هل نستطيع القول إن “جماعة العدل والإحسان” وضعت رؤية لما بعد الشيخ عبد السلام ياسين؟

من المعروف أن “جماعة العدل والإحسان” لها منهاج وفكر وبرامج ومؤسسات. بمعنى أنها لا تشتغل على طوارئ أو على ردات فعل، إنما لها تصور استراتيجي للعمل. ومن هذا المنطلق، فالجماعة تسير وفق منهاج وبرامج . البعض يقول إن الجماعة تُسيّر من طرف شخص واحد هو من يكتب وينظّر؛ هذا غير صحيح. فالأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وهو الأستاذ والمرشد العام، شخصيته ومساهمته ووزنه داخل الجماعة له اعتبار خاص، بل إن له المكانة الأساسية داخل جماعة العدل والإحسان. لكن أيضا مما ميز الأستاذ ياسين أنه كان يكتشف الطاقات ويدفع بها ويشجع المبادرات ويكوّن رجالا ونساء قادرين على حمل هذا المشروع، بل وتطويره. ولذلك، فالمرشد الراحل عمل ـ في حياته ـ على تطوير كثير من الأفكار والتصورات وكان يقول: إن من لا يتطور يصبح حَجراً يُتَيمَّم عليه.. فهناك أسس ومبادئ رئيسية يقوم عليها منهاجنا، سنبقى متشبثين بها، لأنها ليست مرتبطة بأحداث أو بتدافع أو بأشخاص. باستثناء هذا، فنحن مستعدون للتطوير، ونحن نتطور في كل لحظة وباستمرار.

هل يندرج إحداث صفة أمين عام للجماعة (الأستاذ محمد عبادي) والإبقاء على صفة المرشد العام (الأستاذ عبد السلام ياسين) في إطار هذا التطور؟

نعم، يمكن اعتباره كذلك. وأرى ذلك منطقيا، باعتبار أن الأستاذ المرشد هو المؤسس لهذه النظرية، وقد حباه الله بكثير من المؤهلات العلمية والفكرية والتربوية والقيادية، وعادة فمثل هذه الشخصيات التي تأتي في منعطفات تاريخية لا يمكن أن تتكرر كثيرا، ليس فقط بالنسبة للحركات الإسلامية، ولكن أيضا بالنسبة لكل الاتجاهات والحركات. فكوننا نحافظ للأستاذ المرشد رحمه الله على هذه الصفة، فمعنى ذلك أننا نخصه بتلك الميزة، ونعفي من سيأتي بعده من أن عليه بالضرورة أن يتميز بنفس الميزات التي كانت للمرشد، وكذلك حتى يمكن للشخص الذي سيأتي بعده أن يعمل في راحة وسلاسة أكثر.

في هذا الإطار، هل يأتي إطلاق صفة الأمين العام انسجاما مع ما هو معمول به في الأحزاب؟ وهل هو مؤشر على كيفية تقدير الجماعة للمرحلة السياسية القادمة والتعاطي معها؟

للتذكير، فهذا الاسم غير غريب عن الجماعة ، فالمسؤول عن الدائرة السياسية الأستاذ عبد الواحد متوكل كان يسمى الأمين العام، والآن حين أصبح المسؤول عن الجماعة ككل يسمى الأمين العام غيرنا اسم المسؤول عن الدائرة السياسية إلى “رئيس”.

أما في ما يخص تدبير المرحلة السياسية، فإن سلوكنا السياسي الذي يقوم على التدافع السلمي يجعلنا منفتحين باستمرار على كل الأطراف ومستعدين للتعامل معها. ولعل ما حدث منذ حوالي سنتين، في إطار حركة “20 فبراير”، أكبر برهان على أننا على استعداد للشراكة والتعاون والاندماج في إطار الأعمال المشتركة الجادة، وقد شهد بذلك الجميع. أما إنْ كان المقصود هو أن نشتغل في إطار حزب سياسي ـ مثلما يطرح ذلك كثير من الناس ـ فأنا أقول بكل بساطة إن هذه المشكلة ليست مشكلة العدل والإحسان، بل هي مشكلة الدولة التي لا ترخّص لإنشاء حزب إلا لمن خضع للخطوط الحمراء الموضوعة سلفاً، ولا يكفي أن يخضع لها بل يجب عليه أن ينال عطف الدولة. لو كان الأمر يتعلق بقانون ودستور لتحولنا إلى حزب سياسي منذ زمان. فهذه الأمور في المغرب لا يحددها الدستور والقانون، بل تحددها التعليمات ويحددها النظام والحاكمون الحقيقيون وليست الحكومات. ولذلك، أؤكد من جديد ألا إشكال لنا في أن نكوّن حزبا، والدائرة السياسية الموجودة في الجماعة هي بمثابة حزب قائم الذات لا يحتاج سوى إلى ترخيص. ولكن، هل الدولة مستعدة لذلك؟ البراهين اليومية تؤكد أن الدولة غير مستعدة، ويمكن أن نستشهد بما وقع لحزب “الأمة” وحزب “البديل الحضاري”، بحيث إنهما قدّما كل ما يمكن أن يُقدّم في إطار القانون ولم يُسمح لهما بتأسيس حزب.

