إذا كانت كتب المرشد رحمه الله، ونفعنا بذكره وعلمه قد حظي كثير منها باهتمام، وطُبِع منها ونُشِر ووُزّع كثير، أفاد منه غير قليل من القرّاء والمهتمّين، والمثقّفين والباحثين والدّارسين، ووجدوا فيه مادة دسمة نهاية في الإمتاع والإقناع والإشباع، كما وَجَد فيها ديدان القُرّاء، ونقّاد تحت الطّلب، ومعاولُ هَدْم مأجورة مأزورة بمَكر الليل والنّهار فرصة للإنفاق ممّا عندهم من بغضاء بَدَت على ألسنتهم وأقلامهم، وما تُخفي صدورهم أكبر..

وإذا كانت هذه الكتب قد تمّ تدويلُها وتداوُلُها في مؤتمر استامبول أيّاما قلائل قبل رحيل الإمام إلى الرّفيق الأعلى ليكون إسهاماً مُقِلاًّ مُخِلاًّ بعَرْض فِكر أسال مِدادا كثيراً في التعريف بالحقّ، والدّفاع عنه، وتبليغ الصّواب، والانتصار له، وتفجير ينابيع الحكمة لتكون خيراً مُتعدِّيا، وحَمْل لواء فصل الخِطاب بكلّ جدارة واقتدار.. فإنّ رسائل المرشد -خاصة تلك التي بعثَها إلى أفراد بعينهم ساعِيَ بريد محبّة، ورسول توجيه وترشيد، وعائِد جواب عن استرشاد واستفتاء واستبصار…- ظل أغلبها في طيّ السرّ والكتمان، بعيدا عن أن يكون في متناول القرّاء إلاّ قِلّة قليلة أفلَتَت من قبضة الاحتكار والادّخار، أو رأَتِ الجماعة بإيعاز من أصحابها ألاّ غضاضة في الإعلان عنها والإشهار.

بَقِي إذاً من هذه الرسائل الخاصة أغلبية موثَّقة مؤرّخة محفوظة في الرّفوف المغلقة، والمخابِئ المُشَفَّرَة. من هنا جاءت فكرة إطلاق سراح بعض منها. أرجو أن تكون هذه المبادرة منّي سُنّة حسنة، لي أجرُها وأجر مَن عمِل بها من باب الدّلالة على الخير -والدّال على الخير كفاعله -، ومن قبيل تعميم الفائدة، والتماس بركة الصّحبة ولقاء المصحوب عبر المقروء المكتوب.

وإني لأحمد الله سبحانه، لا أُحصي ثناء عليه أن خصّني من هذه الرسائل بمصابيح ومفاتيح؛ مصابيح كانت لي سُرُجاً منيرة أضاءَت طريقي لأمضيَ على بيِّنَة وبصيرة، ومفاتيح لأكثر مِن قُفل حَلَّت مشاكل عويصة ظلَّت مستعصية متمنِّعة، وأبواباً حديدية أوصِدَت في وجهي زماناً حتى تَعِب ساعدي مِن طرقِها وكلَّ إلى أن فاتَحْتُ الأستاذ المرشد الطبيب، والوليَّ الوالد الحبيب فجاءني منه ردٌّ، ومُدَّت إليَّ منه يد انتشَلَتني مِن كدٍّ، ووضَعَت لِحَيْرَتي حدّاً. أجمِل به من حدٍّ. بل إنّ كثيراً من هذه الرّسائل لم يأت استجابة وردودا بل كان مُبادَءَة من راعٍ مسؤول دالّ بمقال، مُنهِضٍ بحال.

وكلّ رسالة من هذه الرسائل لبنة من لبنات في بناء الذّات مؤرِّخة لمرحلة أو محطّة مِن مراحل ومحطّات صناعة الحياة الفردية والجماعية، يزيدُك تبصِرَة في قيمتها، وتجْلِيةً لفاعليتها ونجاعَتها وضعُها في سياقها الذي كُتِبَت فيه.

