حال المواطن المغربي لا يخفى عليه، غير أن حديثي في هذا الموضوع له قصة وسبب، ذلك أني دعيت مع كوكبة من الفاعلين في المجتمع المدني للذهاب لزيارة المعتصمين ببهو بلدية العرائش فيما يسمى، ملف المدينة القديمة. المدينة القديمة وما أدراك ما المدينة القديمة، إطلالة سريعة في كثير من مواقع الأنترنيت للتصفح تضعك أمام فروقات جوهرية، حيث أنك تجد أن الوضع في الماضي أفضل مما هو عليه الآن، مفارقة عجيبة في بلد العجائب، فَلَئِن كان الكاتب الإنجليزي لويس كارول قد ألف قصة “أليس في بلاد العجائب”، فإني على يقين أنه مهما بلغت مخيلته في قصته، فإنه لو كانت الأقدار ساقته إلى بلدنا الحبيب لقال: “الآن وجدت حقيقة بلاد العجائب”.

يقولون أن التطور دليل الارتقاء، وتقول بلادي المغرب، التطور انحدار من القمة إلى أسفل الأسفل، في المدينة القديمة أنت أمام التهميش والإقصاء والتفقير والتجهيل، لو قدر لك أن تزور الكثير من بيوتاتها لدخلت إليها وأنت تقول، يا لطيف يا لطيف يا رحيم يا رحمان، إذ لا علاقة لتلك البيوت بما لمعنىً للبيت البتة، فأنت كأنك في العراء شتاءً وصيفا، صورة مصغرة لواقع أكبر.

مهلا قد يقول قائل، فهناك ما هو أفظع، أما سمعت عمن في جبال الأطلس الكبير والصغير، حيث مازال أهل الكهف، أموات أحياء آية أخرى من آيات الله في هذا الزمان، وفي مدن الصفيح وباقي المدن العتيقة، في فاس ومكناس والبيضاء وجل المدن وفيما نعلمه وفيما لا يعلمه إلا الله الكريم المنان.

أقول، مهلا يا صاحِ، ركز ثم ركز على العنوان.

فعن الكرامة نتحدث، عن أشرف ما في الإنسان، فقديما قالوا “ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان”، إن حُطَّ مِن كرامتك أو دِيسَتْ بالأقدام، لم يبق منك شيء، هُنْت وهان الهوان.

إن لم تصدقني يا صاح فارجع إلى التقارير الدولية عن مغرب البحرين، ومناجم الفوسفاط والحديد والذهب، وعن أراض فلاحية، وعن كثير كثير من الثروات والخيرات واأسفاه، فستقرأ عن أرقام يَشيب لها الوِلْدان.عن الكرامة نتحدث لا عن الجدران أو الحيطان، عن شباب أفنى العمر في الدراسة، كيف يُنَكَّلُ به أمام البرلمان حيث نواب الشعب وا حسرتاه، فالكل يدرك أنها مسرحية لطلاء الوجه لتقديم صورة، أننا دولة المؤسسات، دولة الحق والقانون، حريصة هي الدولة على توقيع كل المواثيق الدولية الضامنة لحقوق الإنسان. قد قسوت أيها المتحدث في هذا المقال، أما من بياض في هذا السواد، ألا تسمع عن مشاريع التنمية البشرية التي تسير إليها الركبان، وعن المشاريع الاقتصادية والشراكة الأوربية وعن وعن، أليس هذا مؤشرا على الارتياح وأن الحال ليس بتلك العتمة من الألوان.

حبر على ورق يا صاح.

وضحك على الذقون، اذهب إلى المستشفيات العامة والمدارس العمومية، واذهب إلى القرى النائية، واسأل العامل في المعمل واسأل وابحث عن كل كليل وكليلة، عن الأغلبية الصامتة جبرًا وقهرًا حتى تبقى كالسائمة، كرامة مهدورة قصدا وعمدا حتى نبقى قطيعا من القطعان، وما المدينة القديمة إلا رمز ومعنى.

فعن الكرامة نتحدث يا صاح وليس عن الجدران.