هل أنتم مستعدون للعمل في إطار الدستور وضمن قانون الأحزاب؟

لدينا كثير من المؤاخذات على بنود الدستور وطريقة وضعه وعلى كثير من القوانين الموجودة؛ لكننا نعمل في إطار هذه القوانين ونحترمها. والدولة هي التي تخالف القانون في التعامل معنا.

هل معنى ذلك أنكم تفكرون جديا في المشاركة السياسية بشكل أقوى من خلال تشكيل حزب سياسي؟

إذا كان المقصد الجوهري من العمل السياسي هو التأثير في المشهد والقرار السياسيين فهدا أمر نحققه بشكل كبير حتى في ظل وضعنا الحالي ومن دون حزب، لكن كما قلت سابقا فمسألة تشكيل حزب فعلي لا تتعلق بنا نحن في الجماعة وليست بأيدينا، بل بيد الطرف الآخر، والكل يدرك أن ذلك الطرف لن يقبل بنا إلا إذا تخلينا عن مبادئنا وأصبحنا غير “العدل والإحسان”؛ و هذا ما لا يمكن أن نفعله أبدا.

من بين نقاط خلافكم مع الدولة مسألة “إمارة المؤمنين”؟

إمارة المؤمنين مسألة فقهية، ونقاشها فقهي وليس سياسيا. ولذلك، فنحن نحبذ أن تطرح على المستوى العلمي والفقهي من أجل الإجابة عليها.

وماذا بالنسبة لمسألة الملكية؟

لقد أوضحنا أكثر من مرة أنه من خلال قراءة التاريخ السياسي للإسلام يتبين أن الحكم كان في العهد الأول شورى بين المسلمين، وانتقل منذ العهد الأموي من حكم شوري إلى حكم وراثي ثم استبدادي، وهو ما يصطلح عليه الحديث النبوي بـ”المُلك العاضّ” و”المُلك الجبري”. إذن، ارتبطت الوراثة في الحكم بالجبرية وبالاستبداد والظلم والاستفراد بالسلطة. إنها معوقات وأمراض واكبت تاريخ المسلمين، ونحن جزء من هذا التاريخ.

ومن أجل تجاوز ناجع لهذا الوضع المتردي نرى ألا سبيل لذلك إلا بحكم راشد وعادل، حكم يُختار فيه الحكام ويُحاسبون، حكم تفصل فيه السلطة عن الثروة، حكم تُضمن فيه الحقوق لكل الناس. في العالم الإسلامي، هناك ـ للأسف الشديد ـ عدة جمهوريات أصبحت تُوَرّث مثل الملكيات، وهناك في أوربا وغير أوربا ملكيات تضمن الديمقراطية والحريات والعدالة… إذن، ففي ضوء “اللخبطة” الموجودة حاليا، صرنا لا نتعلق بالأسماء بقدر ما نتعلق بالمضمون. نحن نريد حُكماً تتوفر فيه الشروط المذكورة، وليسمّونه ما يريدون.

