أجرى موقع هسبريس حوارا مع الدكتور عمر إحرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول المرحلة الانتقالية التي عاشتها الجماعة بعد وفاة مرشدها ومؤسسها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، والعلاقة بالدولة، ومسألة تأسيس حزب سياسي، وآفاق عمل الجماعة. نعيد نشره تعميما للفائدة:

هل يمكن أن نقول بأن العدل والإحسان اجتازت المرحلة الانتقالية لما بعد الشيخ ياسين بسلام؟

على المستوى الإنساني والعاطفي، ليس من السهل التأقلم مع هذا الوضع الجديد الذي فقدنا فيه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وهو كان المرشد والمربي والمجتهد والمنظر والقائد الذي اعتدنا على وجوده بيننا.. ولكن من نعم الله أنه كان دائما يذكرنا بالموت ويؤكد لنا أنه أنهى مهمته وأن الجماعة أمانة في أعناقنا وأن اجتهاده في مجال الدعوة والتربية قائم على ارتباط الصحبة والجماعة وعدم ربط مصير الجماعة بأشخاص ولكن بالعمل المؤسساتي والشورى. ولذلك فأول من سهل مهمة الانتقال هو الأستاذ عبد السلام ياسين نفسه حين كان يؤكد على ضرورة استكمال البناء التنظيمي والقانوني للجماعة وهو ما كان منذ سنوات حين كان الإجماع قائما على قانون انتخاب مجلس الإرشاد والمرشد بما يعنيه ذلك من تحديد للاختصاصات وطرق الانتخاب ونصابه والعلاقات بين مختلف المؤسسات.

هل هذا هو ما كان يجعل الجماعة واثقة من تصريحاتها حين كانت تنفي وجود مشكلة بعد موت الشيخ ياسين؟

نحن كنا متأكدين مما نقول لأننا نعلم أننا جماعة منضبطة لا يسري فينا مرض حب الزعامة والرئاسة ومتفقون على مساطر وآليات اختيار المسؤولين وتربطنا نواظم وعلاقات أكثر من الخضوع لقانون وكل من اختير لمسؤولية فهو منضبط لمنهاج الجماعة المكتوب وخاضع لآليات الشورى التي نرى أنها أكثر من مجرد تقنيات بقدر ما هي صفة إيمانية وعبادة نتقرب بها إلى الله عز وجل.

وكيف تجلى ذلك عمليا بعد موت الشيخ ياسين؟

تجلى ذلك في المدة الفاصلة بين حدث الوفاة وعقد مجلس الشورى بينما كان الغالب خارج الجماعة هو الحديث عن أربعين يوما، وتجلى في عدد الحاضرين لمجلس الشورى الذي بلغ ما يقارب المائة في المائة، وتجلى في الأجواء التي مر فيها والتي طبعت بالأخوة والتطاوع الذي ألفناه في الجماعة خلال كل لقاءاتها التشاورية التي تنتهي دائما بموقف موحد واستعداد كل الحاضرين لتبنيه والدفاع عنه لأنه موقف المؤسسة ولم يعد ملكا لمن طرحه أو عارضه، وتجلى في القبول الذي لقيته قرارات مجلس الشورى وسط كل أعضاء الجماعة الذين كانوا في رباطات تربوية بالموازاة مع مجلس الشورى، وتجلى في القرارات التي خرج بها مجلس الشورى التي جسدها شعار الدورة الوفاء والاستمرارية).

هل يعني الكلام عن الوفاء والاستمرارية مجرد جمود وتكلس في عقل الجماعة ما بعد مرحلة المرشد؟

نحن نعني بهذا الشعار أننا استطعنا خلال عقود سابقة تشكيل مدرسة اجتهادية في العمل الإسلامي أصبحت معروفة بمبادئها وثوابتها وخطوطها الرئيسية، وسنبقى مجتهدين في ظلها كما كنا في عهد مؤسس هذه المدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله الذي كان يوصي دائما بالتجديد والتجويد والتطوير. ولذلك لا نفتا نؤكد بأننا لا نقدس الوسائل ولا القوانين ولا آليات العمل ونجددها بعد كل دورة ولا نجمد أمامها.. وهذا لا يعني أننا التقاطيين أو عشوائيين أو منبهرين بكل جديد ولكن نقول أن عندنا منهاجا هو آلة للعلم ومرشد للعمل نضعه كضوء كاشف ليرشدنا لكل ما هو أجدى وأولى وأصلح.

