يقول الإمام المجدد رحمه الله عندما سئل عن نشأته وعن تعلمه وعن المؤثرات في حياته رحمه الله، قال: … ما منا إلا من كانت له في طريقه إشارات إلاهية، وأسباب دبرها الله عز وجل الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كي تكون صوى في طريقه.

المنعطف الأول

سنة 1384ه الموافق ل1965م، أشرف الإمام على عتبة الأربعين (38 سنة) فعرفت حياة الرجل انقلابا بعدما كان ذا منصب اجتماعي مهم، وكان يقيم في مسكن فاخر، ويركب سيارة راقية…

مستوى ثقافي مرتفع ومتنوع بلغات عديدة في مجالات الفلسفة والتاريخ والفنون وعلوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع… بالإضافة إلى كون الرجل خبر عن قرب جميع الإيديولوجيات والأطروحات الإنسانية. عندما يتحدث في قضية من القضايا يبهر نظراءه لدقة معرفته وعمق إدراكه وسلامة لغته وتنوع إبداعاته ببصمته “الياسينية” كما ذكر لي يوما الشاعر أحمد الشرقاوي إقبال رحمه الله.

كما أن غرسه كان في تربة القرآن ومع أهل القرآن منذ طفولته كما يشهد على ذلك رفيق طفولته الحاج علي سقراط حفظه الله الذي يقول: … أما اطلاع سيدي عبد السلام فهو اطلاع رجل شاب ثم رجل قرأ من الكتب، أخذ من الكتب ومن الواقع مباشرة. فالأسس المتينة التي أخذناها عن أساتذتنا في المدرسة الأولى، مدرسة السيد المختار السوسي رحمه الله أرست، عند سيدي عبد السلام، قواعد التفكير وقواعد التعامل مع اللغة العربية ومع الدين، مع احترام الإسلام واحترام القرآن واحترام السنة واحترام المحترمات الدينية.

نمط عيش راق وترف في الحياة تطمئن إليهما النفس، قصد كثير من الناس. لكن ذلك لم يشكل للرجل أدنى اهتمام، بل كانت مجرد أشياء مآلها الزوال، ومظاهر تسر وتغر ولا تعكس حقيقة الإنسان، بل كل ذلك يفنى مع فنائه من الدنيا.

طرح الرجل على نفسه السؤال العسير: ماذا فعلت بحياتك؟ هل عرفت الله عز وجل، هل تقربت إلى الله عز وجل؟ كيف تلقينه، هل إيمانك بالله واليوم الآخر إيمان حقيقي أم أنها كلمة تردد؟

رب قائل يقول: “كلنا ذلك الرجل، نقول ما يقول ونرغب فيما يرغب…”.

لكن لسان الحال سرعان ما ينسى لسان المقال، لتستمر بذلك الغفلة ويبقى الإنسان أسير الأشياء، بينما الرجل رحمه الله أدرك حقيقة السؤال مبنى ومعنى، ثم سعى للبحث عن الجواب سعي الرضيع لثدي أمه.

عكف الرجل على قراءة الكتب، كتب الصوفية وكتب الحديث وكل ما كان يقع في يديه الشريفتين من كتب الدين. فوجد أن الطريق إلى معرفة الله عز وجل، كما اتفق عليه طيبو الأنفاس، أنه لابد للإنسان من رجل “يأخذ بيدك”.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة.. (7)ثمن رسالة الإسلام أو الطوفان

فترة بحث على “من” يجيب على السؤال، وهي فترة يعرفها العرف بمرحلة “الأزمة الروحية” لكن الرجل صححها في مراجعاته 1 بأنها فترة اليقظة القلبية)، حيث تعرف على الشيخ العباس القادري البودشيشي رحمه الله، الذي دله على الله.

الغوص في بحر أهل الله، ومحاولة السبر في أعماقه لاكتشاف حقيقة الصحبة والتمييز بين غثها وسمينها،غوص تكتنفه عدة مخاطر منها:

– الإرث الثقيل لتاريخ التصوف المليء بكثير من الإجحاف وقليل من الإنصاف.