خلال التناول الإعلامي لجماعتكم، تُطلق عليها صفة الحظر، إذ يُقال “جماعة العدل والإحسان.. المحظورة”، فما هي مشروعية هذا الحظر؟ وكيف تتعاملون معه؟

كما أكدت قبل قليل، فالدولة لا تتعامل بالقانون ولا تستدعيه إلا إذا كان سيخدم مصالحها، أما إذا تعارض مع مصالحها فهي تضرب به عرض الحائط. الآن، أكثر من ثلاثين محكمة في المغرب، ما بين محاكم الابتداء والاستئناف والنقض، حكمت بأن جماعة العدل والإحسان قانونية. ومع ذلك، ما زال البعض يتعامل معها على أساس أنها محظورة، وما زالوا يعتقلون إخوانا وأخوات لنا ويقدمونهم للمحاكمات بتهمة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها، بينما يقول القانون عكس ذلك. فمن يقرر في هذه المسألة إذن؟ هل القضاء؟ القضاء قال كلمته. فمن يستعمل تلك الصفة ويتعامل معنا على أساسها؟ الدولة هي التي تتحمل المسؤولية في ذلك.

هل حصل حوار بينكم وبين الدولة؟

لا. لقد قُطع الحوار منذ زمان بعيد.

منذ متى؟

منذ أكثر من عشرين سنة، أي عندما كنا في السجن.

هل كان ذلك الحوار مبنيا على أرضية ما، أم كان مجرد نقاش عام؟

قلت أكثر من مرة، لو وصلنا ـ ليس في المغرب فقط وإنما في الدول العربية التي يحكم فيها الاستبداد ـ إلى مستوى الحوار بين الطرفين لكُنّا قد تجاوزنا الكثير من الأشياء. لكن هذه الأنظمة لا تعترف بالطرف الآخر، فبالأحرى أن تحاوره، فلقاءاتها مع هذه الأطراف ـ إنْ تمت ـ تكون من أجل إملاء شروط محددة ومن أجل الإخضاع وفرض الرأي، وبالتالي لا يمكن أن نسمي ذلك حوارا. ففي الدول الاستبدادية حينما يظهر معارض صلب فإنها لا تحاوره، وإنما تحاول أن تضغط عليه، تعتقل، تحارب، تضايق… وفي مرحلة من مراحل الضغط الشديد يقدر معها النظام أن ذلك الطرف المعارض أصبح مستعدا لقبول الشروط، إذّاك يجلس معه ويسمي ذلك حوارا. وهذا ما فعلته الدولة معنا، حيث لم تجلس معنا إلا عندما كنا وطلبتنا في وجدة وكثير من أعضائنا في السجن، وكان الأستاذ عبد السلام ياسين في الإقامة الجبرية. فقلنا لهم: هذا ليس حوارا، فمن بين المؤشرات التي يُفترض إظهارها أن يرفع عنا هذا الحيف ثم نتحاور بعد ذلك. أما أن نتحاور والعصا فوق رؤوسنا فهذا لا يمكن تسميته حوارا. وهنا أدرك النظام سوء تقديره لوضعيتنا فلم يعد المحاولة مرة أخرى.

لنطرح عليكم سؤالا تبسيطيا: لماذا تقبل الدولة التعامل مع حزب “العدالة والتنمية” ذي المرجعية الإسلامية، وترفض ذلك مع جماعة “العدل والإحسان”، مع أن جماعتكم ترفع اللاءات الثلاثة: لا العنف، لا للسرية، لا للارتباط الخارجي؟

أرجو أن تطرحوا هذا السؤال على الدولة، فنحن ننتظر الجواب كما ينتظره الكثير من المتتبعين.

هل تلك اللاءات ثابتة لا تتغير؟

نعم، إنها ثابتة لا تتغير، إنها ليست تاكتيكاً؛ فقد تبنيناها منذ نشأة الجماعة في نهاية السبعينيات وليست حديثة العهد، ويتربى عليها الإخوة والأخوات الأعضاء منذ الجلسات الأولى التي يلتحقون خلالها بالجماعة، فالإسلام لم يأت بالعنف، الله سبحانه وتعالى قال لرسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. على هذا المنهاج، نريد أن نكون رحمة للآخرين لا نقمة عليهم، لأن الأصل أن نمد أيدينا للناس ونأخذ بأيديهم ونتعاون معهم، ولا ندعي أننا فوقهم، ولا أننا ملائكة وأن الآخرين غير ذلك.

