وظيفة المنهاج النبـوي

وظيفة المنهاج النبوي العلم والعمل مترابطين، النداء والاستجابة متلازمين، الرحمة والحكمة متعاضدتين، أمر إلهي وطاعة، خطة وتنفيذ معا. هذا بشكل عام ومجمل، أما إذا أردنا بيان أهم جوانب هذه الوظيفة فسنجدها باعتبار المنهاج منهاجا تربويا وتنظيميا وجهاديا، تتجلى في ثلاث وظائف رئيسية:

وظيفة تربوية

يقول الله تعالى: ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها (الشمس: 7-10). وتتمثل باختصار هذه الوظيفة كما يحددها المنهاج في تكوين الجندي المجاهد في سبيل الله تعالى، وتعرف التربية الإيمانية على أنها عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوؤه فيه وتمكنه ورجولته.

ولا ننس أن التربية الإيمانية الإحسانية التي يؤكد عليه المنهاج شيء آخر غير التدريب.

غير التدريب الفكري.

غير التدريب الحركي.

غير التعليم السطحي.

غير التنشيط الجماعي.

غير كل هذه الجزئيات، مما لا بد منه، ومما يتوسع فيه الناس حتى يصبح هو التربية في نظرهم. الغاية أن يعرف العبد ربه، بأن يتقرب إليه حتى يحبه سبحانه، ويكرمه بما يكرم به أولياءه. وكل القربات من أقوال، وأفعال، وأحوال، وأخلاق، في جوف هذه الغاية، وفي طريقها، ومن شروطها. بضابط الكتاب والسنة والاتباع.

وكل ما يسميه لسان الاصطلاح تربية دون أن يحقق هذه الغاية فليس التربية التي يقصدها المنهاج.

ومن أهم شروطها التي تتبلور منها معادلة التربية الإيمانية ثلاثة وهي:

– الصحبة والجماعة: الصحبة لقاء المسلم بولي لله مرشد يدله على الله، ويسلك به الطريق إليه، وجماعة من المؤمنين تؤوي هذا المسلم وتحضنه وتربيه على خصال الخير وشعب الإيمان، وترتقي به في مدارج الدين ومراتبه، من إسلام لإيمان لإحسان.

– الذكر: كل العبادات شرعت لذكر الله. كل الأعضاء الظاهرة والباطنة منتدبة لذكر الله. ذكر القلب، أعظمها، ثم ذكر اللسان، ثم ذكر الأعضاء عندما تتكيف بكيفيات الصلاة، أو تُمْسك نهارَ الصوم، أو تطوف وتسعى وتقف وترمي في نسك الحج.

ذكر الله به يتقدس الكيان القلبي للمؤمن، ويكون التقديس أعظم إن كان ذكر الله أدومَ. ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن، أكبر الذكر.

– الصدق: صدق الهمة والذمة والهجرة إلى الله تعالى، وهو ينافي النفاق بشعبه، ينافي أنصاف الحلول، ينافي الإسلام الموروث، الصدق الثبات على المبادئ والجرأة في المواقف والخطاب، الصدق المضي نحو تحقيق أهداف الإسلام بعزيمة قوية وطول نفس.

ولعل من أبرز خصائص هذه التربية الإيمانية أن تكون متوازنة، بمعنى أن تشمل الإنسان المسلم في كل جوانبه القلبية والعقلية والحركية بحيث لا يطغى جانب على آخر.

كما أن الأهداف التي تتوخاها هذه التربية لا تنحصر في بعدها الفردي فقط وإنما تتجاوزه إلى أبعاد أخرى كالمجتمع والأمة. فتهدف:

طالع أيضا  النظريـــة المنهــاجية: المفهوم والوظيفة والمقصد 3/3

– على مستوى الفرد تطهير قلبه وتزكية نفسه وتنوير عقله وتهذيب سلوكه.

– وعلى مستوى المجتمع تغيير الذهنيات والعادات والانانيات.

– وعلى مستوى الأمة بناء وحدتها، وتوحيد كلمتها وجهودها من أجل التمكين والاستخلاف.

ويستعمل في تحقيق كل هذا جملة من الوسائل التربوية تعرف بالمجالس الإيمانية من أسر تربوية ورباطات واعتكافات ومجالس النصيحة ومجالس القرآن والذكر والحديث، إلى جانب يوم المؤمن وليلته، ودعاء الرابطة، وعقد الأخوة، ولزوم المسجد عند الصلوات…وغيرها.

