لا شك أن الكل يقر بمبدأ استقلالية الجمعيات، ويؤمن بحريتها في اتخاذ القرارات وتنزيل أفكارها في فضاء المجتمعات التي تشتغل في إطارها، حرية واستقلالية أقرتها كل المواثيق الدولية وجل الدساتير الديمقراطية وكل التجارب الناجحة. غير أنه بين المبدأ والخبر وبين التصور والواقع فرق شاسع، وهوة بينة ساهمت عوامل عدة في تجسيدها وترسيخها، كعرف مجتمعي أضحى مرجعا تشتغل به جمعيات عدة وإطارات مجتمعية تكون في الغالب امتداد إلى مرجعية تنظيمية سياسية أو رسمية تفرض عليها تبعية تنظيمية شبه كلية تقوض معها مبدأ الحرية والاستقلالية.

فدون الحديث عن بعض الجمعيات الممخزنة التي تأثث فضاء المجتمع المغربي والتي تأتمر وتنتهي بأمر المخزن، فيمكن إقرار تماهي عمل جمعيات المجتمع المدني بالإطارات التنظيمية الحزبية وتداخلها، بل والتحكم في برامجها ومشاريعها وتسييرها بشكل مباشر، حتى تغدو الجمعية رهينة فاعلية الحزب الفلاني من عدمه. وإن تجاوزنا عامل الفهم السطحي لدور الجمعيات الذي تعتبره بعض التنظيمات السياسية بمثابة فضاء لتصريف الأنشطة الحزبية فقط وإطارا لإشعاعها في المجتمع، فيمكن الجزم على أن العامل الذاتي للتنظيمات السياسية من قلة الموارد البشرية وضعف الطاقات الحاملة للمشروع المجتمعي والتي تمارس عملا جمعويا مستقلا بنفس ينسجم وتصور الحزب، هو العامل الرئيس الذي يجعل من الجمعية والحزب وجهان يمارس خلالهما طاقم واحدبخطة واحدة وبرنامج واحد.

نضج الممارسة الجمعوية المستقلة تحيلنا ضمنيا على نضج الإطارات السياسية التي تشتغل في إطار مشروع مجتمعي واضح، تتحمل فيه الطاقات الفاعلة مسؤوليتها في تنزيله مجتمعيا، عبر جمعيات المجتمع المدني، في شقه الاجتماعي والتربوي والثقافي، بآليات ديمقراطية، تأسس لفعل تشاركي بين كل مكونات المجتمع المدني. فقوة التنظيمات السياسية لاشك تتمثل في قدرتها على تأطير الجماهير والتغلغل وسط العامة عبر إطارات مستقلة. استقلالية تضمن للجمعية زخما شعبيا وثقة ومصداقية بين الناس لما تصوغ برامجها وأنشطتها جموع الناس والمنخرطين في الجمعية،حيث يكون الإطار السياسي والمحزب بينهم عنصرا فاعلا، موجها لدفة القيادة بتجربته وقدرته على التواصل وقدوته وأخلاقه التي تلزم الأعضاء بتبني أفكاره ومشاريعه، بل والانخراط في إنجازها والسهر على تنظيمها لعامل الثقة السائد في الجمعية والذي أسسه عامل الحرية والاستقلالية.