هل هذا هو سبب تغيير صفة المرشد العام إلى الأمين العام؟

نحن كنا نستشعر دائما أن المرشد المؤسس بكل ما قام به سيجعل كل من يخلفه في حرج كبير نحن في غنى عنه، وحرصنا على الحفاظ على القيمة الحقيقية لذلك المصطلح، واشتقاقنا للفظ الأمين العام جاء بوحي من عبارة رددها أكثر من مرة الأستاذ ياسين رحمه الله حين كان يقول الجماعة أمانة في أعناقكم).

ألا ترى أنه كان يستحسن أن تتجسد لحظة إجماع الجماعة من خلال حضور كل قيادتها في الندوة الصحفية الأخيرة بمناسبة إعلان الأمين العام الجديد؟

كان يمكن أن نفكر بهذا المنطق لو كنا نشعر باضطرار أن ننفي شيئا نظن أنه يتوفر له من القرائن ما يرجحه لدى الرأي العام، ولكننا اعتدنا على هذا الكلام وتعودنا على من يبحث عما يُسَود به الصفحات انتقادا للجماعة بسبب وبدون سبب.

لو كنا نريد ذلك لاخترنا يوم عطلة للندوة حتى يحضر الجميع، أو كنا جعلنا ذلك أولوية لنا، أو كنا اخترنا مكانا أكبر، ومع ذلك سيبحث من يصطادون في الماء العكر عن قضية ثانية أو ثالثة أو عاشرة ليرضوا أوهاما تعشش في عقولهم منذ سنين مفادها أن الجماعة في ورطة أو أزمة أو مهددة.. وهؤلاء يبذلون أقصى ما في وسعهم ليبحثوا عن أصوات من داخل الجماعة ترضي هذه الأوهام التي في داخلهم بدون طائل أو جدوى.

مع ذلك أكدنا في الندوة أن هناك مناسبات تواصلية أخرى مع الإعلام والباحثين والمهتمين وستكون بمثابة مناسبات يكتشفون فيها حقيقة العلاقات الأخوية وروح التحاب التي تسود بيننا رغم اختلاف وجهات النظر التي نعتز بها لأنها تشكل مصدر قوة وثراء للقرارات التي نخرج بها ونتبناها. وكم نتمنى أن تتاح الفرصة لمن هم خارج الجماعة ليحضروا اجتماعاتنا ليطلعوا عن قرب وبشكل مباشر على مدى صحة ما نصرح به بدون وسائط ولكنه الحصار والتضييق الذي يمنعنا من ذلك ويمنعنا من الاستجابة للدخول في تفاصيل تنظيمية وعددية وبرنامجية كثيرة نعي أهميتها بالنسبة للباحثين والإعلاميين.

بالمناسبة، هل ما زال عدد أعضاء الجماعة من الطابوهات المحرم الحديث عنها؟

حتى إن لم نتحدث عنها فالواقع يتحدث عن ذلك من خلال مناسبات كثيرة مثلت مؤشرا حقيقيا لقياس حجم الجماعة العددي مقارنة مع ما كانت عليه ومقارنة مع غيرها من التنظيمات في المغرب وحتى في المنطقة العربية.

ما يمكن أن أؤكده هو أن توسعنا العددي في تنامي سنة بعد أخرى من الناحية العددية والنوعية، وأننا تنظيم متوازن من حيث طبيعة الفئات الاجتماعية التي تلتحق بالجماعة، ومن حيث حضورنا على مستوى الجهات جغرافيا، ومن حيث حضور الشباب والنساء حيث ما زال معدل العمر عندنا في الجماعة شابا وهو ما يؤكد أننا تنظيم ما زال أمامه مستقبل واعد إن شاء الله.

أقول هذا الكلام وأنا متأكد أن شهية الكثير ما زالت مفتوحة لمعرفة المزيد ونحن نقدر ذلك بالقدر الذي نلتمس منهم أن يقدروا إحجامنا عن الحديث عن تفاصيل لا تخدم تدبيرنا للعلاقة مع سلطة مخزنية نعرف حجم الإنفاق الذي تبدر به المال العام لمعرفة تفاصيل تدبير شؤون جماعة معارضة بحجم “العدل والإحسان”.