انخرطت جماعتكم في “حركة 20 فبراير” منذ انطلاقتها، ولكنها انسحبت منها منذ حوالي سنة، مما أضعفها. هل كان انسحابكم مرتبطا بصعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم؟

البيان الذي أصدرناه بعد انسحابنا من حركة 20 فبراير كان واضحا، حيث أوضحنا فيه الأسباب التي دعتنا إلى الانسحاب. لقد كنا من أول الداعمين لتلك الحركة، وانخرطنا فيها، وأعتقد أن كثيرا من الأطراف التي التحقت بالحركة فعلت ذلك بعد أن عرفت أننا سننخرط في “20 فبراير”. لقد انخرطنا في هذه الحركة بكل ما نملك من صدق ومرونة، من منطلق الاعتقاد بأنه يجب أن يتعاون كل الفضلاء والخيّرين الذين يأملون الخير لهذا البلد، دون حساسيات ودون حسابات شخصية. لكننا لاحظنا، فيما بعد، أنه بدأت توضع عراقيل داخل هذه الحركة من قبل بعض الأطراف المساهمة التي أخذت تحاول الهيمنة وتحديد السقف لنا، وفي الوقت نفسه تتهم الأطراف الأخرى وتتهمنا نحن تحديدا، كما أنها كانت تضغط حتى في أبسط الأشياء، حتى في الشعارات المرفوعة؛ هم لهم الحق في أن يرفعوا أي شعار يريدون، ونحن ليس لنا الحق في أن نرفع حتى شعار “لا إله إلا الله” أو “الله أكبر” أو أي شعار يمت من قريب أو بعيد لا إلى جماعة “العدل والإحسان” وإنما إلى الإسلام وإلى طبيعة الشعب المغربي وتلقائيته في التعبير، وهو سلوك يعاكس أيضا ما يميز الثورات العربية من شعارات. ومع ذلك، تحملنا كل تلك الضغوط ومضينا نشتغل في إطار “حركة 20 فبراير” بالصورة التي تتبعها الجميع. لكننا فيما بعد، بدأنا نشعر أننا وصلنا إلى مفترق الطريق، واستنتجنا أن الحركة، بالشكل الذي كانت عليه، أعطت أقصى ما يمكن أن تعطيه، فإما أن ننتقل إلى مرحلة التصعيد، أو أن نبقى بتلك الطريقة وتموت هذه الحركة موتتها العادية والطبيعية؛ علماً أننا بدأنا نشعر خلال الأيام الأخيرة من الحركة، حيث أصبحت وتيرة الاحتجاجات رتيبة ولم يعد لها فعل الـتأثير والضغط والإزعاج، إذ المستفيد الأساس منها هو النظام الذي بدأ يستغلها للتسويق لشعارات زائفة مثل “مغرب الحريات” و”الاستقرار” و”الاستثناء”.

لقد كنا نعتقد أن هذه الحركة هي آلية وليست هدفا، وبالتالي إذا كانت الآليات لا تحقق الأهداف فمن العبث أن نبقى متشبثين بها، فلا بد إذن أن نبحث عن آلية أخرى لتحقيق ذلك الهدف. إن موقفنا المبدئي من العنف ومن المواجهة ومما يمكن أن يترتب عنهما، جعلنا لا نختار هذا الخيار. أما أن نبقى بالشروط وبالكيفية التي كانت عليها الحركة وبالتناقضات التي طفت على سطحها فذلك من باب العبث، وإلا فسندخل في صراعات بين الأطراف، ونحن ننأى بأنفسنا عن ذلك. كل هذه الأسباب هي التي جعلتنا ننسحب من حركة 20 فبراير، ولكننا لم ننسحب من الحراك الشعبي بصفة عامة ومن الحركات الاحتجاجية ومن الوقوف بجانب المظلومين، وهذا ما أكدته التجربة بالفعل، فكل المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات التي عرفها المغرب شمالا وجنوبا وشرقا وغربا كنا حاضرين فيها بجانب المستضعفين والمظلومين.

بما فيها المظاهرات التي حدثت مؤخرا في مراكش؟

لا، احتجاجات مراكش الأخيرة اجتماعية صرفة، قد يكون حضرها بعض أعضاء الجماعة القاطنين هناك باعتبارهم متضررين كغيرهم من السكان، ولكننا لم نؤطرها.