ومما يحرص عليه المسلم المؤمن الراغب في التربية المستعد لها قلبا وقالبا التدرج في التربية، والتحلي بالصبر، والصدق في الطلب فإن التربية أولا ووسطا وآخرا ولا آخر، ومن ظن يوما أنه استكمل تربية نفسه فهو الأولى بالتربية.

وظيفة تنظيمية

تتلخص في تكوين قوة مجاهدة، يقول الله تعالى: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (الصف: 4)، ويقصد بالتنظيم ذلك الجسم العضوي الجماعي الحركي المنظم، الذي تنظمه ثلاث نواظم وهي:

– الحب في الله: لين بين المؤمنين وتراحم، ومنه يبدأ التأليف، تأليف عناصر القوة الجهادية، وعناصر الدفع في وجه العدو. فلا جماعة إلا بتحاب في الله وصحبة فيه. ودستور المحبة وبرنامجه العملي نجده في قول الله عز وجل، كما أخبر عنه خليله صلى الله عليه وسلم قال: “حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصدقون والشهداء”.

لكن هذه الألفة القلبية، وهذه المحبة الأخوية، ناظمة واحدة من النواظم الثلاث، وما حققه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من جلائل الأعمال الجهادية ما كان ليتم لو بقي الأمر عند الألفة والمحبة.

– النصيحة والشورى: يقول الله تعالى: والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم (الشورى: 38). الدين النصيحة لله بقيام الجماعة والفرد على حدوده، حراسة يقظة متوثبة. الدين النصيحة لرسوله بالحرص الشديد على إتباعه في الكليات والجزئيات، كليات إقامة الحكم الإسلامي وإحياء الأمة بالإيمان، وجزئيات الفقه والعبادة. الدين النصيحة لأئمة المسلمين بدءا بإقامة أولي الأمر منا لا من غيرنا من المنافقين والملحدين. الدين النصيحة لعامة المسلمين بتحريضهم على الإيمان وإيقاظ الذهنية الرعوية لتصبح همة قادرة على قلع جذور الظلم وبناء مجتمع الأخوة والعدل.

أما الشورى فقد جعلها الله تعالى بين الصلاة والزكاة وهما من أركان الإسلام، ليؤكد مكانتها في الدين، وأنها من فرائضه وأركانه في المجتمع المسلم وأبرز خصائصه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس مشاورة، وكان لا يستثني أحدا من الشورى في الأمور العامة، بل كان يستشير كل من كان حاضرا من المسلمين في السلم أو الحرب.

– الطاعـة: يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء: 59). أولو الأمر منا من رضينا دينهم وأمانتهم وقوتهم على الجهاد، ثم اخترناهم على ملأ من الأمة. فعند ذلك تكون طاعتهم في غير معصية لأمر الله وسنة رسوله مشتقة من طاعة الله ورسوله. وبعد الآية السابقة يقول الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (النساء: 59). فمع وجود أولي الأمر منا المرضيين يمكن أن يحصل نزاع لاختلاف الرأي. أمرنا عندئذ أن نرد الأمر إلى الله ورسوله.

طالع أيضا  النظرية المنهاجية: المفهوم والوظيفة والمقصد (3/1)

أين تقف حدود الطاعة، ومتى تجب، ومتى تحرم؟ تلك ظروف اجتهد فيها كلٌّ حسب حيثياته وفهمه وإمكاناته. ولا بد لنا من الاستقلال في فهم الأوامر النبوية في عصر انزلق فيه الحكام من تُخوم الفسق إلى مجاري الكفر، فهم دعاة على أبواب جهنم يهددون بنسف الدين من أساسه.

والنصوص إن فهمناها في إطارها الغيبي وتعليلاتها المطلقة معنا ليست ضدنا. أخرج الإمام أحمد وابن ماجة والطبراني بإسناد جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها”. قال الصحابي: فقلت: يا رسول الله! إن أدركتُهم كيف أفعل؟ قال: “تسألني يا ابنَ أم عَبد كيف تفعل! لا طاعة لمن عصى الله!”.

وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه ب”يا ابن أم فلان” زجر على عادة العرب في التخاطب.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة من نبايعه صادقين مختارين لا من أكرَهنا على البيعة واستحلفنا بأيمان بدعية. عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع”. الحديث رواه مسلم وأبو داود. “أعطاه ثمرة قلبه” يعني الاختيار الصادق.

أحاديث أخرى من التي تأمر بالطاعة إنما جاءت موصية بمحاربة العصبية العرقية التي كانت، ولا تزال، آفة عربية. ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله”. رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه. فمن أطاع ناقصا في الدين أو عصى أميراً لعصبية أو استنكاف من النقص المزعوم عند العبد الحبشي فشرط “ما أقام فيكم كتاب الله” يكذبه ويلعنه.

والأحاديث الموصية بحفظ وحدة المسلمين والدخول في الطاعة نفهمها، في إطارها الغيبي وفي ظروفنا وإمكاننا، فهما آخر غير فهم من يبرر بها الأمر الواقع. هذا حديث يشير بوضوح تام إلى أن الحق ليس مع العصبية بل ضدها. وكل حكم يعتمد على السيف فهو عصبية. وكل طاعة لغير أهل الشورى فهي انضواء تحت راية عِمِّيَّةٍ. روى الإمام مسلم والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عِمِّيَّةٍ، يغضَب لعَصَبَةٍ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقُتِل فقِتلةٌ جاهلية. ومن خرج على أمتي يضرب بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مومنها، ولا يفي بعهد ذي عهدها، فليس مني ولست منه”.

إن الفهم الحرفي والفهم التبريري سِيانِ في قلب الحقائق. وما هي إلا الإرادة تكون صادقة في نصر شرع الله فتبصر التوجيه الإلهي النبوي بَصرا صحيحا، أو تعجز فتتلهى عن الوِجهة الصحيحة وتصطنع فهما تحُدُّه النفس الواهنة الغثائية، وتحُدُّهُ الفتنة الغالبة.

طالع أيضا  النظريـــة المنهــاجية: المفهوم والوظيفة والمقصد 3/3

فإذا كان روح التنظيم الولاية بين المؤمنين محبة وتناصحا وطاعة، فإنه مهما يكون في ظاهره محكما لا بد من تربية رجال يكونون مع الحق لا مع الهوى. والحق القيام بتجميع طاقات المسلمين لا بتبديدها. والهوى الباطل أن نستعبد الرجال ونربطهم فكرا وحركة بالرجال لا بالصواب. قال الإمام علي كرم الله وجهه لابن الكواء الجماعة والله مجامعة أهل الحق وإن قلوا. والفرقة مجامعة أهل الباطل ولو كثروا). وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك).

وللتنظيم أجهزة تضبطه وتسيره عبارة عن مؤسسات ترتب المسؤولية وتحدد المهام، تشرف عليها قيادات مؤمنة بحسب السلم التنظيمي المحدد. وهذه المؤسسات مجالس تنظيمية منها الأدنى ومنها الأعلى يشرف عليها نقيب. فنجد مجلس الأسرة يشرف عليه نقيب الأسرة، ومجلس الشعبة نقيب الشعبة، ومجلس الجهة نقيب الجهة، ومجلس الإقليم نقيب الإقليم، وهكذا حتى نصل إلى قمة السلم حيث نجد المرشد العام.

ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية.

وظيفة جهادية

من أجل إقامة العدل ونصر دين الله تعالى، وإنما فرض الله الجهاد ليُخْفِي قدره تحت ستار شرعه. وفرض علينا القتال في سبيله -وهو القوي العزيز لا حول لنا إلا به- ليختَبر ويَبْتَلِيَ من ينفذ شرط الفوز العظيم فيرتب جزاء الآخرة على عملنا في الدنيا. ومن حكمته تعالى أن جعل قانون المدافعة بين الناس أصْلاً قدريا وفريضةً شرعية. تاريخ بشريّ ظاهر، ويد الله الخفية من وراء ذلك.

والجهاد جهاد بناء الأمة، وجمع بين الجهاد الأكبر وهو مجاهدة النفس والشيطان، وجهاد أصغر وهو التدافع مع أهل الباطل والمزاحمة معهم على قيادة الأمة بالمناكب. أو هو جمع بين جهاد الأنفس وجهاد الآفاق. وللجهاد أبواب عدة وهي:

– جهاد النفس

– جهاد المال

– جهاد التعليم

– جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

– جهاد الكلمة والحجة

– جهاد التعبئة والبناء

– الجهاد السياسي

– جهاد التنفيذ

– جهاد الكفر

– جهاد النموذج الناجح

– جهاد التوحيد.

ثم لننتبه إلى أن مظنة كل خلل في أبواب الجهاد هو الخلل في التربية.