لقد كانت قضية وحدة الأمة الإسلامية، وبناء رابطتها، وإحياء بواعث نهضتها، مما ميز كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، لكن اللافت للاهتمام أكثر هو عمق التحليل، والتشخيص الدقيق للقضايا العلمية، والظواهر الاجتماعية، والتاريخية… ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أن منهج الرجل في البحث والتحليل هو التتلمذ للقرآن الكريم والسنة النبوية، والاستفادة من التراث الإسلامي لعلمائنا رحمهم الله بعين ناقدة متفحصة، مع معرفة دقيقة بظروف العصر وإكراهاته وخصوصياته.

فهو بحق مجدد وعالم ومفكر، ومربّ، وداعية إلى الله، فقلما نجد في عصر من العصور من يجمع بين هذه الخصائص والمقومات، فقد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، ويدل على هذا ما خطته يده من كتابات، تجده في الكتاب الواحد بل في الفصل الواحد إن لم يكن في الصفحة الواحدة، يقترح أفكارا ومشاريع للعمل والنهوض بالأمة، وينتقد الفقهاء أو الفلاسفة أو الإسلاميين أو السياسيين، ويصحح الأفكار، ويناقش المخالف والموافق بالتي هي أحسن، ويدعو القارئ إلى التوبة، ويذكره بمصيره يوم القيامة.

ومن هذه الكتابات الرائعة لهذا الداعية العالم، كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها”، وهو جزء من كتاب “دولة القرآن”، ولا شك أن هذا الكتاب كما هي عادة هذا الرجل، قد كتب من زمن طويل 1 ، لكنه اختار الوقت المناسب لإخراجه، حيث الكلام اليوم بعد الثورات العربية أو الربيع العربي عن الحل الإسلامي، وعن دور “الإسلاميين”، وعن تطبيق الشريعة، وقد اختار الناس طواعية المشروع الإسلامي في كل الدول التي أسقطت الاستبداد، لكن الكاتب لم يشغله الصخب الإعلامي، وكثرة التحليلات، والسجالات، والنقاشات، والندوات التي تحلل وتدرس ما وقع في الربيع العربي، والتي إن لم نقل كلها فأكثرها يفتقد للعلمية، والدقة، والعمق في التحليل والدراسة.

قلت: لم يشغله هذا كله عن بيت القصيد، وعن الواجب الشرعي اليوم، وهو التفكير في لَمِّ الشتات، وجمع البيت الإسلامي، والبحث عن الموافقة والمؤالفة، وتدبير اختلافات العاملين للإسلام، وتوجيه الجهد والعمل نحو بناء جماعة المسلمين والانتماء إليها والتي لا تزال في طي الغيب انتماء الولاء، وانتماء التهيؤ، وانتماء تركيز الجهود للوصول إليها، فذلك هو الانتماء المنجي من الميتة الجاهلية) 2 .

سنحاول من خلال هذه الورقة، الوقوف عند مضامين فصول وفقرات هذا الكتاب، بإيجاز غير مخل، محيلين على صفحات الكتاب لمن أراد الاستزادة، والتوثيق العلمي، وقد جاء الكتاب في مقدمة، وأربعة فصول.

مقدمة

تكلم فيها أبو بكر بن الحسن ابن الصديق عن قيمة الكاتب العلمية، ومتانة وعمق كتاباته، وعن مطمح الكتاب الذي هو: رأب الصدع بين الدعوة والدولة، وموضوعه الذي هو: عرض تصور متكامل لجماعة المسلمين.

طالع أيضا  قراءة في كتاب "جماعة المسلمين ورابطتها" (1)

الفصل الأول: الدعوة والدولة

أدرج الكاتب تحت هذا الفصل اثنتي عشرة فقرة، كانت عناوينها متنوعة، استوحاها الكاتب كعادته إما من آية قرآنية، أو حديث شريف، أو قولة لأحد الخلفاء الراشدين، أو علماء الإسلام.

وافتتح الكاتب هذا الفصل بالفقرة الأولى: السلطان يقاتل القرآن) بين فيها مراده من هذا الكتاب بقوله: في هذا الكتاب نريد أن نبين إن شاء الله أن دولة القرآن ونظامها هيكل لسكن جند الله، وآلة في أيديهم ودرع لحمايتهم) 3 . وحذر المسلمين من الاغترار بالصيغ والأشكال الجديدة التي يبتكرها أعداء الإسلام لقتال السلطان للقرآن، وأطلق عليها صيغة الإسلام الأمريكي أو اليسار الإسلامي) 4 وأن أساليب ومناهج الحرب على القرآن وأهله تطورت في عصرنا عما كانت عليه من قبل قتال القرآن أمس الدابر بالرشوة والقمع، بمنح الملوك ومحنهم للدعاة كان قتالا بسيطا ببساطة وسائله، وهو اليوم حرب مجهزة بأحدث أساليب المكر والاغتيال والتآمر) 5 .

