مقصد المنهاج النبـوي

قد يكون للمنهاج النبوي مقاصد عدة متنوعة، منها مقاصد فردية وجماعية، ومنها مقاصد تربوية وتنظيمية وحركية، ومنها مقاصد سياسية وتاريخية، وهذه المقاصد كلها تحتاج إلى شرح وتفصيل كبيرين، لذلك حاولنا أن نجملها ونجمعها في مقصدين أساسيين مهمين مترابطين لا ينفصلان، هما: المقصد العدلي والمقصد الإحساني. تجمعهما الآية الكريمة: إن الله يأمر بالعدل والإحسان… (النحل: 90).

1- المقصد العدلي

يقول الله تعالى يبين الهدف العام من بعثة الرسل وإنزال الكتب: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (الحديد: 25).

وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء، ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره”. والقسط هو العدل، والعدل مطلب الأمة، وهو كلمة جامعة لكل معاني الإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه، وحكم رشيد، ومانعة لكل معاني الظلم والفساد والاستبداد. الفقر أخو الكفر، والبطون الجائعة، والأجسام المريضة، والعقول الخاوية لن تسمع أي نداء قبلا من نداء العدل. ومن أنواع العدل نجد:

العدل السياسي: يقول الله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. عدل الحاكم في أحكامه عماد السلطان الشوري وشرطه، وعدله في القسمة هدفه الأول، وأمره اليومي، وواجبه الدائم. قال الله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. والبغي في القسمة من أعظم البغي.

طالع أيضا  النظرية المنهاجية: المفهوم والوظيفة والمقصد (3/1)

العدل الاجتماعي: أن تتدرج الدعوة بالإنسان من موقعه الإنساني، من ظروفه المادية، من تعبه اليومي وكبده، من هم المأوى والرزق والأمن والضروريات، ليطمئن إلى أن الإسلام وعد بفك الرقاب، أي من تحرير الإنسان من كل عبودية تحقره ولا تكرمه، وعد بإطعام الجائع، بالقضاء على البؤس، بالإنصاف، بالقسمة العادلة للرزق.

العدل القضائي: استقلالية القضاء من أي سلطة تمنعه من أداء دوره الحقيقي، وتوسيع مجال الحريات وحمايتها بما يدفع في خدمة مصلحة الفرد والجماعة والأمة.

العدل الاقتصادي: تنمية واكتفاء ذاتي ومحاربة للتبعية وقطع مع الفساد برد المظالم والضرب على أيدي المفسدين، وفتح لمجالات عمل الاستثمار. وأما إخراج البلاد من التخلف الاقتصادي وبناء اقتصاد عادل فيقتضي سياسة اقتصادية حكيمة تتأسس على خطط مدروسة، وإعداد لخبراء وعلماء وإحصائيين القادرين على إنجاح التجربة.

2- المقصد الإحساني

يقول الله تعالى: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور (الملك: 2). الإحسان مطلب الإنسان، وهو معرفة الله عز وجل، ودرجة من درجات الدين، ومرتبة من مراتبه العليا، فوق الإسلام والإيمان بناء عليهما، فلا إيمان بدون إسلام، ولا إحسان بدون إيمان. عرفه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور بقوله: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” ومن أنواع الإحسان الواردة في الكتاب والسنة والتي ينبغي للمؤمن السعي لتحقيقها حتى يكون من المحسنين، والله يحب المحسنين ثلاثة، وهي:

– الإحسان العبادي: ويكون بالإخلاص والصواب واستشعار مراقبة الله تعالى.

– الإحسان المعاملاتي: ويكون بالإحسان إلى الوالدين والأقربين وإلى خلق الله أجمعين.

– الإحسان العملي: ويكون بإتقان العمل وجودته وتطويره.

وإنما ألح المنهاج على التربية الإيمانية لترتقي بالعبد المؤمن من إسلام لا يتميز عن عامة الناس، إلى إيمان يتكامل بما يؤهل للجهاد، إلى إحسان يصدق فيه طلب وجه الله ورضاه.

طالع أيضا  النظرية المنهاجية: المفهوم والوظيفة والمقصد (3/2)

المقصد العدلي والمقصد الإحساني كانا مجموعين على عهد النبوة والخلافة الراشدة، ثم ما لبثا أن افترقا بفعل الانكسار التاريخي، ومع الأيام ازدادت الشقة ليتخذ الإحسان رواده، والعدل رواده، مع غياب معانيهما الحقيقية. اليوم الجمع بين الصعبين العدل والإحسان كما كانا مجموعين هي القضية المطروحة على فقه التجديد ويُراد من أجل تحقيقها وضع المنهاج النبوي.

مثل الصحب الكرام رضي الله عنهم النموذج الكامل والأكمل في التاريخ لكيفية السلوك على المنهاج النبوي بالجمع بين الصعبين، بين العدل والإحسان، بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، بين السلوك الإيماني والسلوك الجهادي. لم يفهموا يوما أن الإتباع لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم والتأسي به يقتصر على السلوك الإيماني الفردي فقط اكتفاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج وذكر الله وتلاوة القرآن اختيارا للطريق الأسهل، بل فهموه هذا كله في جانبه التربوي لمجاهدة النفس على طاعة الله تعالى وطلب مقام الإحسان، وأيضا فهموه في جانب آخر جهادا في الآفاق دعوة إلى الإسلام، وتبليغا للرسالة، ودفاعا عن الحرمات، ونصرة للدين والمستضعفين، وإقامة للعدل في الأرض، وبناء للدولة الإسلامية، وحكما بما أنزل الله تعالى.

كان الصحابة رضوان الله عليهم رهبانا بالليل، وفرسانا بالنهار، استغرق الجهاد بكل أنواعه معظم حياتهم، والتاريخ يشهد عنهم كم فتحوا من قلوب العباد، وكم دخلوا فاتحين من البلاد، بالرحمة والرفق إلا أن يكون من عدوهم الصدود والعناد. كم غزوة حضروها، وكم سرية تزعموها، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على الإتباع الكامل، فهم مؤمنون حتى النخاع، ومجاهدون لا يضعون السلاح، وهم مع السلوك الإيماني الإحساني والسلوك الجهادي تجار يتاجرون، وفلاحون وحرفيون…، لم يمنعهم إيمانهم وجهادهم عن أسباب العيش وطلب الرزق.

فالجمع إذا بين السلوك الفردي الإيماني والسلوك الجهادي الجماعي هو السلوك المنهاجي الحقيقي. يقول الله عز جل: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون (الحجرات: 15).

طالع أيضا  النظرية المنهاجية: المفهوم والوظيفة والمقصد (3/1)

خاتمـة

نستخلص من كل ما سبق أن المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء.

ولنعلم أن المنهاج النبوي هو ذاك الصراط الذي يضع فيه المؤمن قدميه على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو الصراط المستقيم الذي يلحقه بالذين أنعم الله عليهم، وقص عليه في كتابه نعمته عليهم، وتفضيله إياهم، ونصره دعوتهم. ثم حسن له رفقتهم.

المراجع المعتمدة: كتب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى