيسمح لصاحب البرنامج أن يباشر تطبيقه، مستعينا بأهل الاختصاص في البلد وخارجه، ويساءل عن الشاذة والفاذة فيه… في غياب هذه الإرادة، وغياب هذا التحول الجذري، تبقى “الإصلاحات” المتعاقبة في مجال التعليم بالمغرب بدون جدوى، بل مكرسة للإحباط، مستنزفة لأموال ضخمة، مضيعة لطاقات المجتمع. فلا رابط يربط بين سلسلة الإصلاحات، ولا ضامن للاستمرارية عبرها، ولا وضوح للرؤى، ولا أهداف منسجمة، ولا غايات ترجى. وأقصى ما يمكن أن يطمح إليه إصلاح معين أن تمر فترة وجود واضعيه في مركز المسؤولية بخير. “الله إخرج السربيس على خير” هذا هو الشعار الدائم لدى كل من يتصدى عندنا للشأن العام. وبعد ولايته يأتي خلفه بإصلاح جديد ينسف القديم، ولا يسائله، ويعطي انطلاقة “إصلاحات” جديدة وهكذا دواليك إلى إشعار آخر. إن إصلاح التعليم جزء أساسي من إصلاح المجتمع. وقد راكم المغاربة في العقود الأخيرة من تجارب المحن ما نتج عنه وعي بضرورة النهوض بالتعليم ينبغي للدولة أن تواكبه. وهذا يقتضي بلورة آليات إصلاح فعالة في جميع القطاعات، ومختلف المجالات. إن التعليم قاطرة التغيير ومنطلق التنمية الحقيقية، وقد ينطلق بسرعة فائقة إذا ما فسحت له الوصاية السياسية المجال.

يؤكد الدكتور المهدي المنجرة في كتابه “قيمة القيم” أن القيم من أهم عناصر التعليم ومرتكزاته، إلا أن ما يلاحظ في المدرسة المغربية هو تأثر قيمها سلبا بما يجري في المحيط، وغلبة الطابع السلبي على تمثلاتها، وأصبحت مؤسساتنا أمكنة للعنف والتعصب والأنانية عوض التسامح وقبول الآخر، كيف تنظرون إلى الأمر؟

لدينا في قيمنا الإسلامية، وفي تراثنا المغربي العربي الأمازيغي، ما يؤهلنا لنكون نموذجا ناجحا في التربية والتعليم. وما يلاحظ في مدارسنا من مظاهر التردي والانحراف والتخلف القيمي والحضاري وكذا المعرفي والعلمي نتيجة طبيعية للمسار الذي أريد للأمور أن تمضي فيه منذ نهاية الحماية الفرنسية. لقد أريد لنا أن نكون دويلة متخلفة تابعة لفرنسا. وتولد لدى من يمتلكون القرار هنالك وهنا معا ارتباك كبير بعد تنامي الصحوة الإسلامية، ونجاح ثورة الخميني بإيران، وظهور الحركات الإسلامية التي يصفها الإعلام الغربي بالإسلام السياسي في العالم العربي. وطغى على سياسة التعليم الرسمي هاجس التصدي لهذه الحركات التي تجسد تعطشا نحو الانعتاق الحضاري من ربقة الاستعمار ومخلفاته، وبحثا عن الهوية الأصيلة وعن الذات المهمشة المقصية. فلم تستطع السياسات التعليمية والتربوية الرسمية أن تعلنها حربا واضحة ضد القيم الحضارية للمجتمع، لأن شرعية وجودها مبينة أصلا على ذلك ولو بالمناورة. كما لم تستطع أن تخطو خطوات استباقية فتتبنى تعليما واضحا في قيمه الإسلامية التي ينشدها المجتمع، وضحّت المقامة الوطنية من أجلها… لأن ثمن صفقة البقاء في مركز القرار هنا رهين بالوفاء للنهج الذي سطرته مراكز القرار هنالك. وقد كلفتنا اللغة الفرنسية وحدها الشيء الكثير، وأضحت عبئا ثقيلا على التنمية ببلادنا في زمن تهيمن فيه الإنجليزية على علوم العصر. فإن لم نكن أهلا لفرض لغتنا، فما الداعي لأن تفرض علينا لغة تأخذ من غيرها؟ لقد سقت مثال اللغة لأنه أوضح من أمثلة أخرى على مستوى القيم التي تهدم في الخفاء.

هذا يجرنا للحديث عن الأدوار والوظائف الجديدة للمؤسسة التربوية وعلاقتها بمؤسسات اجتماعية أخرى…. وكيف يحدث تكامل بينها لتنمية مجموعة من القيم الغائب الكثير منها في مؤسساتنا؟

للمؤسسة التربوية التعليمية دوران أساسيان تقليديان مرتبطان باسمها: التربية والتعليم. وينبغي لها مواكبة تطور العصر، وحاجات الفرد والمجتمع المتطورة تبعا لذلك من أجل القيام بهما على أحسن وجه. ومن المستجد ضرورة التنسيق بين جهود وأدوار مؤسسات من شأنها أن تدعم دور المؤسسة التربية، أو تحطمه إن غاب هذا التنسيق والتعاون. ولعل أقرب مؤسسة اجتماعية معنية بالتعاون مع المؤسسة التربوية هي الأسرة. لكن عوامل الإحباط الكثيرة تحول دون قيامها بدورها. فهي مغيبة في وضع البرامج وتسطير الأهداف المتوخاة من العملية التعليمية والتربوية. وهنا خلل كبير في المجتمعات اللا ديمقراطية. إذ من حق الأب والأم أن يكون لهما رأي مطاع في تعليم وتربية أبنائهما. وهو في ذات الوقت حق وواجب. وجمعيات الآباء لا تضطلع بالدور المنتظر منها، أو لا يسمح لها بذلك. فهي في أحسن الأحوال منهمكة على أمور هامشية، تغطي عجز الوزارة وخلل تدبير الميزانيات. وللمسجد دور أساسي لكن الهاجس الأمني الحاضر في المدرسة أكثر حضورا في المسجد الذي يكاد دوره الحالي يشبه دور الكنيسة في مجتمع لائيكي، لولا الخطبة المِأدلجة المسيسة يوم الجمعة، التي تقيدها التعليمات الرسمية من كل جانب، وتفرغها من دورها العفوي التربوي. وللإعلام دور عظيم أيضا. لكن الإعلام ينمو ويتطور في أجواء من الحرية المنضبطة. وهذا لم يتحقق بعد بالشكل الذي يتيح لهذه السلطة الرابعة أن تقوم بدورها. ولدور الشباب، وللجمعيات وللنخب أدوار…. وهذا كله موجود في بلادنا بوفرة. لكن رياحا قوية تهب معاكسة لاتجاه التطوير والتغيير، تبعثر الجهود، وتترك المدرسة في عزلتها وعجزها وتخلفها.

لكن المدرسة في بداية الاستقلال وإلى حدود ثمانينيات القرن الماضي قدمت الكثير في غياب تام لما تفضلتم بذكره، ما السبب؟

ـ هناك مثل فرنسي يقول “Au royaume des aveugles, les borgnes sont des rois” هذه العلل كنا نجترها منذ نهاية الحماية الفرنسية التي نعيش في هذه السنة ذكراها المئوية. فداؤنا مزمن عضال. لكن انطلاقتنا كانت من فراغ، فكان طبيعيا أن نعجب بما نعتبره إنجازا بُعيْد الحماية، وحماس تلك الفترة، ووطنيتها عين الرضى الكليلة عن كل عيب. لكن مع مرور الزمن، بدأنا نرى أين وصلت الأمم، وندرك أن المغاربة يستحقون وضعا أفضل بكثير مما هم عليه. مدرسة تلك الحقبة لم تكن تجارية، كان فيها الأساتذة أصحاب رسالة لا عباد حوالة، ولم يكونوا تجارا يبتزون تلاميذتهم وطلبتهم. وفي المقابل كانت لهم هيبة في نفوس من يتتلمذ على أيديهم رغم الظروف العامة المهيمنة من أعلى. وكان الخصاص في أسلاك الوظيفة العمومية محفزا للاجتهاد قصد ولوج الوظيفة والمنصب، إذا لم تنضج الهمة لدى البعض لبلوغ الرتب العلمية العالية. ظروف ذاتية وأخرى موضوعية ساهمت إلى حد بعيد في إخفاء العيوب وإبراز بعض النتائج. ولعل تلك الفترة كانت موضوع كتاب محمد عابد الجابري رحمه الله “أضواء على مشكل التعليم بالمغرب”. الآن لا مناص من أخذ العبرة من الماضي، وفهم الواقع من حولنا فهما دقيقا، واقتفاء أثر الناجحين… أمامنا من دول يجمعنا بها الكثير نماذج يقتدى بها: تركيا، ماليزيا وأخرى تتلمس الطريق.