أوَّلُ هذه الرسائل بَعَثَها إليَّ الحبيب من سجن لعلو مؤرَّخة بيوم الأربعاء تاسع رجب 1404. كتَب فيها بعد أزكى سلام وأطيب تحية: أكتب إليك لهذا الاقتراح: ملحمة شعرية تُخَصِّص للتفكير فيها وإنجازها سنوات. ضعها منذ الآن على المنوال (…) الملحمة أن تَعْرِض بزوغ الرسل بنور الهداية، ومعارضة الأصوات المشوشة (أذى، تكذيب، نفي، قتل، حرب، شِعْب أبي طالب، إغراء… خُذ أمثلة من كل الأنبياء ومن السيرة العطرة).)أَكْثِر من قراءة حسان بن ثابت رضي الله عنه، وتمرَّس بعباراته ونَفَسه، وأكثِر من قراءة شوقي لتستلهم شاعريته ونظرته للعصر. وانظُر هل تجد شعر مُحَرَّم المعاصر لشوقي. صناعة شوقي ونَفَس حسان المؤيد بروح القدس رضي الله عنه.)يتعاقب في قصيدتك الإشادة بثبات الدعوة ورجالاتها، ورسالتها، ومضائها، وانتصارها مع الأصوات المُشوِّشة المجرمة والمستهزئة.)في تاريخ الإسلام من عهد الأنبياء، وفي تاريخ هذه الأمة المحمّدية حركات وفلسفات وغُزاة، وملحدون وأفاكون ومنافقون، وباطنية وحافظ أسدية وعفلقية… في كلّ العصور، اُسرد التاريخ وما كاد الأعداء للإسلام فكريا وعقائديا وعسكريا وسياسيا واستعماريا… وتبقى اللاَّزِمة في شعرك أنّ جند الله سائر لنصر الله حتى يَعُمّ الإسلام كل بيت حَجَر ومَدَر، وحتى يُظهِره الله على الدّين كله. قافلة الإسلام ما يُصيبها نُباح الأعداء ولا تموت.)نَوِّعِ البُحور، واختر منها الأنسب. اعمل لا تعجل، وأحْسِن وجَوِّد. مجرّد اقتراح. فَكِّر فيه وثَوِّرْه، وكُن في شعرك “قَوْمَتِيّا” مِن القومة. كن حماسيا. كُن صوتا مجلجِلا. كُن رَعْدا. فَكِّر في الموضوع ووافِني بما ترى… وفَّقَكُم الله ورعاكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

كُنْتُ عامَئِذ قد أنجزت بحثا للإجازة في اللغة العربية وآدابِها، وقد ناولته المرشد التماس بركة دعاء وتوجيه، وكان البحث تحت عنوان: “شخصية المؤمن الداعية من خلال النماذج القرآنية”، فقرأه بعناية تامّة، وصحّحه برعاية ودقة متناهية، وردّه إليّ مُوجّها ومبشّرا بقوله: “البحث من الناحية العلمية لا بأس به، لكنه من الناحية الأسلوبية يَنِمّ عن شاعرية كامنة، لهذا أقترح عليك أن تنظُم شعرا”. قلت: لا علم لي بالشعر وإن كنت أحفظ منه، ولي شغَفَ بقراءته والتغنّي بروائعه. قال: “يلزَمُك الآن أن تَنْظُم شعرا”. قلتُ: لا طاقة لي بالشّعر وبحوره، فأنا لا أحسن السباحة في المياه العميقة، والتجديف أمام الأمواج العالية. قال: “عليك بالشعر وإلا فلا زيارة إلاّ بقصيدة “.

طالع أيضا  رسائل لَبِنات (الحلقة الرابعة) .. للبناء رجال وللرجال بناء

كان هذا الحضّ المُستنفِر منه مَدْعاة لأنظُم شعرا، لا لأكون شاعرا بل لمجرّد أن أكون زائرا.

هو ذا الأستاذ المرشد رحمه الله، بعد نظمي القصيدة الأولى، ودخوله السجن بعد شهور، يكتُب إليَّ هذه الرسالة ليقترح عليَّ مشروعا شعريا كاملا متكاملا، واضحة أهدافه، مُبيَّنَة مضامينه، مُدَعَّما بتوجيهات فنّية، وإحالات مرجِعية، وإشاراتٍ تاريخية، وبشارات ربّانية نبوية. قُدِّم إليّ كلّ ذلك في طبق تواصليّ لبيب، من حبيب أريب، وفي ظرف عصيب جد عصيب لتكون حافزا مائزا مستفِزّا لاستراتيجية شعرية طويلة المدى. أرجو أن يكون ما نظَمْتُه من أشعار مواكِبا للأحداث الجِسام التي عرفَتْها أُمّتنا الإسلامية في ربيعها العربيّ وما قبله، وما سيُلهِمني إيّاه الملِك الوهّاب إن شاء الله في قابل غد الإسلام المُشرِق من أشعار استجابة للنّداء، وبرهان طاعة ووفاء.

رسالة ثانية من الأستاذ المرشد رحمه الله، وجعلنا بَذرة مِن بذره، وثمرة من أغصان شجره، أرسلها إليّ يوم كنتُ أنا المسجون الأسير هذه المرّة. بلَغَتني أنا وإخوة ستّة لي في نفس الوضع الخطير المُبير. كنّا في سجن “الأعواد” بالقنيطرة أضِنّاء رهن الاعتقال الاحتياطي، متّهَمين بزعزعة “عقيدة المسلمين”، وبالانتماء إلى جماعة “محظورة”، وبتهديد أمْن الدّولة وتكوين “عصابة إرهابية” في القنيطرة؛ فكأنّ عقيدة المغاربة غير إسلامية سيما وأنّ المصحف الشريف – برواية حفص- كان أحد صكوك اتّهامنا، وأنّ قدمي لم تطَأ قطّ القنيطرة حتى وطِئْتُ دهاليز سجنها المظلِم، ودخلْتُ والأحبة زنازنه منفردين مع سجناء الحقّ العام، وما أدراك ما السجن في مغربنا الأقسى – خاصة سجن “الأعواد” المُتاخِم للبحر الأطلسي – ويزيد الأمر تأُزيماً أنّ أيّام السّجن تلك وافَقَت خريف 1990 البارد.

عِشْنا شهورا في زنازن أقلّ ما يقال عنها أنّها قبور مغلقة في حفرة مِن حُفر جهنم الدنيا، وعليها حرّاس شِداد، وفي الجِوار ضحايا إجرام، ومجرمون ضحايا مِن مختلف الأعمار والفئات والمستويات.

شهور ثلاثة خَبَرْنا فيها وكْرا من أوكار الاستبداد والفساد يكفي ليكون معيارا لتجريم نظام لا يراعي لأبناء آدم أبسط الحقوق المُعترَف بها.

لم نَحْظ في سجن “الأعواد” من مظاهر الحياة الإنسانية العادية –والسجين مفقود في عرف المغاربة- إلا بربع ساعة نشُمّ فيها الهواء “النقيّ”، ونتطَلّع فيها بأعيننا إلى السماء، ونُبَعثِر خلالها خطوات في الأرجاء خارج الإسمنت المحيط بنا مِن فوق ومن تحت وما بينهما.

وفي يوم من الأيام، ويا لَه من يوم لا كباقي الأيام، فُتِح قفل باب زنزانة كلّ واحد منا لِيُقال لنا بنبرة آدمية غير معهودة: “زيارة مباشرة”.

لم نكن يومها نحظى إلا بزيارة واحدة غير مباشرة في دهليز مظلم، وفي “زحام ولا أحد”. كنت أتمنّى عندها أن أرى طرفا من كُمّ جلباب أمّي أو زوجتي، ولا حظّ لي في بنتي، ولا في إخواني ولا في أخواتي. وكانت المحكمة الابتدائية قد قضَت علينا بأحكام جائرة من ستة أشهر إلى سنتين. “أُكرِمْت” من بين إخوتي منها بسنة ونصف.

خرَجْنا للزيارة المباشرة فلم يتمّ تفتيشنا. وقبل ذلك اليوم كانوا يفتّشون منّا طاقية الرأس، وجيوب الجيب، وما بين أصابع اليد والقدم. وكان لقاء الأحبّة مباشرة دونما حجاب، ويا لحلاوة النظرة والالتزام وطيب الكلام! وأَروَع من ذلك وأجمَل أن تأتي زوجة الأستاذ المرشد رحمه الله يومئِذ مع أحد أبنائه برفقة بناته – حفِظ الله الجميع- لزيارتنا لتكتمل الفرحة. وقد أتانا الأحبّة بأوعية معبّأة بأشهى الحلويات – وكان ذلك اليوم أوّل يوم من شهر رمضان المعظَّم. وممّا زادنا فرحاً بالزيارة ومَن زار أن أُعطينا مِن للا خديجة – رعاها الله وأدامَها حِضناً دافئاً وملاذاً آمِناً لأهل العدل والإحسان- كتابَيْن هما “البرهان المؤيد” و”حالة أهل الحقيقة مع الله” لسيدي أحمد الرفاعي من أجل المدارسة. ووُضِع في جيبي من يدها الشريفة رسالة، وبلّغتنا رسالة شفوية من عند الحبيب رحمه الله: أن اثبُتوا ثبات الرّجال، وسيأتيكم من المُجيب نصرٌ وفتح قريب.

دخلنا بعد الزيارة زنازننا غاية في السرور بما جمَع الله لنا فيها من أطايب، ولم يتمّ تفتيشُنا مرة أخرى وقد خشيت أن تقع الرسالة في أيْد مُلوّثة غير أمينة. وبعد حين نودِيَ علينا لنخرج إلى الساحة من أجل بعثرت الخطوات تحت الفضاء الرّحب، وفوق الأرض الترابية الرّطبة. تذكَّرْت حينها أني نمت باكيا على أفضل العزائم ليلة أمس، وأنّني سألت الله أن لا يجعل ابتلاءنا ابتلاء عقوبة بل ابتلاء محبّة، وأن يثيبنا ويتوب علينا ويُفرِّج ما بنا. وقد رأيت تلك الليلة أن المرشد الحبيب أرسل إليّ رسالة كتَب فيها: “يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، وَاحْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ(…)”. اجعلوا هذا الحديث شعار رباطكم، احفظوه وتدارسوه فيما بينكم.

طالع أيضا  رسائل لبنات.. حاجتنا إلى الله في الدنيا ومع الناس (الحلقة الثانية)

قصَصْت الرّؤيا على الأحبة، وأطْلَعتهم على الكتابَيْن، وأخرجت من جيبي الرسالة العجيبة فكان مما جاء فيها بعد التحية والسلام للإخوة الستة رفقاء رحلة المحنة المنحة: اقبلوا هدية الله إليكم التي لا تُقَوَّم. وإذا أصبح أحدكم أو أمسى فوجد نفسه في السجن صائما قائما ذاكرا تاليا حافظا فليخاطب نفسه قائلا: “من أنا حتى أكون ممّن يُؤذَوْن في الله؟” ذلك لتعلموا مِنَّة الله العزيز الحكيم علينا وعليكم. )واملأوا إخوتي أوقاتكم بذكر الله اللساني والقلبي، واحفظوا كتاب الله المقدّس المجيد. وتزوّدوا فإن أمامكم النصر الموعود والفتح المبين. ولا يغرنكم تقلب الطاغين في البلاد، متاع قليل. )وادعوا الله لي ولهذه الأمة. )وتعلّموا كيف تتحابون، ودوموا على رباطكم، بارك الله لكم فيه. )أرجو الله جلت عظمته أن يبارك لكم ولهذه الأمة في رمضانكم وفي كل أيامكم. )ملاحظة: لا عبرة بما يقال في المحكمة. المهمّ أنّ الجماعة بحمد الله المنعم المتفضل ربحت ربحا ضخما في هذه الجولة تعلمون إن شاء الله نبأه بعد حين. )والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. )سلا بعد صلاة صبح الثلاثاء 29 شعبان 1410 )أخوكم المحتاج لدعائكم: عبد السلام ياسين).

