لا يمكن لشرعية السؤال عن مآل جماعة العدل والإحسان بعد مؤسسها ومرشدها العام أن تناقش، لأنه سؤال يهم الشأن العام على اعتبار أن الجماعة جزء من المجتمع المغربي ورقم في معادلات المشهد السياسي. يدور السؤال الذي يعد من المواضيع الدسمة التي تناولتها المنابر الإعلامية والمحافل والكواليس أيضا حول فكرة محورية: كثيرا ما قيل إن الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله هو الجماعة، وأن الجماعة هي الأستاذ عبد السلام ياسين، وأن مواقف الجماعة هي مواقفه، فهل يؤذن رحيله بنهاية الجماعة أو على الأقل بتغيير مواقفها الجذرية؟ هذا ما تلمح إليه بعض المقالات أو ربما تتمناه، صار الرجل إلى ربه وسينتهي أمر الجماعة برحيله. طبعا لن تكون النهاية، حسب القائلين بهذا الرأي، بضربة لازب، بل سيأفل نجمها تدريجيا عبر ثلاث سيناريوهات ممكنة.

– السيناريو الأول: تصدع صف الجماعة بسبب أزمة القيادة التي ستواجهها. ينطلق البعض من فرضية مفادها أن الجماعة لن تجد شخصا كالراحل الأستاذ عبد السلام رحمه الله، وعليه فإن رحيله سيضعها أمام أزمة قيادة ستتطور إلى بروز قيادات وتيارات داخل الجماعة. يتوقع أصحاب هذا الطرح مسارين أولهما أنه وبمجرد ما أن يثار موضوع خلافة الأستاذ عبد السلام ياسين حتى تظهر إلى العلن تطلعات وأطماع قيادات الجماعة التي كان ظل المرشد يحجبها، وثانيهما صعوبة حدوث إجماع على خليفة له.

– السيناريو الثاني: الخلاف حول خط الجماعة. تنحو الأطروحة منحى آخر رغم أنها تتنبأ للجماعة بنفس المصير وهو ظهور تيارات داخلها. يراهن أصحاب هذا الطرح على خلاف جيلي الجماعة الأول والثاني حول الموقف من المخزن والمشاركة في الانتخابات من عدمها. وعليه وبالإضافة إلى الخط الأصلي المقاطع الذي يتبناه جيل التأسيس، فسيعلو صوت آخر هو صوت الجيل الثاني الأكثر مرونة.

– السيناريو الثالث: انحصار إشعاع الجماعة وموتها الطبيعي أو تحولها إلى زاوية إن هي قررت الوفاء لنفس خط الأستاذ عبد السلام ياسين. ينطلق أصحاب هذا الرأي من مزاعم أن الجماعة معزولة سياسيا، وأنها تتآكل بسبب هذه العزلة، وأن مجالات نشاطها شبه منعدمة، وأنها بلغت الباب المسدود، وهي بذلك مجبرة على إعادة النظر في مواقفها والدخول إلى معترك السياسة.

لا تزيد هذه الأطروحات عن كونها خواطر تعبر عن انتظارات أصحابها. فلا هي مقالات علمية تعتمد منهجية علمية واضحة ومعتمدة، ولا هي مقالات صحفية تحليلية تعتمد الدقة وعمق التحليل. صحيح أن السؤال أو الأسئلة تطرح بصيغ تستهوي القارئ، لكن بمجرد الغوص في المقالات، فإن القارئ يجد نفسه أمام مقالات سطحية وأفكار هي أقرب إلى التمني.

تنطلق هذه الأطروحات من منطلق غير سليم، فهي تضع العدل والإحسان في نفس البوتقة مع غيرها من التنظيمات. إن فهم سلوك تنظيم معين يقتضي فهم منظومة قيمه ورؤيته و”البراديڭم” المؤطر له، وعليه فمن غير الممكن مقاربة كل التنظيمات بنفس الطريقة وباستحضار نفس الاعتبارات. تشير الأدبيات التربوية والتظيمية لجماعة العدل والإحسان أنها تنظيم ذو جسم وروح، الجسم أعضاء وهياكل ومؤسسات لا يرتبط بعضها ببعض ارتباطا إداريا بحيث أن بعضها تابع لبعضها وتحت إمرته، والروح تربية تجعل الجسم كلا متماسكا ومتكاملا بالصحبة والمحبة والتشاور والتياسر ونبذ الخلاف والدعاء وصفاء القلوب والنيات. بلغة المختصين في التدبير لا تعطى الأولوية في جماعة العدل والإحسان للهيكلة والقوانين فقط وهو الجانب الظاهر في التنظيمات، بل للبعد غير المهيكل في التنظيم وهو الجانب الأخطر فيه والأكثر تأثيرا وحساسية. الهياكل إذن أجسام فارغة وليست ذات جدوى إن لم تعمر بالتربية والتزكية.

لهذه الاعتبارات لم يكن موضوع خلافة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يشغل أعضاء الجماعة ومؤسساتها بقدر ما كان يثير أسئلة من خارجها. ذلك أن تجارب تنظيمات سياسية واجتماعية وأدبية كثيرة غلب عليها الصراع والتجاذب وعلا فيها صوت الأنا المدمر.

رحل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله واقتربت الساعة، أقصد ساعة اختيار الخليفة. انتخب مجلس شورى جماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما والأستاذ فتح الله أرسلان نائبا له لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد. بعيدا عن شخصي الأستاذين المنتخبين، نثير مجموعة من الملاحظات.

– أولا: اختير الأمين العام ونائبه بالانتخاب مما فند مزاعم بل رهانات الكثيرين أن الأستاذ عبد السلام ياسين سيورث “سره” لأحد “مريديه” كما هو الشأن لدى الطرق الصوفية.

– ثانيا: اتخذ مجلس الشورى قراره بعد عشرة أيام من رحيل المرشد العام، هذه المدة قياسية بالنظر لأهمية القرار ومقارنة مع تنظيمات أخرى يحتاج اتخاذ مثل هذا القرار أشهرا.

– ثالثا: تم الانتخاب من داخل رباط تربوي شعاره الثبات والوفاء)، للإشارة فلم يكن مجلس الشورى وحده في رباط بل كانت الجماعة كلها عبر العالم في رباط، بمعنى أن الانتخاب تم وآلاف القلوب عبر العالم متوجهة إلى الله سبحانه وتعالى تسأله السداد والتوفيق.

يبدو أن الجماعة تنسج تجربة لم نعهدها، قرارات مصيرية تتخذ بسلاسة ودون تشجنات، قرارات تتخذ وكل القلوب متوجهة إلى ربها صوما وذكرا وتذللا. ثم يقول الأمين العام المنتخب في ندوة صحفية أنا لست أهلا لهذا المقام).