الإسلام أو الطوفان بهذه العبارة عنون الأستاذ عبد السلام ياسين الرسالة الشجاعة التي أرسلها إلى الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1974. دعاه فيها إلى تطبيق الإسلام شريعة ومنهجا في تدبير الشأن العام، وإلا سيعصف الطوفان بالبلد. لم يستجيب الملك للرجل واعتبره مجنونا فألقى به في سجن المجانين، وقمع فكره وجماعته، واستمر القمع والحصار إلى يومنا هذا.

نفس النهج نهجته باقي الدول العربية، استبدادا في الحكم وفسادا في التدبير وتزويرا واستغلالا للدين، فلم تصمد أنظمتها أمام الطوفان، فهرب بنعلي وتنحى مبارك وعلي صالح وقتل القذافي شر قتلة.

الطاغية أعمى

لم تسلم سوريا من الطوفان فقرر بشار أن يدخل رأسه في الرمال ويرى الحقيقة التي يريد، فرأى قيام شعبه عليه ومطالبته بتنحيه عملا إرهابيا وجب التصدي له، فأخذ يقتل شعبه مستعملا كل الوسائل الأمنية والحربية البشعتين. رد الشعب على سياسة الأرض المحروقة بشعار “الموت ولا المذلة” وهكذا وبعد مرور أكثر من سنة على اجتياح الطوفان للبلد وأمام خذلان العالم بمن فيهم “الإخوة العرب والمسلمون” للقضية السورية، لازال الشعب صامدا متخذا من “ما لنا غيرك يا الله” شعارا له، ومعولا على نصرة الله وشجاعة أبنائه وبناته.

خذلان العالم

العالم لا يؤمن إلا بالمقولة الشهيرة ليست هناك عداوة دائمة ولا صداقة دائمة ولكن مصلحة دائمة) لذالك نجد روسيا ومن يقف معها متشبثة بدعم النظام السوري باعتباره حليفا استراتيجيا وجب الذود عنه، تجنبا للتدخل العسكري وإسقاطه.

أما الولايات المتحدة وحلفاؤها فلا يمكن فهم موقفهم إلا بأمرين:الأول أن الخيرات الطبيعية للبلد غير مشجعة على التدخل بشكل أكثر إيجابية مقارنة مع ليبيا، أما الثاني فنرجعه لغياب ضمانات حقيقية للخريطة السياسية بعد سقوط بشار الأسد، لذالك تتلكأ بالفيتو الروسي والصيني، وتجربة العراق خير دليل.

أسد علينا وفي الحروب نعامة

الدول العربية كلها دول مستبدة مستأسدة على شعوبها منبطحة لأمريكا والعالم، وعبثا أن نتصور نظاما استبداديا يساند ويدافع من أجل إقامة نظام عادل، فالاستبداد لا يصنع إلا استبدادا. وهنا نستثني كل من (مصر، ليبيا، تونس واليمن) الذين يعيشون مخاض التغيير ولنا الأمل في نجاح مخاضهم واتخاذ مواقف جريئة، وقد بانت بعض بوادرها مع رئيسي تونس ومصر.

خذلان الشعوب

الشعوب مغلوبة على أمرها، مضطهدة في رأيها وحريتها، منشغلة في جمع قوت يومها وتأمين سربها، وحفظ بدنها.غير أن هذا لا ينفع من تنظيم وقفات تضامنية على غرار المسيرات المليونية مع الشعب العراقي والفلسطيني، حيث لم تنظم إلا وقفة يتيمة دعت لها الجمعية المغربية لنصرة قضايا الأمة، وبعض الوقفات المسجدية لجماعة العدل والإحسان. وهنا نطرح أكثر من علامة استفهام على الضمير الإنساني للمجتمع المدني عامة وبعض الهيئات خاصة منها مجموعة العمل الوطني ومؤتمر الأحزاب القومية والعربية التي لم تحرك ساكنا.

وكان حقا علينا نصر المؤمنين

لقد ترك الشعب السوري يواجه قدره المحتوم بشجاعة منقطعة النظير بعد أن خذله العالم. وهاهو اليوم يحقق قدره بيده وينزل النظام الهزائم، بدء من الانشقاقات المتكررة في صفوف الأمن والجيش ورجال السياسة، وسيطرته على بعض المواقع الحدودية مع تركيا والعراق، واختراقه للبيت الداخلي للنظام، وقتله لأربعة مسؤولين كبار في الانفجار الأخير والاشتباك مع جيشه في دمشق والعديد من الأحياء في باقي المدن. فبعد العسر اليسر وبعد الصبر النصر وبعد الابتلاء التمكين، فالقيد ينكسر والصبح ينجلي والشعب السوري يصنع مستقبله ويكتب تاريخه بمداد من الدم، والله عز وجل مع المؤمنين إن بذلوا وصبروا وصابروا، وللرجولة ثمن معلوم.

الإسلام أو الطوفان مرة أخرى

جاء الإسلام ليحارب الاستبداد ويحرر العباد إلى عبادة رب العباد، ويقيم العدل في الحكم والأرزاق والقضاء، جاء الإسلام منهجا متكاملا عبادة وسياسة واقتصادا وعلاقات اجتماعية ومعاملات تجارية…الخ ولنا في سيدنا عمر بن عبد العزيز نموذجا يقتدى، حكم عامين فساد في المجتمع رخاء اقتصاديا وقضاء عادلا… الخ فلما انقضت عرى الإسلام -وأولها الحكم- عاد الفساد والاستبداد، لكن هذه المرة لبس لباسا دينيا وتقنع بقناع إسلامي. فالحل الإسلام اليوم وغدا يا من تسمعون.

لقد اختار الشعب المصري والتونسي الإسلاميين لاقتناعه بأن الإسلام دين العدل والرخاء والحرية والكرامة، وسيختارهم في كل دولة إسلامية تتحرر من الاستبداد لنفس السبب، وحتما سيختار الشعب غيرهم ويعرض عنهم إن اختاروا غير الإسلام بديلا.