وجهت إليكم اتهامات في هذا الموضوع؟

لقد تم الترويج إلى أن هناك معتقلين من “العدل والإحسان”، وقد كذّبنا ذلك، إذ لا وجود لمعتقلين من الجماعة خلال تلك الأحداث.علما أن إخوتنا في مراكش قد أصدروا بيانا أعلنوا فيه تضامنهم مع السكان ونددوا بالطريقة العنيفة التي تعاملت بها السلطات.

طيب، ما طبيعة العلاقة حاليا بينكم وبين حزب “العدالة والتنمية”؟

العلاقات لا تتجاوز المستوى الشخصي. وتجمعنا معهم الولاية العامة الموجودة بين المؤمنين عموما، على اعتبار أن لنا مرجعية واحدة وغاية واحدة. لكن على مستوى التنسيق والخيارات فنحن نؤكد ـ وهذا يعلمه إخواننا في “العدالة والتنمية” ـ هم تجربة ونحن تجربة أخرى؛ إننا نختلف معهم في المسلك الذي سلكوه كما يختلفون معنا.

قيام عبد الإله بنكيران بتقديم التعازي إلى الجماعة في وفاة الأستاذ عبد السلام ياسين مبادرة فُهمت موقفا إيجابيا على مستوى حزب “العدالة والتنمية” وعلى مستوى الحكومة. لكن، فيما بعد رشحت تفسيرات تقول إن بنكيران حضر بصفته أمينا عاما للحزب المذكور وليس كرئيس للحكومة. كما كان من المفروض أن يشارك في الجنازة ولكنه لم يحضر، فكيف قرأتم أنتم في الجماعة هذا الاستنكاف من حضور الجنازة من طرف حزب العدالة والتنمية، باستثناء حضور مصطفى الرميد (وزير العدل والحريات)؟

أولا، إخواننا في “العدالة والتنمية” قاموا ـ رجالا ونساء ـ بواجب العزاء أحسن قيام، وعبّروا عن أخوتهم ومواساتهم وتضامنهم، وكانوا في مستوى عال من المروءة والأخوة. هذا موقف نسجله، بغض النظر عما يمثلونه رسمياً. لكن، أن يحضروا بصفتهم الحكومية أو لا يحضروا فنحن لم ندخل في هذه الحسابات، وخصوصا في ما يتعلق بمسألة الجنازة. إن كانت للإخوة في “العدالة والتنمية” إكراهات، فنحن نقدرها ونشعر بها ونعلم أن الإكراهات فوق طاقتهم. ويؤكد ذلك حضورهم للمواساة وتقديم التعازي. أما ألا تحضر الحكومة ولا يحضر ممثلون عن الدولة فتلك مشكلتهم هم وليست مشكلتنا.

التعامل الرسمي مع موضوع وفاة عبد السلام ياسين، إن من خلال حديث الإعلام العمومي عن جماعة العدل والإحسان “المحظورة”، أو من خلال عدم إرسال أية جهة رسمية برقية تعزية إلى الجماعة، هل يمكن اعتباره تأكيدا لوجود قطيعة بين الدولة والجماعة؟

حتى تلك التغطية الإعلامية المشوهة وغير المنصفة لرجل من رجال المغرب مثل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في وسائل الإعلام المغربية الرسمية لم تكن لتقع لو لم تكن الدولة في حرج كبير، لأن العالم كله تحرك وتعاطف إعلاميا، فكانت الدولة المغربية محرجة في أن تقدم تغطية إعلامية موضوعية. وحتى ذلك الجزء غير المشرف من التغطية كان تحت الضغط وليس خيارا. هذا يعطي مؤشرات حول ما يقال عن استقلال الإعلام ودولة الحق والقانون وعهد الدستور الجديد وكل هذه المصطلحات يظهر الآن ألا علاقة لها بالواقع وأن دار لقمان ما زالت على حالها، وأن من يتحكم في القرارات ليس الحكومة، وإنما هم من اصطلح عليهم الأستاذ عبد الإله بنكيران بالتماسيح والعفاريت.

ألم تحاول الحكومة الحالية أو رئيسها عبد الإله بنكيران تحديدا لعب دور في مد جسور التواصل بينكم وبين الجهات النافذة في الدولة، المعنية بموضوع جماعتكم؟

أعتقد أن العلاقة مع الجماعة تشكل خطا أحمر، ولا أعتقد أن أحدا يمكن أن يقدم على هذه الخطوة إن لم يُعطه الضوء الأخضر من طرف رجال الدولة. ولذلك فنحن لا ننتظر شيئا من هذا القبيل.