لم يبق لنا إلا أن نقف وقفة الرجال كما أوصى. وفي غمرة التفكير بصوت عال في هذه الوقفة الرّجولية نَسينا أنفسنا وقد دخل السجناء زنازنهم، وبقينا نحن الستّة مجتمعين في زاوية من زوايا باحة الاستراحة حيث أقبل علينا مدير السجن مُهرولا وقائلا في اضطراب مثير: “ماذا تفعلون؟ ادخلوا زنازنكم وسوف نعطيكم ما تطلبون”. فاندلعت مِن ألسنتنا بشكل فوري، ودون ترتيب للأولويات، وبسرعة دافقة مطالب كانت قبل اللحظة تعجيزية في عداد المستحيل. الحلم بها، حلم يقظة لا منام، ضربٌ من الأوهام. من ذلك أن لا يُمَسّ ما يأتينا من ملابس أو طعام أو كتب ولا يُرَدّ، وأن نُمَكَّن كل يوم من ساحة للرياضة، وساعة لطَهْي طعامنا بأيدينا في مطبخ السجن، وأن نحظى بفرصة دائمة للاستحمام. وكنا لم نستحم طيلة تلك الشهور الثلاثة إلا مرة واحدة، وبسرعة مُخِلّة وحالة هستيرية، وفي أجواء مُخجِلة محرجة مُخزية. هذا فضلا عن تشخيص تام لأحوالنا المرضية، وموافاتنا بالأدوية، وأن يُخَلّى بيننا وبين زيارة الطبيب ليتلقّى العلاج مَن أُصيب منا بأمراض جلدية وبطنية وعينية منذرة، وأن تكون لنا زيارتان مباشرتان في الأسبوع. وسابع المستحيلات أن نُمكَّن من زنزانة خاصة تجمعنا نحن الستة بعيدا عن سجناء الحق العام لأننا من سجناء الرأي، وضحايا إجرام النظام المتّهَمين بالإسلام. نُفِّذَت كل مطالبنا حتى السابعة من خلال زنزانتين ضمَّت كل واحدة منهما ثلاثة من ستّتنا على أن نلتقي جميعاً مرّة في الأسبوع في مجلس نصيحة مبيتي، في لقاء علم وذكر وقيام بعد صيام. وما أسعدها من أيّام أعقبت الشهور الثلاثة الشِّداد العِجاف. لكن سِرّ ذلك اليوم السعيد، وما حظينا فيه من إكرام وَدود وتعامل رشيد، وما حصل للمدير من اضطراب شديد، وما قابل به مطالبنا من تلبية دون تردُّد وهو المُتسلّط العنيد.. سرّ كلّ ذلك كنّا على موعد مع إماطة اللثام عنه في مساء ذلك اليوم العيد – ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّد- حيث علمنا من مصادر مختلفة وموثوقة أنّ عشيّة ذلك اليوم كان مُبرمَجاً فيها زيارة تفَقّدية من منظمة دولية عالية المستوى لسجن “الأعواد” بالقنيطرة كأحَد السجون المُدرَجَة في لائحة سوداء تضُمّ قائمةً لأسوإ سجون العالم المُفتَقِدة لأبجديات الحقوق الإنسانية، وضروريات الحاجيات الحياتية.

قضينا شهر رمضان في مِنْحة بعد المِحْنة حيث غلب اليسران العسر، وتوَّج القدر الإلهي الحكيم منحتنا ببراءة أذْهَلَت الجميع، وأثارَت أكثر مِن سؤال، وبعَثَت على أكثر من قراءة واحتمال، إلاّ أنّ المؤكّد على كلّ حال أنّها نصر رباني صِرْف، أخرجَنا من سجن الجَور والعَسْف، بكرامة إلهية سِيما وأنّ حكم الاستيناف قد أثْبَت حكم الابتداء قبل يوم مِن خبر التّبرئة الذي وافَق ما بعد ليلة السابع والعشرين من رمضان. وقد أُعلِمْتُ بعد عشر سنوات من براءتنا أنّ سببَها كان استجابة لطلب مُلِحٍّ من وليٍّ صالحٍ “الفقيه العلاّمة الصوفيّ المجاهد الحجّامي رحمه الله” أن يُخَلّى سبيلُنا لأنّه من العار أن يُزَجَّ بشباب مؤمن طاهر في زنازن الظلم بدعوى زعزعة عقيدة المسلمين، وبصكِّ اتّهام هو القرآن الكريم. أخبَرَني بذلك مَن لا أشكُّ في صدقه من أقرب الأقربين إلى العالِم الجليل رحمه الله وكتب موقِفَه هذا في سجِلّ حسناته، وصحيفة طيِّباته هو ومَن آزَرَنا يوم ذاك مِن المحامين الفُضَلاء، والإعلاميّين الشّرفاء والمُؤازِرين بالزّيارة والدّعاء.

طالع أيضا  حفل توقيع ديوان "من الأقصى إلى الأقصى" للشاعر الداعية الأستاذ منير ركراكي

وهكذا صدَّقَت الشهادة مرسول المرشد الحبيب، وكان أن بارك الله لنا في ذلك الرّباط المُنيب، وفي رمضان بنصرٍ وفَتحٍ قريب. وكان انتصار الجماعة في تلك الجولة – كما أشار المرشد رحمه الله في ملاحظته المُذَيِّلَة لرسالته المُذَكِّرة المُبشّرة – أنْ ساهَمَت البراءة في المصادقة من المجلس الأعلى للقضاء على أن الجماعة غير محظورة، وأنّها مُرخَّص لها وفق مسطرة إدارية قانونية صحيحة وسليمة، كما ساهَمَت في تبرئة العديد من الإخوان والأخوات الذين اعتُقِلوا فيما بعد وحوكِموا بنفس التُّهمة.