كيف تتصورون علاقتكم في المستقبل مع الدولة؟

الكرة في مرمى السلطة منذ سنين وهي التي تتقلب وتفتقر إلى منهجية ورؤية واضحة في العلاقة مع الجماعة ولم تتخلص من عقليتها التي تتصور كل الفاعلين دمى تحركهم كما شاءت ولم تبذل مجهودا لتتعايش مع كل طرف كما هو وفق القناعات التي يؤمن بها تاركة الحكم النهائي لسيادة القانون والرأي العام الذي هو الحكم الحقيقي.

أما الجماعة فهي ثابتة على مبادئها التي تأسست عليها وغير مستعدة للتفريط فيها لأنها جزء من هوية الجماعة وكينونتها.

هل نفهم أن الجماعة مستعدة لتأسيس حزب سياسي؟

أستغرب كثيرا لهذا الهجوم في الآونة الأخيرة على الجماعة بخصوص هذا الموضوع وكأن المشكلة في إجراء إداري يتمثل في التصريح بتأسيس حزب وهو إجراء لا يستغرق ساعات.

المشكل ليس هو استعداد الجماعة لتأسيس حزب سياسي، ولكنه يتمثل في مدى قبول السلطات المخزنية للجماعة كما هي بدون مسخ أو تقزيم لها، ويتمثل في مدى انسجام المخزن مع الشعارات التي يرفعها حين يصم آذاننا بأنه مع التعددية وحقوق الإنسان والحريات.

المتضرر الأول من عدم حصول الجماعة على حزب سياسي هو المخزن لأن الكل يستنتج من هذا المنع زيف شعار التعددية وشكليتَها وورطة المخزن أمام جمعية ذات صبغة سياسية تتوفر على عشرات الأحكام القضائية من مختلف محاكم المغرب بمختلف درجاتها بينما يصر هو على اعتبارها محظورة وغير معترف بها) بما يجعله يصادر أحكام القضاء في ضرب كامل لفصل السلط واستيلاء كامل للإدارة على السلطة القضائية. هل هذه هي الديمقراطية؟ أم هو التأويل والتنزيل الديمقراطي للدستور؟

وأستغل هذه المناسبة للتنبيه إلى خطأ تقع فيه بعض وسائل الإعلام وبعض الباحثين حين يرفقون الكلام عن جماعة العدل والإحسان بعبارة المحظورة أو شبه المحظورة متناسين أنهم يقعون في خطإ مرتبط بصحة معلومة وليس خطأ مرتبطا برأي أو تحليل وأنهم ضحايا لحملة مضللة.

وكيف في نظركم سيحل مشكل حصول الجماعة على حزب سياسي؟

جواب ذلك عند من يمنح هذا الحق ظانا أنه يتفضل على المغاربة بهذه المنة.

هل تعني الحكومة متمثلة في وزارة الداخلية أو الوزارة الوصية على عمل الجمعيات؟

من التبسيط اعتبار الأمر ملفا يدبر داخل الحكومة، ومن الاختزال اعتبار الموضوع مرتبطا بإجراءات إدارية. المخزن يعتبر حصول الجماعة على حزب يجب أن يكون ثمرة ابتزاز سياسي تقود كل حلقاته إلى إخضاع الجماعة وتقليم أظافرها وإدخالها إلى “بيت الطاعة” كما يحلو للكثيرين تسميته.

وهذا أمر ترفضه الجماعة؟

ليس فقط ترفضه ولكنها غير مستعدة حتى لسماعه لأن الجماعة مستعدة لشيء واحد هو الاحتكام إلى القانون المستند إلى المبادئ العامة الحاكمة لحرية الرأي والتنظيم والتعبير كما هي متعامل بها في الدول الديمقراطية. ونحن من جهتنا أثبتنا أننا أصحاب رأي يدافعون عن رأيهم بسلمية ولا يقابلون عنف الدولة بعنف مضاد وهذه مسألة مبدئية نعتبرها من الثوابت التي تأسست عليها الجماعة وهي رفض السرية والعنف والتبعية للخارج لأننا نرفض أن نرهن قرارنا واستقلاليتنا لأي طرف خارجي وبالضمن نرفض أن نرهن استقلالية قرارنا لإرادة المخزن تحت أي ذريعة أو مسمى.