بنكيران كان دعا الجماعة إلى التغيير…

هذا كلام عام، قاله من قبل الأستاذ محمد اليازغي [قيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ووزير سابق] وقاله غيرهما. ولكن، عمليا لا يجرؤ أحد على القيام بخطوات عملية من تلقاء نفسه.

لنرجع إلى الوضع الداخلي لـ”العدل الإحسان”، يروج أن هناك خلافات داخل الجماعة حول الرؤية إلى المستقبل بعدما كان وجود المرشد يحول دون بروزها وتفجيرها. ما صحة ذلك؟

داخل الجماعة كان هناك دائما حوار ونقاش والرأي والرأي الآخر، وتُحسم المسائل بالشورى داخل المؤسسات، كان ذلك في حياة المرشد رحمه الله وسيستمر بعده. أما أن تنتقل المسألة إلى تفجير أو صراعات أو تيارات، فأنا أطمئن الجميع أننا أبعد ما نكون عن ذلك. هذا الوضع يكون حينما يتصارع الناس على مسؤوليات ومناصب وراءها امتيازات ومكافآت. والحال أن هذه الأشياء غير موجودة عندنا في الجماعة لحد الآن، فالمسؤوليات يشعر بها الشخص بأنها تكليف وليست تشريفا، وأنها أمانة أمام الله أولا ثم أمام الإخوة داخل الجماعة وأمام المجتمع. فكلما ارتقيت في المسؤولية كلما تطلب الأمر منك بذل المزيد من الجهد والوقت والمال.

هناك سؤال مزعج يتكرر باستمرار حول وجود خلافات بينك وبين ندية ياسين ابنة المرشد الراحل، ما حقيقة الموضوع بالضبط؟

يتحدث بعض الناس عن أن هناك مشكلا شخصيا بيني وبين أختي الأستاذة ندية ياسين، والحقيقة أن هذا ضرب من العبث. فما يجمعنا بفضل الله من أخوة وتقدير متبادل أمتن من وفوق هذه الصغائر التي يروج لها البعض. ونحن في الجماعة عفانا الله من الصراعات الشخصية. هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فكما أكدت قبل قليل هناك اختلافات وأفكار حول ما يطرح من آراء. لكن لدينا آليات ومؤسسات لتدبير تلك الخلافات، فهذا أمر طبيعي. قد يكون لدي أنا رأي وللأخت ندية رأي آخر ولأخ أو أخت غيرنا رأي آخر، ولكن الرأي الذي تُجمع عليه الجماعة يصبح هو رأيها. هذه من الأمور التي تعصم الجماعة والحمد لله. أما الحديث عن الصراع بالصيغة التي تطرح أحيانا فهو غير موجود إطلاقا. ثم لا ننس أن الأستاذة ندية من ضمن مؤسسي الجماعة لا سيما قطاعها النسائي، وهي مشاركة قوية في بناء الجماعة بصفة عامة، ليس لأنها ابنة المرشد العام رحمه الله، ولكن لما تتمتع به من كفاءة وقدرة وإمكانيات تؤهلها للقيام بذلك الدور، ومكانتها في الجماعة ما زالت معتبرة.

قلت: داخل الجماعة يكون هناك نقاش واختلاف في الآراء، لكن ما يصدر عن الجماعة يكون رأيها الرسمي، فهل تندرج رسالة عبد الله الشيباني إلى عبد الإله بنكيران ضمن هذا النقاش؟

ذلك رأي الأستاذ عبد الله الشيباني، وقد عبّر عنه بكل وضوح في الصحافة، ولو كان هذا هو رأي الجماعة وما اتفقت عليه لأصدرته هيئة من هيئات الجماعة، لكن الرأي أصدره الأستاذ الشيباني بشكل شخصي ووقع عليه وعبّر أكثر من مرة عن هذه الصفة الشخصية.

