السلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته

أسلم عليك يا أبتي بصيغة كنت تحبها في حياتك، إنه سلام من الله ورحمة وبركة ومغفرة عظيمة، يصلك اليوم ثوابها وأجرها بإذن خالق الموت والحياة.

أكتب إليك يا أبتي، هذه الكلمات من إملاء عقل معطل وقلب ولد ينبض بالمحبة لوالد محبوب. أعلم أن ملائكة الرحمن تدون هذه الكلمات، وأسأل الله لكاتبها وقارئها أن تكون شاهدة لنا بالحق يوم لقاء الله، إخوانا على سرر متقابلين.

يا أبتي:

يوم 15 يناير 2011، سكن جسدك الذي أنهكه المرض، وصعدت روحك الطاهرة إلى باريها عز وجل، لتستقر إن شاء الله في جنان الخلد مع النبيئين والصديقين والشهداء وحسن أولائك رفيقا.

ودعتنا يومها مبتسما، بعد أن ذكرك صاحبك الإمام سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله -عبر الهاتف- في لحظات الوداع بأن الموعد الله، ولقنك الشهادتين. لبيت النداء وقلوب أبنائك وأحفادك ومحبيك تبكيك على هذا الفراق.

إنها سنة الله: ضعف بعد قوة، هرم بعد فتوة، ثم موت بعد حياة، لتبدأ الحياة الجديدة.

ووريت الثرى بجوار رفيق الدرب في الجهاد والبناء: سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله، الذي ودعناه بدوره قبلك بسنتين.

وها نحن اليوم بعد سنتين تحل بنا ذكراك الثانية، لكن في ظرف خاص، يغيب عنا فيها الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين، ليلتحق بكما من دار الفناء إلى دار البقاء.

أنتم رحمكم الله جيل التأسيس. أسستم بفضل الله وقوته لعمل رائد غير مسبوق في تاريخ المسلمين المعاصر، يراه القريب صغيرا ويراه البعيد كبيرا.

أنتم جيل الصحبة التي تفتح المغالق وتحدو بالمرء إلى عالم النور والرقائق. أنتم أصل الجماعة محضن تربية الرجال، حاملي لواء العدل والإحسان. فأنشأتم بإذن الله وتوفيقه منظومة “الصحبة والجماعة” على قاعدة محبة الله ورسوله والمؤمنين.

وهاهي اليوم يا أبتي “الصحبة في الجماعة”، التي أوصانا الإمام بالدعاء أن يمسك الله وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا.

يا أبتي،

أنتم رجال الله أسستم لبنات بناء شامخ: قوته في تماسككم، وظيفته من نبض قلوبكم، جماله من نور سريرتكم، بنيانه من متانة أساسكم.

في مثل هذا اليوم، من السنة الماضية، أرسل لي الإمام هذه الشهادة التي كتبها بيمينه، في حقك يا أبتي، والتي يقول فيها: لعل الكثير منا من يذكرون أن الحديث عن العدل والإحسان والتبليغ عن جماعة العدل والإحسان لا يكاد يخلص إلى فهمه إلا من وقف عند بدايات هذه الجماعة وعند الكلمة الأولى في المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزخفا. وهي كلمة الصحبة. كلمة جامعة عميقة المعنى شريفة المبنى. فما من طالب خير أو ساع إلى تبليغ كلمة الحق إلا وينفذ من خلال تجربته الشخصية إلى معاني الصحبة ومبناها. ولعل من يستنطق تاريخ جماعة العدل والإحسان في بداياتها ونهاياتها ووسطها إلا ويبرز في واجهته اسم له معنى في تاريخ البناء والتأسيس. تاريخ يلتمع في ناصيته اسم بارز هو اسم أحمد الملاخ).

فرحت بهذه الشهادة فرحا كبيرا، وتذكرت يوم دخلت على الإمام بعد رحيلك قوله لي: أعلم أن اليتم أمر صعب. هل تريد أن أعزيك في سيدي أحمد أم أهنئك؟).

أجبت الإمام رحمه الله قائلا: استقبلت التعازي من الكثير من الناس، وأريد أن أسمع منك سيدي تهنئتك).

تبسم الإمام في وجه الابن اليتيم وقال قولة بليغة، أذهبت عن القلب الحزن وعن العين الدمع، كما جعلتني أفهم بجوارحي أن الموت انتقال من حياة إلى الحياة…: إن سيدي أحمد ابتلي وصبر، وناصر في وقت قل فيه النصير، وتحمل مجهود البناء ومشقة الطريق. ولما اشتد عليه المرض وذهب البصر وقلت الحركة، شكر الله كثيرا. ودعنا اليوم وهو يرقد الآن في قبره بجوار سيدي محمد العلوي السليماني، وأسأل الله لهما ولنا ولكم جوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم).

الإمام لم ينس يوما صاحبيه الأحمدين أهل الوفاء، كما لم ينس لحظة من وضع معه بذرة الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. فكان الإنبات طيب الثمار وفسيح الظلال، يستظل بظل الشجرة خلق كثير من رجال ونساء العدل والإحسان.

رحمك الله يا أبتي رحمة واسعة، التحقت بعد سنتين بصاحبك سيدي العلوي والتحق بكما بعد سنتين الإمام المجدد. كنتم إخوانا في الدنيا ورثتم الإخاء والمحبة والصحبة لأبنائكم في الجماعة، وأنتم إن شاء الله إخوان الآخرة، ونحن لاحقون بكم على العهد، بعد حين.

هذه تذكرة في يوم الذكرى من يتيم يعيش يتما مضاعفا. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.