أما الفقرة الثانية الثنائي الجهنمي) ذكر فيها الكاتب أنه بعد انتهاء الحروب الصليبية، وخروج المسلمين من الأندلس، تغيرت أشكال الحرب على المسلمين حيث اتخذت صيغا أخطرها: الماسونية والعلمانية) 6 ، ولذلك سماهما بالثنائي الجهنمي.

فالماسونية تنظيم يهودي سري، فكرتها الجوهرية وأساس بنائها هو: أن الأديان تفرق، وأن الإنسانية تجمع، فلتكن الرابطة الجامعة الأسمى رابطة الإنسانية تغاضيا عن كل دين) 7 وقد انتشرت النوادي الماسونية في البلاد الإسلامية، واغتر بها وانخرط في سلكها علماء من الأمة من أمثال الأفغاني وجماعته ومحمد عبده وتلامذته) 8 لكن الكاتب التمس لهم العذر بأنهم كانوا صادقين لكن انطوت عليهم الحيلة والخديعة حدث كل ذلك في فترة كانت خبرة المسلمين فيها بكيد اليهود قليلة) 9 .

أما الشكل الجهنمي الثاني فهو: العلمانية، يقول الكاتب عن هدف هذا الثنائي: هدف الماسونية تجريد الناس من الدين أفرادا، وهدف القومية العلمانية تجريدهم منه جملة) 10 . والعلمانية كما هو متداول هي: فصل الدين عن الدولة، لكن يضيف الكاتب أنها إذا اقترنت بالقومية تعني: فصل أجزاء البلاد الإسلامية وشعوبها بعضها عن بعض، لتنخرم الوحدة على الدين وبالدين) 11 .

وذكر الكاتب أن هذا الثنائي نشأ في أوربا، وبتحريك من اليهود ومباركة منهم، وكانت العلمانية في بدايتها صيغة للتمرد على الكنيسة، التي كانت تقيد الفكر والعقل والإرادة والحرية، فشوهت الكنيسة الدين وعلاقته بالدولة، فكان ذلك سبب قيام المغربين من بني جلدتنا بالدعوة في بلاد المسلمين إلى الفصل بين الدين والدولة، جهلا منهم بالإسلام. يقول الكاتب: جهلوا الإسلام فقارنوه بالنصرانية، وجهلوا أن لا كنيسة في الإسلام فعمدوا إلى رمز أثري، كان يؤدي مهمته على كل حال، فخربوا الخلافة العثمانية) 12 .

طالع أيضا  قراءة في كتاب: "جماعة المسلمين ورابطتها" للأستاذ عبد السلام ياسين (3)

ثم انتقل الكاتب إلى فقرة قيام الدين بالقسط) وخلاصته إجابة دولة القرآن لبني الإسلام، وبني الإنسان، عن أسئلة الغاضبين عن الظلم والاستبداد وتقنعهم بالحجة المنطقية والحجة العملية 13 .

وفي فقرة معلمون) قرر الكاتب معنى جليلا مفاده: تنصيب معلمين يفقهون الناس في دينهم ويؤكد ذلك بقوله عن فتوحات سيدنا عمر: بل كان الفتح والتنظيم مقدمة لبث الدعوة وتعليم الناس دينهم) 14 .

وفي رعاة لا جباة) أكد على أن الحاكم يجب ألا تشغله أمور الحياة عن مهمته الأساسية وهي الدعوة، والحرص على العدل مع الرعية، وكون الحاكم راعيا وليس جابيا، لكيلا ينقطع الحياء، والأمانة، والوفاء. هدف تربوي ديني أخلاقي 15 منطلقا من نص لكتاب سيدنا عثمان رضي الله عنه إلى عماله.

وفي العلماء الأمراء) ذكر أن صلاح الناس وفسادهم رهين بصلاح أو فساد أولي الأمر وهم صنفين: العلماء و الأمراء 16 .

وفي وازعا القرآن والسلطان) يذكر الكاتب أن وازعا القرآن والسلطان قد انفصلا وانشق بعضهما عن بعض، وأصبحت الدعوة تحت إمارة السيف، بعدما كانت في عهد النبوة متحدة الوجهة مع الدولة، وعلق على قولة سيدنا عثمان: لما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن) بقوله: والمنطق الذي يصدر عنه رجل دعوة مثل الإمام عثمان رضي الله عنه هو أن يعتمد وازع السلطان ليكون رادعا لمن يخالف تعليم القرآن) 17 .