لكن عبد الله الشيباني جزء من قيادة الجماعة، وبالتالي فحين يطرح رأيه علانية أمام الناس فتلك الصفة الشخصية تزول؟

لا. لأن للجماعة مؤسسات وناطقا رسميا. فرأيها الرسمي هو الذي يعبّر عنه رسمياً. وهذا يقع في كل الأحزاب، فلماذا يريد الناس التعامل معنا بشكل استثنائي وبخلاف ما هو موجود عند الأحزاب؟ في كل الأحزاب داخل المغرب وخارجه، هناك آراء تُنشر وتُنسب إلى أصحابها ولا يكون هناك مشكل. لكن البعض يريد أن يتعامل معنا وكأننا مثل العملة النقدية، يجب أن نتشابه في التفاصيل والدقائق الصغيرة، هذا أمر لا ينطبق على البشر.

يقال إن جماعة “العدل والإحسان” تستغل أكثر من مناسبة لتستعرض قوتها العددية، سواء كان ذلك في إطار مناسبة إنسانية محضة كجنازة الشيخ عبد السلام ياسين، أو في إطار مسيرات تضامنية ومسيرات احتجاجية. فما مدى وجاهة هذا التوصيف؟

كيفما تعامل الإنسان سيتعرض لانتقادات كهذه، إذا لم نشارك في أنشطة وتظاهرات ينبري من يقول إن الجماعة انكمشت وانتهت وبدأت تأكل نفسها، وإنها تشهد صراعات داخلية؛ وإذا شاركنا قيل إن الجماعة تستعرض عضلاتها من أجل إرسال رسائل معينة. إذن، أنا أتساءل: هل هناك من وصفة يمكن أن نتعامل بها، لكي تبعدنا عن هذا النقد والنقد المضاد؟

مسألة استعراض العضلات كان يمكن أن نضطر إليها في البداية. لكن قوة الجماعة أصبحت معروفة، فهل هناك داع لنؤكد في كل مرة أننا ما زلنا موجودين؟ هذه أصبحت من الأبجديات التي يعرفها الناس، ولم يعد من مسوغ ليُنسب إلينا أننا نستعرض العضلات. لكن الأحداث هي التي تفرض الحجم الذي يجب أن نخرج به. فإذا كان الحدث قويا مثل جنازة الأستاذ عبد السلام ياسين، فإننا لا نملك أن نتحكم في العدد، لأن المسألة مفتوحة ويشعر الناس أن القضية قضيتهم، وبالتالي لم يحضر فقط أعضاء “العدل والإحسان”، بل حضر الناس من مختلف الأطياف كما لاحظنا. إذن، فالمحدد هو طبيعة النشاط وطبيعة العمل وطبيعة العلاقة مع الأطراف الأخرى، التي تجعل الحجم الذي نظهر به منسجما مع ما يمليه هذا النشاط.

في كل المسيرات والتظاهرات المتعلقة بالقضايا العربية والإسلامية تكونون جزءا من الفاعلين الأساسيين فيها، لكن منذ سنة استفردتم بتنظيم بعض الأنشطة، هل يندرج ذلك ضمن ما تحدثنا عنه من قبل من محاولة الظهور كونكم الأقوى على الساحة؟

في كل الأنشطة التضامنية المتعلقة بقضايا مغربية أو بقضايا عادلة في العالم وليس فقط في العالم العربي، كلما وُجهتْ إلينا الدعوة إلا وشاركنا. وإذا لم نشارك في نشاط ما فمعنى ذلك أنه لم توجه لنا الدعوة. وحينما لا توجه إلينا الدعوة في نشاط تضامني من أي طرف، نكون مضطرين إلى أن ننزل نحن إلى الشارع. وهذا ما وقع في المسيرتين التضامنيتين مع القدس، اللتين نظمتا في الرباط والدار البيضاء. لقد كنا أعلنّا عن مسيرة الرباط، وبعد ذلك الإعلان قامت أطراف أخرى وأعلنت عن مسيرة الدار البيضاء. فكان من المفروض أن يُتَّصَل بنا وأن نُستشار وننسّق، لكن هذا لم يقع. بعد ذلك، تم الاتصال بنا، لا لكي نتشاور في كيفية الاستعداد للمشاركة، فنحن لم يكن لدينا أي إشكال لكي نلغي مسيرة الرباط أو نغير موعدها ونلتحق بمسيرة الدار البيضاء، لكن في إطار شراكة، وليس فقط نكتفي بأن نلتحق بالمسيرة الثانية ونلغي الأولى دون أن تكون لنا لا مشاركة فعلية ولا وجود ولا اعتبار.

