من علامات توفيق الله تعالى للعبد أن يُشرب قلبَه محبة الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فتغدو حينئذ سنة الحبيب شغاف قلبه، يستوي عنده صغيرها وكبيرها في التعظيم، ويرزق ببركة الصحبة والمحبة للجناب الأعظم حكمة التنزيل وفقه الترتيب والأولويات.

الوراثة الكاملة

والحقيقة أن صحبتي للأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله من خلال زياراتي المعدودة التي تشرفت بها، ومن خلال صحبتي لمن هم أقرب مني إليه وأسبق، ومن خلال مطالعتي لكتبه ورسائله، ومشاهدتي واستماعي لأشرطته، ومن خلال الرابطة القلبية التي تجمعني به في الدعاء؛ أكدت لي ولا تزال أننا كنا على موعد مع أحد ورثة الحبيب المصطفى وأمنائه الذين لا يجود بهم الزمان -أو بالأحرى وأستغفر الله- لا يجود بهم رب الزمان إلا نادرا، ليس بُخلا منه سبحانه وتعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ 1 ، ولكنها سُنة ماضية اقتضتها حكمة الحكيم الخبير بأن يبعث ‏ لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.

كان رحمه الله حريصا أشد الحرص على دقيق السنة حرصه على عظيمها، لا يشغله طلب العلم النافع وتأثيله وتدوينه وتبليغه عن التزلف إلى مولاه سبحانه بالغدو والآصال، ولا عن التهمم بحال الأمة والحزن لحزنها والفرح لفرحها، وفي هذا السياق نقل إلينا أحد الإخوة المقربين منه أنه دخل عليه يوما والفرحة بادية على محياه، فلما استفسر عن الأمر، أخبر أنه قد وضع يده أخيرا على حديث يخبر عن كيفية تخليل رسول رب العالمين لأصابع رجليه أثناء الوضوء 2 .

حُقَّ لك الثناء

ولا تكاد تخرج وصيته رحمة الله عليه عن هذا السياق، سياق الاهتبال بالسنة المشرفة والعض عليها وإحيائها في قلوب محبيه والعالمين.

لقد كتب وصيته ليلة الأحد 25 ذي الحجة سنة 1422 للهجرة، أي قبل موته بأربعة عشر عاما، وهذا إن أكد شيئا فإنما يؤكد رسوخ الرجل في سُنة ذكر الموت والتذكير به، ولا زلت أذكر يوم زارنا رحمه الله في مدينة بني ملال عقيب رفع الحصار الجائر عليه، فما كان منه إلا أن جعل من لقائه بمن انتظروه سنوات شوقا إلى خطاب سياسي رنان يسفه أحلام الظالمين، وينفخ في غضبة النفوس عليهم، – جعل منه – لقاء تدارس لحديث المعصوم صلى الله عليه وسلم: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “زر القبور تذكر بها الآخرة، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة” 3 ، إنها صفة من صفات الرجال الذين “هم هناك” في مقام الثناء، يحيي الله بهم القلوب الصدئة بما ران عليها من حجب الشهوات أو الشبهات أو حتى حجب الكدح ذات اليمين وذات الشمال لإعادة مجد الإسلام وهي في حمأة الغفلة عن الموت والدار الآخرة. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: “ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ قَدْ مَاتَ، فَأَحْسَنُوا عَلَيْهِ الثَّنَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ كَانَ ذِكْرُ صَاحِبِكُمْ لِلْمَوْتِ؟ قَالُوا: مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ يَكَادُ يَذْكُرُ الْمَوْتَ. قَالَ: فَإِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيْسَ هُنَاكَ” 4 .

إنها الإضافة النوعية من بين الإضافات التي ميزت سلوك الرجل وفكره ودعوته، قدم راسخة في التهمم بأمر المسلمين وقلب لا يفتر عن ذكر الموت والدار الآخرة وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون 5 . يقول رحمة الله عليه في كتاب العدل: ومن يجري في مهيع السياسة بدون هذا المشـروع الفردي الأخـروي الرباني الإيماني الإحساني فله إن شاء أن يكون غُرَابِيَّ المِشْيَةِ، طاوُوسِيَّ البِزَّةِ، فارغ القلب، بلا أمل بعد الفشلات يُرتَقَب، وبلا مصير بعد الموت يُعتَقَب) 6 .

رحمك الله سيدي رحمة واسعة، وجزاك عنا خير الجزاء.


[1] المائدة: 64.\
[2] قال المستورد بن شداد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابعه بخنصره. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي.\
[3] حديث مرفوع رواه الإمام البيهقي في شعب الإيمان.\
[4] أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف.\
[5] العنكبوت: 64.\
[6] العدل، الإسلاميون والحكم: 341.\