واستمر في عبادة النفس) يقرر أنه لما تسلط صاحب اليد والقدرة حامل السيف لا حامل الرسالة، فإنه لا يستعمل السلطان ليزع به من يخالف القرآن 18 لذلك فإن هذا الصنف يتحكم فيه هوى نفسه ويعبدها عوض عبادة الله تعالى، ولبناء دولة القرآن لابد من الدعوة التي تقوم بمهمة التربية يقول الكاتب: إننا بصدد البحث عن رأب الصدع بين الدعوة والدولة في البناء المستقبل لدولة القرآن، فلا نذهب تائهين في تصور هياكل إسلامية بلا روح، وروح هذا الجسم، جسم الدولة هي الدعوة التي تربي المومنين على هذه المثالية من بذل النفس والجهد كله لله، فالبناء النفسي أساس ترتفع عليه هياكل الدولة القرآنية، وإلا كانت صنما وطاغوتا) 19 .

افتتح الكاتب هذه الفقرة الكيان المعنوي للدولة) وتكميلا لما سبق بأن في دولة القرآن تحتل الغاية الإيمانية الإحسانية الصدارة، فتصطف السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتنظيم، وكل كبيرة وصغيرة في كل مجال من مجالات الحياة، في أماكنها النسبية، تأتمر كلها بأمر الدعوة، وتسعى كلها لنشر الدعوة) 20 .

وذكر الكاتب أن على الأمة وعلمائها تشخيص دائنا، والاعتراف به، والمتمثل في فساد الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم استيعاب هذا الأمر يعني أن مستقبلنا يبقى في ضباب، وكل دفاع عن الاستبداد والعض والجبر إنما هو استلذاذ بالأوبئة التي نهكتنا قرونا حتى أتت إلى كياننا المعنوي فتبعه في الانهيار كياننا السياسي الحضاري) 21 .

طالع أيضا  قراءة في كتاب: "جماعة المسلمين ورابطتها"للأستاذ عبد السلام ياسين (الحلقة 2)

وكانت الخلافة سحابة يستظل بظلها، فارغة من محتواها وجوهرها وهو النيابة التامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 22 واستمر إفراغ الخلافة من جوهرها وتشييئها، حتى أصبحت آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل الاستحقاق للخلافة: اتخذت هذه الآثار المباركة رمزا للخلافة فكأنها طلسمات تكسب الحائز عليها سر الخلافة) 23 .

وفي السلطان النصير) يقر أن السلطان عزة وقوة لتمكين الدعوة في دولة القرآن، والسلطان ينصر كتاب الله وحدوده وفرائضه 24 .

وذكر في الإيمان والشريعة) أن الإيمان يحاكم باسم الشريعة من طرف الحكام الظلمة: باسم الشريعة ينصب بساط التعذيب، وترفع أعواد المشانق… ولا يزال الإيمان الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر يحارب باسم الشريعة) 25 . وأصل الكاتب لعلاقة الإيمان بالشرع في دولة القرآن بقوله: إن سلطان الدولة القرآنية أداة إلزام بالشرع الذي تقتنع به الأمة الحرة في اختيار حكامها، وفي هذه الحالة لا تناقض بين الإيمان والشرع، بل يكون الشرع والإلزام به إطارا يصون الإيمان ويعضده) 26 .

وفي فقرة دولة رسالة) أن دولة القرآن لتكون دولة رسالة لا بد أن تقوم على الدعوة، كما قرر ذلك الشيخ البنا ومحمد الغزالي رحمهما الله، والذين نقل عنهما الكاتب اتفاقهما على هذا الأمر، وأن أعداء الإسلام قد يسامحون ويتغاضون عن الإسلام الفردي الانزوائي، لكن لا يسمحون بالإسلام الرسالي: لكن الذي لا يتحملونه هو أن تنعقد الصحوة حركة سياسية ثورية تهدف قلب الأنظمة الفاسدة) 27 .


[1] والدليل على ذلك قول المقدم للكتاب: “وأرجوا أن يضع القارئ الكريم كلام الأستاذ عبد السلام ياسين، وهو يعالج أمورا من تاريخ المسلمين المعاصر، في سياق هذه الفترة الزمنية، أي منذ ثلاثين سنة خلت” جماعة المسلمين ورابطتها ، ص: 12.\
[2] جماعة المسلمين ورابطتها، ص: 80.\
[3] نفسه: ص: 16.\
[4] نفسه: ص: 16-17.\
[5] ص: 17.\
[6] ص: 18.\
[7] ص: 18-19.\
[8] نفسه.\
[9] نفسه.\
[10] ص: 20.\
[11] نفسه.\
[12] ص:20-21.\
[13] ص: 22.\
[14] نفسه.\
[15] ص: 23-24.\
[16] ص:25.\
[17] ص: 26.\
[18] ص: 27.\
[19] ص: 28-29.\
[20] ص: 29.\
[21] ص: 30.\
[22] ص:31.\
[23] ص: 32.\
[24] ص: 34.\
[25] ص: 36.\
[26] نفسه.\
[27] ص: 38.\