رسالة من هذا القبيل تزيدك يقينا أنك على الحق المبين، وأنك على صراط مستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا في الدنيا جهادا، وفي الآخرة درجة ومعادا.

رسالتان: الأولى مِن سجن، والثانية إلى سجن. وهل الدّنيا إلاّ سجن؟!

رسالتان تؤرّخان لعلاقة ربّانية بين أبٍ وأبنائه في ظروف عصيبة تَشي بمحبّة قلبيّة إيمانية إحسانية كلطيفة نورانية تخترق أسوار السجن لتُعانِق الرّوح الرّوح، وتبثُّها الشّكوى، وتحكي لها عن المعاناة والبَلوى دون نَجوى، فيأتِيَ الجواب في قالَبٍ مِن ذهَب يُخفّف الأحمال، ويَشْفي من الوَصَب؛ بل تتعدَّد الأجوبة المُلبّية المستجيبة رُؤىً وبشارات، كتُباً وزيارات، رسائل وإشارات، دعَواتٍ ومُؤازَرات لتكون المُحصِّلة أنّ العاقبة للتقوى لا للأقوى. نعوذ بالله من الدّعوى. وأنّ ربّنا الرّحيم الحكيم الحليم الكريم موجود، جادَ ويجود، ليَخرُج المفقود إلى الوجود بنياشين وأوْسِمة تُزري بتلك التي توضع على الأكتاف علامات عُلُوّ واستعلاء، وتوضَع على الرؤوس تيجان تأَلٍّ وافتراء. نياشين: “يُبْتَلَون وتكون العاقبة لهم”. ووسام: “المرء على دين خليله”. ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومَن على دينهم، وفي معيّتهم، وبصحبتهم بالضّمن والنّتيجة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. محفوظون بحفظه، مشمولون بعنايته ورعايته، مؤيّدون بنصر الله له وتأييده إيّاه بهم. أيَّة آية وأيّ حديث لمَن يفْقَه الإشارات التي تبوح بها العِبارات. هذا غَيْض من فيض أوحَت به الرّسالة الثانية إلى السجن، وأمّا الأولى التي مِن السّجن فتُحيل على علاقة أستاذ مُرشد مجدّد بتلميذ مُسترشِد مُتودِّد تَفرَّس في مكتوبِه ما كشَف عن كامِن، وحرَّره مِن عِقال ليَخرُج بعد مخاض الإنهاض والإنزال، وليُعانِق صرخة الوجود مِن مكبود مفؤود حُرِم أن يكون زائراً حتّى يُصبِح شاعراً، فشعُر بألَم الفِطام، وحَبا إلى القريض بقصيد نال بها بيتَ القصيد أن يشمَلَه الوليّ الحميد برعاية، وأن يخُصَّه مِن سجنه بعناية، باعثاً إليه برسالة تقترح عليه في بيان ما بعده مِن بيان حكمة الشّعر وسِحْر البيان، ولم تترُكه هَمَلا في أدغال التفكير في مهامه الخيال، بل أعْطَتْه مفاتيح أقفال في المجال، ومصابيح هداية ليسير على بيِّنَة وبصيرة لا ليَخْبِط خَبْط عشواء، ويتورّط تورّط ظلماء. مشروع عُمرٍ، وجهاد كلِمَة، ولَبِنَة من لبنات البناء.

رحم الله الإمام المجدّد الوليّ المرشد، وجزاه الله بما ربّى وأكرَم، وغذّى وفطَم، وكتَب وقدَّم، وعرَّف وعلَّم. وجعلَنا من أبنائه البررة الذين يحفظون العهد، ويتعهَّدون الوُدَّ بالوِرد والقَصْد، والشّكر والجِدّ. وألحَقَنا به مسلمين مؤمنين محسنين على الحق ثابتين لا مبدّلين ولا مغيّرين. وأثابَه عنّا وعن العالَمين بخير ما يُثاب به أبٌ عن أبنائه، واِبنٌ عن آبائه وزوجٌ عن زوجه، ومرشد عن جماعته، وإمام مجدّد عن أُمّته، ومُتّبِع عن قدوته وأُسوته. صلى الله وسلم وبارك على سيّدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.