هناك من يتحدث عن سبب رفض السماح لكم بالعمل الحزبي لأن قانون الأحزاب ينص على رفض الأحزاب على أساس ديني أو عرقي أو جهوي؟

ونحن نؤكد أننا لسنا تنظيما على أساس ديني بالمعنى الطائفي للكلمة التي تقود إلى تقسيم المجتمع، ووجودنا الجغرافي لا ينحصر في جهة دون جهة، ولا تبذر منا تصريحات عنصرية تحض على الكراهية العرقية أو غير ذلك. وواهم من يتوقع أنه سيضحك على المغاربة بتسويق هذه المعطيات المغلوطة عن جماعة لها عشرات الكتب وآلاف الحوارات والتصريحات والتسجيلات على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

من المفيد للسلطات المخزنية أن تعبر عن حقيقة موقفها من الجماعة وتقول بأنها لا تتحمل معارضة في حجم “العدل والإحسان” يعارض سياساتها والأسس التي تقوم عليها. هذا هو السبب الحقيقي للخلاف بين الجماعة والسلطة.

ننتقل إلى محور آفاق الجماعة. ما هي أولويات الجماعة خلال المرحلة المقبلة؟

انتقل الأستاذ المرشد رحمه الله إلى الرفيق الأعلى والجماعة قد وضعت قبل ذلك مخططا ثلاثيا ستستمر عليه لأنه حصيلة شهور من التفكير وجهود لجان متخصصة وصودق عليه في مؤسسات الجماعة التقريرية.

ما هي أولويات هذا المخطط؟

ستبقى الأولوية للعمل البنائي لأننا مقتنعين أن التغيير يستلزم قاطرة منظمة وقوية وذات إشعاع، ويتطلب بناء إنسان مؤهل لهذا الهدف ولذلك نؤكد على التربية ثم التربية ثم التربية، وسيبقى هدف التوسع الدعوي النوعي والكمي ذا أولوية عند الجماعة، وبالموازاة مع كل ما سبق سنعزز حضورنا المجتمعي الإشعاعي والتواصلي والتفاعلي مع كل القضايا المحلية والوطنية والقومية.

ألن يغير رحيل الشيخ ياسين شيئا من هذه الأولويات؟

بالقطع لا وإن كان سيضيف شيئا فسيكون هو مزيد من خدمة هذا الإرث الذي خلفه وهو ما بدأناه في مؤتمر تركيا الأخير لتحقيق الإشعاع الذي يستحقه هذا الاجتهاد المنهاجي الذي خصص له الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله كل حياته وأنبث هذه الجماعة التي بدأت بذرة سقاها بتربية الرفق والرحمة والحكمة حتى استوت كما هي الآن وهي والحمد لله مرشحة لمزيد من الازدهار في المستقبل.

وماذا عن موقع أفراد عائلة الشيخ ياسين؟

موقعهم في قلوب أعضاء الجماعة سيبقى كما كان دائما وسيزداد لأنهم أولو فضل كبير فهم من احتضن وصبر وبذل وضحى وعانى وقاسى ووجودهم كان عامل قوة للأستاذ ياسين رحمه الله وللجماعة.

وموقعهم التنظيمي سيكون بناء على ما تنص عليه قوانين الجماعة وهذا هو أهم ما يدافعون عنه لأنهم نتاج تربية تلقنوا فيها أننا لسنا بإزاء توريث أو ريع أو ما شابه ذلك من الأمراض التي تفتك بالكثير من التجمعات البشرية.

الحمد لله أن تربية الأستاذ ياسين رحمه الله حصنتنا جميعا من هذا الطاعون الفتاك.

والعجب لمن يستمر في طرح هذا الموضوع ونحن متأكدون أننا لو استحضرناه لكان أول المنتقدين للجماعة بمبرر أنها تحولت إلى نظام وراثي تطغى فيه القرابة العائلية على الكفاءة والاستحقاق. وهو ما يؤكد أن ليس هناك منطقا واحدا يحكم بعض الانتقادات، والعجب لمن يستمر في تكرار هذه الأسطوانة وهو الذي يطالع تصريحات المعنيين من العائلة بأنهم جزء من مجلس الشورى وممن ساهموا في صناعة القرارات الصادرة عنه.