في مثل هذه الأيام، وقبل ثلاث وعشرين سنة ـ30 دجنبر1989ـ، وفي خرق سافر لأبسط الحقوق والحريات العامة للإنسان، قررت السلطات المخزنية فرض الإقامة الجبرية على الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، ومنعه بقرار تحكمي من التواصل مع الناس. وبعد ذلك بأقل من أسبوعين ـ13 يناير 1990ـ زجّـت بأعضاء مجلس إرشاد الجماعة في السجن ليقضُوا في “ضيافة” المخزن سنتين كاملتين.

دون جدوى، حاول النظام توجيه ضربة قاضية للجماعة معتقدا أنه بأمثال هذا الإجراء سينفرط عِقد الجماعة وتتشعب بقاعدتها السبل، ولن تقوم لها قائمة. ذلك أن حصار الأستاذ المرشد ـرحمه الله ـ واعتقال مجلس الإرشاد لم يكن سوى رأس الجبل الجليدي، إذ واكبهما مسلسل من التضييق والتشويش على تصور الجماعة ومشروعها التغييري، فجند النظام لهذا الغرض أقلاما وطُبعت كتب وسُجلت شرائط مرئية ومسموعة هدفها واحد: النيل من الجماعة وعرقلة انتشارها وتغلغلها في مختلف فئات المجتمع.

موقنة بأن النصر مع الصبر، ومتمسكة بمبادئها: سلم ورفق ودعوة بالحسنى ووضوح، اخترقت الجماعة بقيادتها الربانية المجاهدة سدود الحصار والتضييق، فمـنَّ الله تعالى على دعوتها بالقَبول، ويسر لها سبل الانتشار، وأقبل الناس عليها أفواجا ضاقت بأعدادهم المحاضن والمجالس، دفع قيادة الجماعة غداة خروج مجلس إرشادها من السجن ـ 1992ـ لترفع شعار: التكوين المتكامل والتوسع المتزن).

وعلى الدرب، خاضت سفينة العدل والإحسان لُجَجَ التضييق والحصار، تنافح عن مشروع الانعتاق والخلاص ببعديه الفردي والجماعي، وراحت تطور أساليب عملها وتطور مؤسساتها التنظيمية وتبلور البرامج والمشاريع، وتنامت شعبيتها وأكسبت السياساتُ غيرُ الرشيدة للجهات المستبدة الفاسدة واختياراتها اللا شعبية مصداقية لرؤاها التغييرية ومواقفها السياسية، وغدت رقما أساسيا في المعادلة السياسية، مثلما غدت ملاذا أخلاقيا وعامل استقرار جنب البلاد السقوط في مهاوي الغلو والتطرف.

مزايا وخصال اجتمعت في شخص الأستاذ المرشد ـ بوأه الله منازل الصديقين ـ وترجمتها تجربة ميدانية جماعة العدل والإحسان، جلَّتها أشغال مؤتمر اسطنبول عرضا وتحليلا وتقييما، مثلما شكلت وفاة الأستاذ المرشد مناسبة أجمع فيها ـ وبشكل غير مسبوق ـ فضلاء المجتمع: رجال دعوة وأكاديميون وقيادات سياسية ورموز حقوقية وفعاليات مجتمعية من داخل المغرب، كما من خارجه على ما خصه الله به من خصال ومحامد، فهو ـ رحمه الله ـ الداعية والمربي والعالم والمنظر، ليستحق بذلك ـ وعن جدارة ـ أن يكون مفخرة المغرب والمغاربة أن أنجبت بلادهم رجل من عيار ثقيل ستنهل البشرية من فكره وتنظيره ومنهجه في التربية والدعوة والإصلاح.

السؤال: إذا كان الرجل استأثر بكل هذا الإجماع على تفرده بخصال عز اجتماعها في غيره في زماننا، وإذا كان الرجل بهذا الشموخ والنبوغ والثبات واليقين والعطاء، كما شهد بذلك القاصي قبل الداني، فمن المسؤول عن حرمان المغرب من كفاءة من هذا المستوى لإنجاز إصلاح حقيقي يتفيأ المغاربة ظلاله وينعمون فيه بحياة كريمة؟ من المُستفيد من إقصاء رجل بهذه العبقرية الفريدة في حقل التربية وميادين التأهيل وتدريب الأجيال على الانخراط الإيجابي في بناء صرح وطن يسع الجميع، ويعتز بالانتماء إليه الجميع؟ إذا كان الرجل صاحب مشروع تحرري للإنسان والمجتمع، أسه الكرامة وغايته العمران الأخوي، أليس مناهضو هذا المشروع هم أعداء الشعب وخصوم الإصلاح؟

يحق لنا اليوم، وبعد أن لبى الإمام المجدد نداء ربه، أن نخلص إلى القول بأن الإمام عبد السلام ياسين ـ أجزل الله له العطاء ـ قد أكمل مهمته وأتم رسالته التي ندب حياته لها، وقدم تجربة ميدانية مناهضة وسلمية للاستبداد، بلورها من خلال أربعة عقود من العمل الجاد والصمود وتربية أجيال هي اليوم حملة مشروع العدل والإحسان سائرة به ـ إن شاء الله ـ مستشرفة نصر الله تعالى وبشارة نبيها، أن بعد قرون العض والجبر فجر عزة لاحت تباشيره؟!.. فأما الزبدُ فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال). صدق الله العظيم.