قال ربنا في محكم كتابه في سورة الأنبياء: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) 1 .

إن المتأمل لواقع بلدنا الحبيب المغرب في كل جوانبه ومناحيه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصا الواقع السياسي الذي يغلب عليه طابع الاستبداد والدكتاتورية الفاسدة حيث الحكم المطلق رغم كل الأقنعة التي حاول النظام أن يضعها على وجهه القبيح تحت مقاسات معدة مسبقا ومسميات واهية ما انزل الله بها من سلطان ابتداء بالتعديلات الدستورية المزورة البعيدة عن الإرادة الشعبية والتعبير الحر والرغبة الأكيدة في التغيير وصولا الى محاولة الالتفاف عن مطالب الشعب المغربي الذي خرج يوم 20 فبراير 2 للاحتجاج والمطالبة بواقع جديد عنوانه الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والتي حاول النظام السياسي توظيف جزء من الإسلاميين راكبا بذلك موجة صعود الإسلاميين الى الحكم في عدد من الأقطار العربية الشقيقة التي أطاحت بالمستبدين أمثال حسني مبارك وبنعلي والقدافي و…

واقع مترد أتاح فرصة التمكن والتغلغل في أوصال المجتمع “لطفيليات سياسية” حكمت البلد بالحديد والنار تارة وتاريخ المغرب في سنوات الرصاص شاهد على ذلك وباعتراف رسمي وتارة أخرى بالمساومة والالتفاف والتزوير، هذا الواقع الذي قطع القلب وأدمى الكبد، يحتاج منا إلى وقفة تأمل وتشخيص دقيق يقف عند مكامن الخلل ويطرح حلا لتجاوز الإشكال والتردي الذي أبقى وطننا في ذيل الأمم حتى أضحت بعض بلدان إفريقيا التي عاشت حروبا أهلية وصراعات مريرة إلى أمس القريب أحسن حالا، والتقارير الدولية شاهدة في هذا المضمار لمن حاول أن يصم الأذان أو يستغشي الثياب، هذا الوطن الذي كان يوما من أقوى أمم المعمورة، يتقرب له الكل ويهابه ويأخذ من حضارته ويتعلم من رجالاته الطب والرياضيات والفلك والفيزياء والعلوم العسكرية و…

لكن تسلط أغيلمة على الحكم سبب للأمة أزمة سياسية طويلة الأمد حيث انزوى العلماء عن دورهم الحقيقي واكتفوا بالقشور وفتاوي “طرف خبز” كما يقول المثل المغربي الشعبي، كل هذا أطلق اليد لبطانة فاسدة أحاطها الحاكم الفاسد بنفسه وشكل منها إخطبوطا سماه نظاما سياسيا ضمن من خلاله استمرارية الحكم له ولنسله من بعده.

يقول “إتين دى لابويسية” في كتابه الرائع “العبودية المختارة” الذي ألفه في القرن السادس عشر: فى كل عهد كان ثمة أربعة أو خمسة تصيخ إليهم أذن الطاغية، يتقربون منه أو يقربهم إليه ليكونوا شركاء جرائمه وخلان ملذاته وقواد شهواته ومقاسميه فيما نهب، هؤلاء الستة يدربون رئيسهم على القسوة نحو المجتمع لا بشروره وحدها بل بشروره وشرورهم. هؤلاء الستة ينتفع في كنفهم ستمائة يفسدهم الستة مثلما أفسدوا الطاغية، ثم هؤلاء الستمائة يذيلهم ستة آلاف تابع، يوكلون إليهم مناصب الدولة ويهبونهم إما حكم الأقاليم وإما التصرف فى الأموال ليشرفوا على بخلهم وقساوتهم وليطيحوا بهم متى شاءوا تاركين إياهم يرتكبون من السيئات ما لا يجعل لهم بقاء إلا في ظلهم ولا بعدا عن طائلة القوانين وعقوباتها إلا عن طريقهم. ما أطول سلسلة الأتباع بعد ذلك.!!! وجاء (من هنا) خلق المناصب الجديدة وفتح باب التعيينات والترقيات على مصراعيه. كل هذا يقينا لا من أجل اصلاح العدالة بل أولا وأخيرا من أجل أن تزيد سواعد الطاغية) 3 .

قال الشاعرعبد المجيد فرغلي:

ظن السياسة لعبة يلهو بها *** عبثا بشعب فوق قمتة ارتقى
أو هكذا خلق السفيه إذا امتطى *** حكما على شعب أباد وأزهقا؟
4

واليوم وأمة الإسلام تشهد انتفاضات مباركة انطلقت شرارتها الأولى من تونس الزيتونة لتنتقل الى مصر الأزهر حيث مع كل هبة جماهيرية تبدأ الأصنام تتساقط وتتهاوى، بفعل ضربات الجماهير التي تحمل معول سيدنا إبراهيم عليه السلام في يدها.

معول لطالما حلمنا وانتظرنا الفرصة التاريخية لننال به من هذه الأصنام التي شوهت حضارتنا ومرجعيتنا وجعلتنا أرقاما بلا فائدة. معول حملته الطبقات المسحوقة المستضعفة ملبية نداء التكبير يزلزل أركان عروش الباطل ويهدم دولة الظلم وهي تهتف من هنا الطريق حاملة المعول في يد وفي اليد الأخرى يافطة كبيرة مكتوب عليها طريق الحرية والكرامة والعدالة والاجتماعية، ولعل أحداث حي سيدي يوسف بنعلي في مراكش دليل قاطع ان طلائع المستضعفين والمقهورين والمسحوقين لن تخلي الساحة ولن تدع عبث العابثين وظلم الظالمين وجشع الفاسدين يستمر دون أن تتمرد وتعلن العصيان وهذه هي بوادره تلوح في أفق سماء مغربنا إن شاء الله لأن الشعب نفذ مخزون صبره وفقد الثقة في كل الشعارات الرنانة التي رفعت ولازالت ترفع كما فقد الثقة في الواجهات والمساحيق التي زين بها النظام المخزني وجهه الكالح المتشح بالسواد حيث الفساد والظلم والتفقير والإقصاء والتضييق و….

قال الشاعر:

والظالم الجبار سوف يرى الردى *** مهما تحصن أو أعد الفيلقا
غضب الشعوب صواعق نارية *** يا ويح من بعثت إليه موبقا
5


[1] سورة الأنبياء الآيات 56 الى 63.\
[2] حركة شبابية احتجاجية مغربية تأسست في 20فبراير 2011.\
[3] العبودية المختارة إتين دى لابويسية.\
[4] قصيدة غضب الشعوب للشاعر عبد المجيد فرغلي.\
[5] نفس القصيدة.\