– الذهنية التبسيطية العاجزة عن التمييز بين الحق والباطل.

– الذهنية التصنيفية التي تظهر الصورة من بعد واحد.

من هو الحاج العباس؟

الحاج العباس رحمه الله ينتمي إلى أسرة قادرية، ينتمي إلى أسرة الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله. كان رجلا فلاحا ناجحا في شبابه وكهولته الأولى.

نشأ رحمه الله في عائلة طينية تتوارث “مشيخة طريقة”، وكان أبعد الناس عن الاهتمام بالسلوك الصوفي رغم نشأته في زاوية. كان يعرف أن الطريقة شيء ورث من الأجداد وكفى.

التقى الحاج العباس بابن عمه السيد أبي مدين رحمهما الله، هذا الأخير كان مقرئا للقرآن الكريم. رجل بحث حتى عرف الله، ولم يكن من الذين يرثون عن آبائهم طريقة ويعطوا الأوراد الميتة.

لجأ الحاج العباس إلى سيدي أبي مدين وطلب إليه الصحبة، وقبيل أن يتوفى الله أبا مدين عهد إلى الشيخ العباس من بعده أن يكون قدوة لمن يريدون السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.

الإمام ياسين والحاج العباس

يصف الإمام يوم لقائه بالحاج العباس بقوله: أعتبر يوم لقائي بالسيد الحاج العباس رحمه الله كان ميلادي الحقيقي بعد الميلاد الجسمي، والميلاد الجسمي يشترك فيه الإنسان والحيوانات، لكن ميلاد الروح هو الشيء الذي يميز الإنسان الحق، الإنسان الموعود بالكرامة من الله عز وجل من غيره).

صحبة مباركة ذاق فيها الرجل حلاوة الإيمان بالدوام على ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة على رسول الله. اكتشف الرجل على يد الحاج العباس رحمه الله، الأثر البالغ للوصفة النبوية التي كان يجهلها. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ فَاسْأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ” 2 .

الإمام والمثقفون

حمل الإمام ياسين الحاج العباس رحمهما الله، إلى النخب الثقافية وأصدقائه ليعرفهم على الجوهرة الثمينة التي يحملها الشيخ العباس في قلبه، لكن دكاترة الفكر وجبابرة العقل لم يفهموا رسالة الرجل، لأن القوم لم يدركوا إبانها أزمة العقل والقلب التي يمكن أن تؤدي بالمرء إلى الاضطراب والتيه.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (3)الإسلام أو الطوفان

يقول الإمام في تعليقه على هذه المرحلة: شاع في جملة الكلام التّافه أنّ فلاناً حَمِقَ وتصوف. وإنها لمحنة قاسية، خاصةً في زمننا بعد ما جنى فيه محترفو الدّين من معممي الصّوفية قبل الاستقلال، أن يقال عن المرء كلمة هي الوصمة الكبرى والحجة الدّامغة في أعين أهل السطوح صغار الأحلام.

الإمام وفقراء الزاوية

كانت علاقة الإمام بمريدي الزاوية علاقة محبة ونصيحة:

محبة رجال تحابوا في الله واجتمعوا عليه: أمواج بشرية تتحلق على ذكر الله بكل تلقائية وشوق.

نصيحة من أجل تجاوز العثرات: ولعل بعض المريدين كانت تظهر لهم نورانية أو مكاشفة أو أحوال، فكان من امتلكه “الحال” 3 انتشى به وتحدث به وظن أنه بلغ المراد، وكفى.

هذا أمر اعتبره الإمام سلوكا قاصرا يهدد كل سالك لطريق الله، والأحوال تلهي وتحجب عن الله عز وجل، وتجعله متهاونا في أمور الشريعة، كالصلاة في وقتها وفي الجماعة…

حاول الرجل نصح مريدي الشيخ العباس بالتخلي عن هذه السلوكات التي تشوش على جوهرة الشيخ بل تقوض مشروع تربيته، وبضرورة التحلي بالسنة النبوية الشريفة… إلا أنهم امتعضوا من نصيحته ولقبوه بياسين الشريعة).