هذا هو الحدث الوحيد الذي تم بهذا الشكل. أما الأنشطة التي نقوم بها بمفردنا فهي لا تلغي الأنشطة التي تتم بشراكة مع أطراف أخرى. فحتى الهيئات التي تنتمي إلى سكرتارية مجموعة العمل الوطني للتضامن مع فلسطين والعراق، كل واحدة منها حرة في أن تنظم أنشطة بمفردها. كونك تنتمي إلى هذه المجموعة لا يعني أنه لا يحق لك أن تقوم بأي نشاط.

وهذا ما تفعله كثير من الأطراف داخل السكريتارية نفسها.

لنختم حوارنا بثورات الربيع العربي وما أفرزته من تجارب للحكم، كما حدث في مصر وتونس مثلا، حيث تصدرت أحزاب ذات مرجعية إسلامية مقدمة المشهد السياسي، كيف تنظر إلى مثل هذه التجارب؟

أنا أرى الأمر على النحو التالي: ثمة دروس كبيرة جدا يمكن أن تُستفاد مما يقع الآن. من بينها أن الأطراف العلمانية واليسارية لم تعمل ـ مع الأسف ـ وفق الشعارات التي كانت ترفعها، من قبيل الديمقراطية والقبول بالآخر وحق التداول على السلطة. إن تلك الأطراف ـ سواء في مصر أو ليبيا أو تونس أو المغرب أو غيرها من البلدان ـ تعمل بكل قوة من أجل إفشال التجربة وليس معارضتها أو نقدها بموضوعية. وأنا هنا لا أبرئ الأحزاب الإسلامية من الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها، ولكنها أخطاء طبيعية، لأن تلك الأحزاب جاءت في ظرف غير عادي وغير طبيعي، بل هو ظرف انتقالي. ونحن نعلم كم قضت الدول التي سبقتنا في مثل هذه التجارب من سنوات طويلة، من أجل أن تستقر الأمور. ومثلما لاحظنا في مصر وتونس وفي غيرهما من البلدان، فإن الطرف الآخر لا يريد أن يكون فقط شريكا، بل يريد أن يفرض رأيه ومبادئه التي يؤمن بها، ويلغي الطرف الآخر ولا يسمح له حتى في أية جزئية من الجزئيات، وهذا سلوك لا تقول به لا الديمقراطية ولا التوافق الذي يفترض أن يكون في مرحلة انتقالية لا غالب فيها ولا مغلوب. لكن التوافق عندهم هو أن تلتزم بما يطرحونه هم.

لنتصور أن العكس هو الذي حصل: لو أن طرفا آخر غير الإسلاميين تصدر المشهد السياسي الآن، وقامت الحركات الإسلامية بما يقومون به هم الآن، كيف سيكون ردّ فعلهم؟ لا أعتقد أن الموقف سيُقبل، بل سيُتحدث عن عدم قبول الشرعية الديمقراطية وغير ذلك من الأمور. لذلك، نادينا نحن في المغرب ومنذ زمان، وما زلنا ننادي الأطراف الأخرى، من أجل أن نتوافق على ميثاق يحدد المرحلة المقبلة قبل أن نجد أنفسنا في صراعات لسنا في ظرف مريح لوضع آليات الخلاف ومبادئ الاتفاق وتصورات مآلات الأمور. فما وقع مثلا في حركة 20 فبراير كان يمكن تفاديه لو أن كل الأطراف اجتمعت ووضعت خطة موحدة، لضغطت ولاستطاعت أن تنتزع مكاسب أكثر ولتجنبنا كثيرا من الصراعات التي حدثت من قبيل تحديد سقف المطالب. أنا لست أدري كيف أصبحت حركة 20 فبراير تساوي المطالبة بملكية برلمانية وغيرها من الشعارات؟ من حدد ذلك، والحال أن 20 فبراير هي حركة عفوية انطلقت، والشباب المغاربة كان من بينهم شباب “العدل والإحسان” الذين كانوا يخرجون في المظاهرات والمسيرات، لكن الآخر أراد أن يلبسها لبوسه هو وتصوره هو، ونحن نريد أن نتفق على كل الآليات. وأعتقد أن الأمر لم يسر بالطريقة التي كان يجب أن يسير فيها بروح التوافق والتعاون والمشاركة الفعلية بغض النظر عن الأخطاء التي وقعت من لدن هذا الطرف أو ذاك.