الإمام وتأصيل السلوك

عندما أحس الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، بقصور الرجال عن إبراز علاقة الحقيقة بالشريعة، كتب كتابي “الإسلام بين الدعوة والدولة” 1972، وكتاب “الإسلام غدا” 1973، عارضا نماذج من التجارب الإنسانية القديمة والمعاصرة، الإسلامية وغير الإسلامية في البحث عن موقف وتأسيس سلوك 4 .

الانفصال اللطيف عن الزاوية

وبعد وفاة الحاج العباس رحمه الله سنة 1972، أرسل الإمام عبد السلام ياسين رسالة للحاج حمزة بن العباس، قرأها عليه الراحل الأستاذ الملاخ بالزاوية مداغ – نواحي وجدة- يخبره فيها بتبرئه من الزاوية البودشيشية بسبب الأخطاء المتراكمة لمريديها الذين لم يلقوا بالا لنصائح الإمام ومقترحاته في إصلاح الزاوية من الداخل.

انفصل الإمام انفصالا لينا ولطيفا عن الزاوية متأسفا على ما تؤول إليه المدارس التربوية الصوفية. وانتقل بعدها إلى مدينة مراكش. فكانت هذه المرحلة مفصلية في حياة الإمام إذ تطورت مقاربته المنهاجية في تغيير ما بالفرد والمجتمع، وصار يؤمن بأنه لا يتأتى ذلك إلا بإصلاح نظام الحكم، كما كان دأب السلف الصالح والخلف المبارك من التابعين وتابعي التابعين رضي الله عنهم، في الإدلاء بالنصيحة بكل شعبها والتحلي بالصبر الجميل في تحمل تبعاتها الجسيمة، تقديسا لأمانة العلم التي طوق الله بها أعناقهم، فنذروا حياتهم من أجل النصيحة، وكان انتصابهم وقيامهم بفريضتها وسط الأمة كانتصاب الجبال الرواسي في الأرض تمسكها أن تميد.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (1)

لقد ظل الإمام عبد السلام ياسين حينا من الدهر يتحرق قلبه المؤمن لما يرى من تضييع طائفة من العلماء واجب النصيحة، واستشراء الفساد في الأمة قاعدة وقمة. فاستخار الله ربه في تجريد قلمه لتدوين رسالة مفتوحة للملك.

انشرح صدر الإمام لذلك و أشرك معه صاحبيه، محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ، في كتابة وطبع وتوزيع رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي اعتبرها أهل الزاوية “وثيقة الانفصال”. وفي الواقع هي انفصال جذري على مستويات ثلاثة:

المستوى الإدراكي

فهم للماضي والحاضر واستشراف المستقبل لاستقبال موعود الله، لبناء الخلافة على منهاج النبوة كما جاء في الحديث النبوي الشريف: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.” 5

المستوى الفكري

تطوير نظرية المنهاج النبوي من الخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي.

المستوى السياسي

إصلاح حال الفرد بإصلاح أحوال المجتمع، بذلك تم التأسيس لموقف سياسي على قاعدة النصيحة انطلاقا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” 6 .

رحمتك ربي وسلامك على من بذر بذرة الرحمة التي أنبتت شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء.


[1] برنامج مراجعات مع د.عزام التميمي في قناة الحوار 2008.\
[2] أخرجه الحاكم.\
[3] “الحال”: مصطلح متداول عند أهل التصوف، بأنه مقام. ويقصد به حالة شعورية خاصة تتجلى على شكل انعكاسات حركية أو لفظية بعد سماع القرآن أو الإكثار من الذكر.\
[4] سوف أتناول بالشرح والتفصيل والمقارنة في طرح “نظرية المنهاج النبوي” من المنعطف الأول والثاني والثالث عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.\
[5] رواه الإمام أحمد والبيهقي في منهاج النبوة، والطبري.\
[6] رواه مسلم.\